التراث الشفهي في خطر.. من يوثّق الحكايات الشعبية قبل أن تختفي؟| خاص
يعكس التراث الشعبي هوية كل بلد، فمن لا ماضي له لا حاضر له، إذ تخلى عن ماضيه، ويعزز التراث الشعبي الفخر والانتماء لدى الشعوب، فيتمثل في الغناء الشعبي والأكلات الشعبية والزي الشعبي، فضلًا عن الحكي الشعبي.
فمن الآن يستعيد حكايات جحا، ومن يأكل الفول والطعمية والكسكسي، ومن يرتدي في الحفلات التنكرية القردان، ومن يخبز الكحك في الأعياد، كل هذه الموروثات كادت أن تندثر، لو لم يبدأ الفرد بنفسه ويتوارث هذه العادات، وعدم السماح للغرب بمحو التراث المصري الشعبي وينسب هذا لنفسه.
قالت الدكتورة عزة رياض الكاتبة والباحثة في التراث الشعبي، أن مأثورات أطلس والفلكلور هي المعنية بتوثيق التراث الشفهي والحكايات الشعبية، موضحةً أن هناك باحثين يتم اختيارهم لعمل بحث ميداني وجمع ميداني للتراث، لتوثيقه.
وفي تصريح خاص "إيجبتك" أوضحت الدكتورة عزة، أن الفترة الأخيرة هناك اهتمام كبير من قِبل الدولة لتوثيق التراث الشفهي والشعبي، إذ يتم جمع الحكايات والحِرف الشعبية كصناعة "إيد الهون، أو غيرها من الحِرف الشعبية"، فضلًا عن مكنز الفلكلور الذي جمع فيه الدكتور مصطفى جاد، عميد المعهد العالي للفنون الشعبية وأستاذ التراث الشعبي والكاتب، معظم أنواع الفلكلور بكود خاص به، على غرار (معجم الخبز الموجودة في أسوان).

تراث شعبي مُنافس
وأضافت رياض، أن هناك الكثير من التراث الشعبي الذي أصبحنا نتنافس فيه، مثل الحنة التي أصبحت مناصفةً بيننا وبين دولة أخرى تدّعي أن الحنة من تراثها الشعبي، فضلًا عن "حكايات جحا"، التي أصبح عليها جدال أيضًا، ولكن أصبح اليوم هناك توثيق من اليونسكو للتراث الشعبي المصري بحيث لا يستطيع أحد أن يدّعي أنه ملكه.
توارث التراث الشعبي
وأشارت رياض، إلى أنه حتى يتم الحفاظ على التراث الشعبي، يلتقي عدد من شباب المحافظات في معسكرات وحفلات تراثية، لمدة عشر أيام مثلًا، بحيث يتم تبادل التراث الخاص بكل محافظة، موضحةً أن هذا التبادل أشبه بالمحاكاة.
محاولة اندثار للتراث الشعبي المصري
وأوصت الدكتورة عزة رياض، بضرورة البدء في التوعية بالمدارس وخاصة في الحفلات التنكرية التي يقوم بها الأطفال، قائلة "بدلًا من ارتداء زي سنهويت أو غيرها من العرائس الغربية، يُمكن ارتداء الزي الفلاحي أو الدمياطي"، وذلك حتى لا يتم عمل اندثار للثقافة الشعبية، وحتى يتم إعادة النظر فيها.
ولفتت رياض، إلى أنه بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح هناك نقلة نوعية في التوعية بالتراث الشعبي المصري، مؤكدةً على ضرورة التركيز على الصالونات الأدبية وعلى كل شخص أن يحمل التراث على نفسه أولًا مثال "ارتداء الزي النوبي، الصعيدي يومًا"، قائلة أن التنوع هو أساس الحياة "لا نعرف قيمة جمال الوردة الحمراء بدون الصفراء".
وأشادت رياض، بتفاخر الناس حاليًا بالأماكن الشعبية التي ينتموا إليها، مثال "السيدة زينب – الظاهر – باب الشعرية) وغيرها من الأماكن الشعبية.
أكدت الدكتورة عزة رياض الكاتبة والباحثة في التراث الشعبي، على ضرورة عمل رحلات مدرسية للأرياف الحقيقية بحيث يتم عمل محاكاة حقيقية للأطفال، لافتة إلى أن السينما غير مهتمة باللغة التي يتحدثها الفلاحين بالأرياف، قائلة أن "اللغة الريفية المستخدمة في الأرياف خاطئة، وكذلك قصات الشعر ليست صحيحة أيضًا"، "الفلاحين مش قاعدين طول اليوم كده، ومش بيفردوا شعرهم كده".
كما أشارت الباحثة في التراث الشعبي، إلى أنه مع “الأسف أصبح بنات الريف أيضًا يرتدون مثل بنات الحضر، وأصبحن يتخلين عن تراثهم، مؤكدة على أن إحياء التراث الشعبي لابد أن يبدأ من المدرسة”.
ووضحت رياض، على أن الدولة المصرية أصبح لديها اهتمام بإحياء التراث الشعبي، مقترحةً ضرورة وجود يوم يتم عمل فيه مُسابقة لأفضل ارتداء ملابس شعبية، أو مسابقة لأفضل طبق مصري "أكلات مصرية" أصيلة، لافتة إلى أن الموضوع غير مقتصر فقط على الفن أو الرقصات، وإنما هناك تفاصيل أخرى للتراث، مثل الطقوس في حد ذاتها، مثل طقوس عمل الكحك.
محاكاة للتراث الشعبي
وأفادت عزة، بأن الحل هو عمل مُحاكاة، مثال يتم إحضار مكونات الكحك، وخبزه أمام الأطفال وكل طفل يأخذ قطعة ويشكلها كما يريد، مشيرةً إلى طقوس في السابق التي كان يتم عمل الكحك فيها وكتابة أسماء الأهالي على "الصاجات"، وكذلك الحال بالنسبة للعروسة الحلاوة، يتم إحضارها والكروشية الخاص بها وأمام الأطفال يتم قصه وتلبيسها، وفي النهاية كل طفل يأخذ قطعة يأكلها، قائلة "بحيث يبقى واقع ملموس"، يجعل الأطفال يلمسون التراث بأنفسهم ويتوارث".
تسويق التراث الشعبي
وشددت الدكتورة عزة، على ضرورة وجود مدارس خاصة بتسويق التراث الشعبي والأغذية الشعبية، على أن تكون الدراسة بها خاصة بالمواد التسويقية ويتعلموا كيفية تسويق المواد التراثية، لافتة إلى أن الجنسيات الأخرى يقوموا بعمل تسويق لعادات قد لا تمت بصلة لهم، ولكنهم يأخذوها ويروجوا لها مثل "الضفائر السودانية" التي تسمى "الريستا"، موضحةً أن "الريستا"،والتي هي في الأساس معتقد ديني يسمى "ريستفاريا"، ومن علاماتها الضفائر الرفيعة، وتعني أن هناك من سيأتي ويُبعت ولذلك لابد من التوعية.
مصر تُمصر العادات
واختتمت الدكتورة عزة رياض، أن مصر هي الدولة التي تعمل على تمصير العادات، ووضع بصماتها في كل عادة جديدة، وذلك بفضل وعي شعبها، وهذا يعكس قوة الثقافة والحضارة، مُشددة على ضرورة التوعية بإحياء التراث الشعبي في ظل الإحلال والإبدال الذي يقوم الغرب بممارسته مع مصر، بل ويأخذ هو هذه العادات وينسبها لذاته.

