الاستراتيجية التركية في ليبيا: نفوذ سياسي أم مشروع للهيمنة البحرية ؟
تمثل اكتشافات الغاز الطبيعي في حوض شرق البحر المتوسط على مدى العقدين الماضيين نقطة تحول جيوسياسية كبرى، أعادت رسم تحالفات المنطقة وأطلقت سباقًا دوليًا محمومًا على ترسيم حدود النفوذ والثروة. في خضم هذا المشهد المعقد، برزت تركيا كلاعب رئيسي ومُربك للحسابات عبر سلسلة من التوافقات الاستراتيجية مع ليبيا، توجت باتفاقية ترسيم الحدود البحرية المثيرة للجدل في نوفمبر 2019. يهدف هذا التحليل عمق الاستراتيجية التركية في المتوسط، والكشف عن الآليات التي تنتهجها أنقرة لتحقيق أهدافها، وتقييم ما تم إنجازه على أرض الواقع في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.

فتتميز الإستراتيجية التركية بمُحاولات خلق صيغة تُدير بها الأزمات بشكل يُعظم من استفادتها، حيث تُدمج تركيا -إلى جانب شركائها، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيطاليا والإمارات العربية المتحدة -الأزمة السياسية الليبية المُستعرة منذ فترة طويلة، والنزاع على حقول الغاز تحت الماء في البحر الأبيض المتوسط، بشكل خطير، على أمل فرض أمر واقع جيوستراتيجي لصالحها. ومع ذلك، فإن التقلبات التي تُثيرها هذه المناورة تزيد من احتمال اندلاع كارثي، يُدمر استقرار وازدهار ليبيا وأسواق الطاقة في البحر الأبيض المتوسط، ويترك المنطقة غارقة في دوامة من التوتر السياسي لسنوات قادمة.

اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا:
شكل توقيع "مذكرة التفاهم" بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية آنذاك حول ترسيم الحدود البحرية، مشهد فاصل في حسابات التحالفات الإقليمية المنافسة. من الناحية القانونية، مثلت هذه الاتفاقية تحدياً جذرياً للتصورات القائمة، حيث:
تجاهلت تأثير الجزر اليونانية: فأقرت الاتفاقية برسم خط بحري مباشر بين السواحل التركية والليبية، متجاوزة تماماً الجزر اليونانية (مثل كريت، وكارباثوس، ورودس) التي تقع في المسافة بينهما. اعتمدت تركيا على تفسيرها الخاص للقانون الدولي والذي يركز على "الجرف القاري" و"المنطق الجغرافي" للقارات، متحدية بذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) التي لم توقع عليها أنقرة، بينما تلتزم بها اليونان وقبرص.
خلق منطقة اقتصادية متصلة: أنشأت الاتفاقية ممرًا بحريًا مستمرًا يمنح تركيا منطقة اقتصادية خالصة تصل إلى المياه الليبية، متقاطعة بشكل مباشر مع المناطق التي تعتبرها قبرص واليونان ومصر ضمن نطاقها البحري. فتلك الخطوة "قلبت طاولة المفاوضات رأساً على عقب" وأجبرت جميع الأطراف على إعادة حساب مواقفهم.
الاستراتيجية التركية الشاملة: أكثر من مجرد غاز
رغم أن الدافع الاقتصادي وراء السعي للوصول إلى احتياطيات الغاز يبدو واضحًا، إلا أن الاستراتيجية التركية هي مشروع جيوسياسي متعدد الأبعاد، ففي فترة 2019-2020 وجدت تركيا نفسها آنذاك مستبعدة من تحالفات الطاقة الإقليمية، ولا سيما "منتدى غاز شرق المتوسط" (EastMed Gas Forum) الذي ضم مصر، وإسرائيل، وقبرص، واليونان، وإيطاليا. وقد استخدمت أنقرة الاتفاقية مع ليبيا كأداة استباقية لاختراق هذا التحالف وإجباره على الاعتراف بها كطرف لا غنى عنه في أي معادلة مستقبلية.
كما إنه في ظل مساعي تركيا لتعزيز مكانتها كقوة بحرية كبرى مؤثرة في حوض المتوسط، فالوجود العسكري والتنقيبي المكثف في المياه المتنازع عليها يرسل رسالة واضحة بأن تركيا قادرة على حماية ما تعتبره في نطاق نفوذها البحري وهو مفهوم استراتيجي توسعي تم تطويره في الأوساط البحرية التركية.
فحقول الغاز البحرية الواقعة بين شرق ليبيا وجزيرة كريت اليونانية، تُعتبر أزمة مُتعددة الأطراف، حيث أُعلن في 17 سبتمبر 2025، أن تحالف من شركات النفط يستعد للتنقيب في حقول ليبيا البحرية، بينما تفرض حكوماتها الداعمة وضعًا سياسيًا راهنًا مُفسدًا على دولة مُحاصرة أصلًا لضمان وصول مُميز. في هذه الأثناء، تنشر اليونان أسطولها البحري في المياه الليبية، عازمة على عرقلة مشروع تخشى أن يُشلّها لأجيال. ذلك لأن هذا التفاعل لا يقتصر على بيع الغاز فحسب. لطالما اعتبرت تركيا ليبيا مُحفّزًا لمشروع "الوطن الأزرق"، وهو خطة لتأمين السيادة على مساحات شاسعة من البحر الأبيض المتوسط، وما يصاحب ذلك من منافع مالية وجيوسياسية وأمنية.
ونظرًا لمساعي اليونان المُتوازية -وتاريخها الحافل بالضغينة مع تركيا -فإنها تُعدّ الخصم الطبيعي لهذه السياسة. في عام 2020، كانت أثينا هي من تُمهّد الطريق. كانت الشركات متعددة الجنسيات تنقب عن حقول الغاز الطبيعي قبالة قبرص، حيث انضمت اليونان إلى قوى إقليمية مثل مصر وإسرائيل، بالإضافة الإمارات، في منتدى غاز شرق المتوسط. وهكذا، كانت اليونان تُرسّخ هيمنتها الاقتصادية، بينما تُسوّق نفسها في أمريكا كجهة جديدة تُقدّم الأمن الإقليمي. يتمثّل جوهر المواجهة بين أثينا وأنقرة هنا في تصوّر حول من ينبغي أن تكون له الحقوق الاقتصادية السائدة في شرق البحر الأبيض المتوسط. فاليونان، المُلتزمة باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تُدرك الحق في منطقة اقتصادية خالصة بطول 200 ميل حول كل جزيرة من آلاف جزرها، مما سيسمح لها بالسيطرة على نصف البحر الأبيض المتوسط وثرواته الهيدروكربونية.

ليُشكل هدف ضمان أمن الطاقة والاكتفاء الذاتي، محور رئيسي للتحرك التركي نحو غاز المتوسط، خاصة لاعتماد الاقتصاد التركي بشكل كبير على استيراد الطاقة، تسعى تركيا لتأمين مصادر محلية، فتُشكل الاكتشافات في حقلي "شاف" و"تانجو" في المياه التركية، والرغبة في التنقيب في مناطق أوسع، هي جزء من خطة استراتيجية لخفض فاتورة الطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا وإيران.
كما دأبت تركيا على استغلال الفوضى في ليبيا كمنصة انطلاق، حيث منح الدعم العسكري الحاسم لحكومة طرابلس خلال معركة العاصمة عام 2020 تركيا نفوذًا غير مسبوق في ليبيا. وقد رسخت أنقرة نفوذ دبلوماسي وقانوني وعسكري في المنطقة، ووفر ذلك لأنقرة قاعدة متقدمة في جنوب المتوسط، مما يعزز قدرتها على المناورة العسكرية والدبلوماسية ويمنحها ورقة مساومة قوية في أي تسوية سياسية ليبية مستقبلية.
الغاز الليبي في الأجندة الجيوسياسية بين تركيا والرؤى الإقليمية الدولية
بنت تركيا بمهارة منصة نفوذ سياسي في ليبيا، مستغلةً علاقاتها مع النخب، ومُنشئةً شراكات جديدة مع أعضاء منتدى غاز شرق المتوسط، ومُوسّعةً تعاونها في مجال الطاقة مع الشركات الأمريكية والأوروبية، ضامنةً بذلك تدفق أي مكاسب غير متوقعة نحوها. لكن على الرغم من هذه التغييرات، فإن هشاشة ليبيا والعداء المستمر -وإن أستتر مؤقتًا في توافقات جماعية-بين اليونان وتركيا يدفعان المنطقة نحو أزمة دائمة.
هناك بعض العوامل التي تُحرك هذا التوجه. أبرزها الحجم الهائل لاحتياطيات الغاز البحرية الليبية، المُقدرة بـ 122 تريليون قدم مكعب. وقد اجتذب هذا المنجم الذهبي المُحتمل رئيس وزراء ليبي غير مستقر، حريص على مقايضة الوصول إلى الدعم الدولي، وأوروبا المُتعطشة لبدائل الطاقة بعد أوكرانيا، وإدارة أمريكية جديدة مدفوعة بالنزعة التجارية المُفرطة.
وددت النخب الليبية واشنطن بطرق مُختلفة، لكن الطاقة لا تزال العملة الرئيسية. خلال زيارة حديثة، توسط مستشار ترامب، مسعد بولس، في صفقاتٍ لشركتي هيل إنترناشونال وإكسون موبيل لمسح وتطوير حقول الغاز البحرية.
أدى هذا إلى دخول أمريكا في تحالفات جاهزة، إذ كانت شركة النفط التركية المملوكة للدولة قد دخلت بالفعل في شراكة مع المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، وربطت صفقة هيل إنترناشونال الشركة الأمريكية بتحالف قائم بين المؤسسة الوطنية للنفط الليبية وشركة الطاقة الإيطالية العملاقة إيني. ولتحفيز تعاون أوثق، استضاف الرئيس التركي رجب أردوغان مؤخرًا مؤتمرًا خاصًا مع نظيريه الإيطالي والليبي.
وعلى نحو أخر، تُطلق أنقرة حملةً جديدةً لكسب ود حفتر وشرق ليبيا، مستخدمةً النموذج المألوف المتمثل في الاستفادة من الدعم العسكري لإبرام عقودٍ ذات منفعةٍ متبادلة كأساسٍ لعلاقةٍ سياسية. والمكافأة هي تصديق رئيس البرلمان الليبي -وهو رجلٌ يتحدث منفردًا باسم الهيئة الخاملة في شرق ليبيا التي لا تستطيع تلبية النصاب القانوني أو معارضة حفتر -على اتفاقيتها البحرية. من شأن هذا أن يعزز مطالبات تركيا بمناطق الطاقة في البحر الأبيض المتوسط، ويفتح الباب أمام وصول متميز.
لكن هذه المصالح الأجنبية المتزايدة في ليبيا تُسبب انهيارًا للبلاد. حفتر، مدعومًا بالاهتمام الدولي، يحشد الأسلحة ويُحيي طموحاته للسيطرة على طرابلس. بدوره، دفع رئيس الوزراء عبد الحميد دبيبة، الحريص على استباق حفتر، بأول امتيازات طاقة ليبية منذ عقود لكسب ود المجتمع الدولي، وشنّ حربًا في العاصمة لتركيز السلطة.

بناءًا على ما سبق، يمكن تقييم الإنجازات التركية على عدة مستويات:
المكاسب الاستراتيجية:
أولًا: إعادة رسم خريطة النفوذ: نجحت تركيا في تحويل نفسها من لاعب هامشي إلى طرف رئيسي في معادلة الطاقة بالمتوسط. لم يعد ممكناً مناقشة تقاسم ثروات المنطقة دون الجلوس إلى الطاولة مع أنقرة.
ثانيًا: تفعيل الوجود العسكري: أصبحت السفن الحربية التركية موجودة بشكل دائم في مناطق واسعة من شرق المتوسط، تقوم بحراسة سفن التنقيب (مثل "أوروتش رئيس" و"البربروس") وترسل رسالة واضحة بقدرة تركيا على الدفاع عن مصالحها.
ثالثًا: كسب ورقة مساومة دولية: أصبحت الاتفاقية مع ليبيا ورقة ضغط مهمة في علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. فإمكانية تركيا كـ “ممر" للغاز إلى أوروبا، خاصة في ظل الأزمة الأوكرانية، تمنحها نفوذاً دبلوماسياً.
التحديات القائمة
أولًا: المعارضة الدولية الصلبة، فلا تزال الاتفاقية تواجه رفضاً قاطعاً من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، التي تؤكد عدم قانونيتها. فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على تركيا بسبب أنشطة التنقيب، رغم أنها كانت محدودة الأثر.
ثانيًا: عدم الاستقرار السياسي في ليبيا، ووجود حكومتين متنافستين في ليبيا يهدد مستقبل الاتفاقية. فحكومة الشرق المدعومة من مصر وروسيا ترفض الاتفاقية جملة وتفصيلاً. أي تسوية سياسية ليبية مستقبلية قد تقوض الأساس القانوني للاتفاقية أو تعيد التفاوض عليها بشروط أقل تفضيلاً لتركيا.
ثالثًا: التكاليف الاقتصادية، الوجود العسكري المكثف وعمليات التنقيب المكلفة تمثل عبئاً على الاقتصاد التركي المتعثر. كما أن تطوير الحقول الغازية المكتشفة يتطلب استثمارات وتقنيات قد تواجه صعوبات في ظل العقوبات المحتملة ونفور الشركات الدولية من العمل في مناطق النزاع.
ختامًا:
تبقى الاستراتيجية التركية في البحر المتوسط، المتمحورة حول التوافقات مع ليبيا، استراتيجية طموحة وعالية المخاطر. لقد نجحت أنقرة، دون شك، في تحقيق مكاسب تكتيكية كبيرة، حيث فرضت نفسها كقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها، ونجحت في تحويل حلم "الوطن الأزرق" إلى واقع ملموس على خرائطها وسياساتها. إلا أن هذا النجاح التكتيكي لم يتحول بعد إلى انتصار استراتيجي كامل. فالهيمنة الحقيقية تتطلب قدراً من الشرعية الدولية والتعاون الإقليمي، وهو الأمر المتوقع في ظل بداية تنامي مسارات التفاهم والتعاون الإقليمي خاصة بين تركيا ومصر.
علمًا بأنه تواترت الأخبار حول تقديم رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، مبادرة للتعاون الإقليمي في كلمة أمام البرلمان اليوناني في 18 أكتوبر 2025، لتشمل ليبيا ومصر وتركيا وقبرص، بشأن ترسيم الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط، الهدف منها هو معالجة ما وصفه بـ"التحديات المشتركة الناجمة عن التغيرات الجيوسياسية الكبيرة التي تشهدها المنطقة والعالم".
وأوضح أن المبادرة تنص على إنشاء إطار متعدد الأطراف 5+5، يجمع الدول الخمس (اليونان ومصر وليبيا وتركيا وقبرص)، لمناقشة 5 مجالات رئيسية للتعاون، على رأسها قضية الهجرة وترسيم المناطق البحرية الخالصة شرق المتوسط.



