تجارة الظل.. كيف تلتف روسيا والصين على عقوبات الغرب ؟
تلجأ الدول التي تعاني من حصار اقتصادي بسبب حروب عسكرية أو تجارية، إلى التوجّه نحو دول تكون بمثابة محطات عبور؛ لتفادي التعريفات العقابية أو الرسوم الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة على الصين مثلًا، وكذلك روسيا. تقوم هذه الدول بتحايل جيوسياسي ممنهج على نظام العقوبات الذي تفرضه واشنطن، مما يجعلها قادرة على اللعب في المساحة الرمادية عبر ما يسمى باقتصاد الظل.

الطرف الثالث وتدوير سلاسل الإمداد
في ذروة الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، لجأت شركات صينية كبرى إلى اتباع استراتيجيات شديدة التعقيد للالتفاف على الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على صادراتها، ومن هنا برزت فيتنام كإحدى أهم "محطات العبور" التي تستغلها بكين لإعادة تصدير بضائعها إلى الأسواق الأمريكية خوفًا من فقدان حصتها.
رغم العقوبات الأوروبية القاسية المفروضة على روسيا، تُظهر البيانات الاقتصادية والتسريبات الصحفية مؤشرات على استمرار قنوات تجارية واقتصادية غير مباشرة بين موسكو وعدد من الدول الأوروبية، ما يطرح أسئلة حرجة حول فعالية العقوبات ومدى التزام بعض الدول بتطبيقها.
تكشف تقارير اقتصادية عن ارتفاع حجم التبادل التجاري غير المباشر بين روسيا والاتحاد الأوروبي، من خلال دول "طرف ثالث" مثل تركيا، صربيا، أو كازاخستان. في هذا السياق، يبرز دور بعض الشركات في المجر وسلوفاكيا التي تقوم بإعادة تصدير بضائع روسية بعد تغيير طفيف في منشأها أو تصنيفها.
كما تظهر بعض الوثائق الجمركية زيادات لافتة في واردات هذه الدول من معدات أو مواد قريبة من المنتجات الروسية المحظورة، وسط غموض حول مصدرها الحقيقي، ما يُثير شبهات بالتحايل على العقوبات عبر قنوات "نصف قانونية".
أما الصين، فقد استطاعت استغلال فيتنام من أجل التحايل على الإجراءات الأمريكية والتغلّب على الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة، وشهد الاستثمار الأجنبي المباشر في فيتنام ارتفاعًا في السنوات الأخيرة، حيث تسعى الشركات إلى إيجاد سبل لإدارة المخاطر الناجمة عن الإنتاج في الصين.
وبحسب ورقة بحثية من جامعة هارفارد للأعمال، فإن جزءًا من صادرات فيتنام المتزايدة إلى الولايات المتحدة قد يكون عبارة عن منتجات صينية أُعيد توجيهها للتهرّب من معدلات التعريفات الجمركية المرتفعة، مستندة إلى بيانات التجارة التي جُمعت بعد عام 2018، مع تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتي أظهرت أن 84% من الزيادة في نشاط التصنيع في فيتنام كانت إنتاجًا ذا قيمة مضافة، أما النسبة المتبقية (16%)، فربما تكون إعادة توجيه للشحنات، وهو ما أصبح مصدر قلق لواشنطن.
بكين وموسكو.. جبهة واحدة لتفادي العقوبات
من اللافت للنظر حجم المساعدات التي تقدمها الصين لروسيا رغم أن كليهما يخضعان لعقوبات أمريكية لأسباب مختلفة. إذ تُتهم بكين بتوفير "مساحات رمادية" تسمح لموسكو بتجاوز تلك العقوبات، دون أن تدخل بكين في مواجهة مباشرة مع الغرب، فلا تزال روسيا تحصل على مكونات إلكترونية ومعدات متطورة تُستخدم في الصناعات المدنية والعسكرية، ويُعتقد أن كثيرًا منها يصل عبر الصين.

كما كشفت تقارير أمريكية عن نقل رقائق إلكترونية متقدمة، وطائرات بدون طيار، ومكونات اتصالات حساسة من شركات صينية إلى روسيا، وغالبًا ما تصل هذه الصفقات عبر شركات وسيطة في دول أخرى، ما يُصعّب إثبات تورّط بكين رسميًا في إمداد روسيا بالأسلحة الرقمية في ظل الحصر السيبراني عليها.
لا تعترف الصين صراحة بدعمها للنظام الروسي في الحرب على أوكرانيا، لكن ثمة دلالات تثبت التحايل السياسي على العقوبات الأحادية التي فرضتها الأمم المتحدة، إذ تشير بيانات التجارة إلى ارتفاع كبير في الصادرات الصينية إلى روسيا، خاصة في القطاعات التي تأثرت بالعقوبات، كما يُعتبر التعاون المالي مع بكين بديلًا مهمًا بعد إخراج روسيا من نظام "سويفت" المصرفي.
إلى جانب ذلك، ارتفعت المعاملات التجارية بين روسيا والصين بعملة اليوان الصيني بدلًا من الدولار أو اليورو، ما سمح بتقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي. ولعبت بعض البنوك الصينية الصغيرة أو الإقليمية دورًا في تسهيل التحويلات المالية، مستفيدة من ضعف الرقابة الدولية عليها مقارنة بالمصارف الكبرى.
سياسة الحافة.. الوسطاء يخشون الاصطدام بواشنطن
تلجأ الدول الوسيطة، أو ما يُعرف بمحطات العبور، إلى تجنّب الدخول في خصومات مباشرة مع الدول الكبرى كالولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. وتقوم استراتيجية الوسطاء على "دعم محسوب" لروسيا أو الصين دون الانخراط المباشر في الصراع، ما يمكنهم من الموازنة بين حاجتهم الاستراتيجية لموسكو وبكين، ومصالحهم الاقتصادية مع الغرب. فلا يهم من ينتصر، لكنهم لا يريدون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة أو الإضرار بعلاقاتهم التجارية مع أوروبا وأمريكا.

واشنطن حذّرت مرارًا من أن الشركات أو الدول التي تساعد روسيا على الالتفاف على العقوبات قد تتعرض لعقوبات ثانوية. لكنها تجنبت فرض عقوبات مباشرة على المؤسسات الصينية الكبرى خوفًا من تصعيد اقتصادي مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، واكتفت بعقوبات على عدد محدود من الشركات الصينية الصغيرة والمتخصصة، في محاولة لإرسال رسائل تحذيرية.
بينما تواصل كل من أوروبا وأمريكا فرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا والصين، يبدو أن الالتفاف على هذه العقوبات ليس مجرد استثناء، بل قد أصبح نظامًا موازيًا متكاملًا. ويبدو أن دولًا صغيرة، بحكم موقعها الجغرافي ومواقفها السياسية، تلعب أدوارًا غير مباشرة في هذا النظام، إما عن قناعة سياسية أو بدافع المصلحة الاقتصادية.
نظام موازٍ للعقوبات الغربية
مع توسّع الدور الذي تلعبه الدول الوسيطة، تتقلّص فعالية أدوات الضغط الاقتصادي الغربية، وتزداد الحاجة إلى مراجعة آليات الرقابة الجمركية والتعاون الاستخباراتي داخل الاتحاد الأوروبي، لكشف المسارات الحقيقية لتجارة الظل في زمن الحرب.
وأخيرًا، ما يجعل تجارة الظل ذات جدوى هو قدرتها على الاستفادة من الثغرات القانونية وتعدد وسطاء الشحن، وتغيير مسارات المنشأ عبر سلاسل التوريد المعولمة، خاصة أن البضائع تُرفق بشهادات منشأ جديدة، ما يجعل تتبّعها أكثر صعوبة.



