رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تهدد الدولة الحديثة.. التيارات السلفية من التعايش إلى المواجهة في قلب أوروبا

التيارات السلفية
التيارات السلفية في الغرب الأوروبي

مع تصاعد القلق الأمني في أوروبا على خلفية الهجمات التي تنفذها "الذئاب المنفردة" لتنظيم "داعش"، فضلًا عن التوترات المرتبطة بالهجرة، وازدياد شعبية اليمين المتطرف الذي يروّج لفكرة "الغزو الثقافي الإسلامي"، لا تزال السلفية حاضرة في المشهدين الديني والسياسي في فرنسا وبريطانيا.

ورغم أنهما نموذجين مختلفين في التعامل مع هذا التيار الديني المتشدد، لكنه لا يخلو من تعقيدات سياسية واجتماعية وأمنية، لذا تتخذ كل من فرنسا وبريطانيا اجراءات للحد من انتشار التيار السلفي الذي برز على امتداد العقدين السابقين ويمثل أكثر الظواهر الإسلامية إثارة للجدل في قلب أوروبا.

التمدد السلفي في الدول الأوروبية
التمدد السلفي في الدول الأوروبية

أولًا: بداية التواجد السلفي في أوروبا

بداية التواجد السلفي في أوروبا كانت هادئة، ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لم يكن المنتمون إلى هذا التيار محوراً للقلق أو المواجهة الرسمية، بل على العكس، وُصفت السلفية في كثير من الأحيان بأنها تيار انعزالي محافظ، يركّز على العقيدة والممارسات الدينية دون انخراط سياسي، ويشجّع أتباعه على الالتزام بالنظام العام وتجنّب التظاهرات والعمل الحزبي.

اتبعت بريطانيا، سياسة "احتضان التعددية الثقافية"، وسهلت هذه الاستراتيجية نمو التيارات الإسلامية عمومًا، ومنها السلفية، إذ قدم العديد من الدعاة السلفيين من السعودية وبلدان عربية أخرى، واستقروا في مدن مثل برمنجهام ولندن وليستر، حيث أنشأوا مساجد ومدارس دينية وجمعيات محلية.

حينها، رأت لندن في هذا التيار بديلاً مقبولاً عن الحركات الإسلامية السياسية، بل وفضّلته على جماعات أكثر انخراطًا في الشأن العام، مثل جماعة الإخوان أو حزب التحرير.

فيما عرفت فرنسا السلفية في تسعينيات القرن العشرين، بالتوازي مع تصاعد تأثير ما عرف بـ"الصحوة الإسلامية"، بعد حرب الخليج، وانتقال بعض الدعاة المتأثرين بالوهابية إلى الضواحي الفرنسية.

في البداية لم تولِ الدولة الفرنسية، المعروفة بصرامتها العلمانية، اهتماماً خاصًا بالسلفيين، واعتبرتهم مجرد فئة محافظة دينيًا، وغير منخرطة في التسييس أو المطالبة بالحقوق المدنية كما كانت تفعل حركات أخرى آنذاك.

كانت الألفية الجديدة _ بعد هجمات 11 سبتمبر 2001_ نقطة التحول، إذ أعادت الحكومات الأوروبية تقييم نظرتها للتيارات السلفية، وظهرت مخاوف من أن الطابع "الانعزالي" للسلفيين قد يشكّل أرضية خصبة للتطرف، خاصة مع تصاعد خطاب "الولاء والبراء"، ورفض مفاهيم المواطنة الغربية، إضافة إلى الدور الذي لعبته بعض المساجد السلفية في نشر أفكار مناهضة للاندماج.

وابتداءً من عام 2015، وبعد سلسلة الهجمات الإرهابية في باريس ولندن وبروكسل، لم تعد السلفية مجرد تيار فقهي أو ديني تقليدي، بل تحوّلت في نظر الأجهزة الأمنية إلى "مؤشّر خطر"، حتى في صيغتها غير العنيفة.

ثانيًا: بين الاندماج المستحيل والمراقبة المستمرة

كانت أوائل العقد الثاني من الألفية، نقطة تحول مفصلية في نظرة أوروبا للتيار السلفي الذي عرف في أروقة بعض الأجهزة الرسمية كجماعة أقل تهديدًا من الحركات الإسلامية ذات الطابع السياسي أو الثوري، إلا أن هجمات باريس في نوفمبر 2015، ثم هجوم نيس وهجوم جسر لندن، دفعت الحكومات الأوروبية إلى إعادة تعريف مفهوم "الخطر الأيديولوجي".

فجأة، لم تعد السلفية تُختزل في كونها تيارًا دينيًا تقليديًا، بل باتت تُربط مباشرة بمسألة "التطرّف ما قبل العنيف"، وبدأ يظهر في الخطاب السياسي والأمني تعبير جديد: "السلفية الانفصالية" – أي التيار الذي لا يشارك في العنف، لكنه يروّج لقيم تتعارض مع المبادئ الجمهورية أو الديمقراطية، كرفض المساواة بين الجنسين، أو الدعوة لنبذ القيم الغربية.

في فرنسا، شكّل هذا التحوّل حجر الأساس لـ قانون "مكافحة الانفصالية" الذي أُقر عام 2021، واستُخدم لاحقًا لإغلاق عشرات الجمعيات والمساجد التي يُعتقد أنها تتبنى خطابًا سلفيًا. وأعلنت الحكومة في أكثر من مناسبة أنها لن تسمح "بوجود كيانات دينية داخل الدولة الفرنسية لا تعترف بقوانينها ولا بثقافتها العلمانية".

أما في بريطانيا، أصبح يُنظر إلى بعض الجماعات السلفية الدعوية كمصدر للتأثير العقائدي على الشباب الذين يُحتمل انزلاقهم نحو العنف، حتى وإن لم يُدانوا قانونيًا. وتم توسيع برامج لرصد التأثيرات الفكرية السلفية داخل المدارس والجامعات، فضلًا عن فرض رقابة أشد على المساجد والمنصات الرقمية.

وفي كلا البلدين، تحوّل السلفي – ولو كان مسالمًا – إلى موضوع مراقبة، لا فقط بسبب سلوكه، بل بسبب أفكاره المرجعية وخطابه الديني.

التمدد السلفي في الدول الأوروبية
التمدد السلفي في الدول الأوروبية

ثالثًا: سياسات أوروبية لمواجهة الراديكالية

في سبتمبر 2024، أعلنت الحكومة البريطانية رسميًا حظر جماعة "حزب التحرير - فرع بريطانيا"، بعد عقود من الجدل حول خطاباتها المتعلقة بإقامة الخلافة الإسلامية ورفضها للقيم الغربية. لم يكن هذا القرار سوى حلقة جديدة في سلسلة من السياسات الأوروبية المتشددة تجاه ما يُعرف بالتيارات الإسلامية "غير العنيفة" لكنها المثيرة للقلق، وعلى رأسها التيار السلفي.
أما في فرنسا، فقد تصدرت عناوين الصحف مؤخرًا تقارير أمنية تحذّر من تزايد النفوذ السلفي في الضواحي، واعتبر مجلس الشيوخ الفرنسي في جلسة عُقدت في يونيو 2024 أن "السلفية تشكّل تحديًا بنيويًا لثقافة الجمهورية وقيم العلمانية"، داعيًا إلى "رقابة أشد على الجمعيات الدينية والمدارس الخاصة".

وفي هذا السياق المتأزم، تطرح السلفية نفسها كتيار ديني محافظ، يدعو إلى العودة لنموذج "السلف الصالح"، لكنه بات تحت ضغط مزدوج: من جهة، شكوك الدولة ومخاوف المجتمع من الانغلاق والتشدد، ومن جهة أخرى، استغلال بعض الأطراف المتطرفة لهذا التيار لتبرير خطابها أو أجندتها السياسية.

رابعًا: مستقبل السلفية في أوروبا.. إما التكيّف أو الانكماش

لا تزال صورة السلفية مركّبة في بريطانيا وفرنسا، من حيث حضورها، تحوّلاتها، وطرق تعاطي الحكومات معها، وهذا ما يضعنا أمام تساؤلات عديدة عن نجاح كلا النموذجين في التفريق بين سلفية دعوية وأخرى جهادية؟ وهل المقاربة الأمنية وحدها كافية لاحتواء الظاهرة دون المساس بالحريات الدينية والفكرية؟ أم أن أوروبا تقف اليوم أمام اختبار حقيقي في فهم الإسلام الحديث داخل حدودها؟

ففي ظل التصعيد الأمني، والرقابة القانونية، والنزعة الشعبوية المتزايدة، تواجه الجماعات السلفية—حتى تلك التي ترفض العنف—ضغوطًا وجودية. بعضها بدأ يغيّر من خطابه، أو يعيد تموضعه ضمن التيار الإسلامي العام، محاولةً تفادي الاصطدام المباشر مع مؤسسات الدولة، بينما اختارت مجموعات أخرى مزيدًا من الانغلاق، أو التحوّل إلى فضاءات رقمية يصعب ضبطها، خاصة عبر مواقع التواصل وتطبيقات مشفّرة.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في رد فعل الدولة، بل في الفجوة المتزايدة بين الأجيال الشابة من المسلمين في أوروبا وبين المجتمع الأوسع، في هذا المناخ، قد تصبح السلفية ملاذًا للباحثين عن الثبات في وجه الاضطراب الثقافي والسياسي، خاصة مع ما يرافق ذلك من تهميش اقتصادي وشعور بالاغتراب.

وفي المقابل، قد تدفع الرقابة الصارمة والتجريم المتزايد إلى انكماش السلفية التنظيمية، بحيث تضعف قدرتها على التجنيد العلني، لكنها لا تختفي، بل تتحوّل إلى "سلفية صامتة" تتوارى خلف خطاب معتدل ظاهريًا، وتحتفظ بجوهر فكري محافظ يصعب رصده.

خامسًا: سيناريوهات محتملة

يتوقف مستقبل السلفية في أوروبا على عدة عوامل متشابكة، ففي حالة فرنسا وبريطانيا من الممكن أن تختار أي دولة دمج السلفية الهادئة ضمن المجال العام، وربما تستمر في دفعها نحو التطرّف عبر سياسات الإقصاء، والأهم هو قدرة ورغبة الجماعات السلفية في تطوير خطاب يؤمن بالتعايش دون التفريط بثوابتها، أم ستبقى رهينة ردود فعلها الدفاعية؟

التعامل مع السلفية في أوروبا كتيار واحد متجانس، أو اختزالها في ثنائية "متطرف ومسلح" أو "مسالم" أمر غير صحيح؛ فهي حركة دينية متعددة الأوجه، تضم داخلها مزيجًا من الالتزام العقائدي الصارم، والانكفاء الاجتماعي، وأحيانًا الخطاب الحاد الذي يُقلق الدولة والمجتمع.

لهذه الأسباب، انتقل الموقف الأوروبي من التغاضي إلى المواجهة، مدفوعًا باعتبارات أمنية وثقافية، لكنه لا يزال يتخبّط بين حماية الحريات ومواجهة ما يُعتبر تهديدًا للسلم الاجتماعي. 

وفي هذا المناخ المأزوم، تبقى السلفية الأوروبية معلقة بين احتمالين: إما الانكفاء والتقلّص، أو التحوّل نحو صيغة جديدة أكثر تكيّفًا مع الواقع الغربي دون أن تتخلى عن ثوابته.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء