الخطاب الديني تحت القصف الإسرائيلي.. بين سردية التمكين ولاهوت المقاومة
قبل السابع من أكتوبر 2023، أو ما يعرف بـ"طوفان الأقصى"، كانت مفاهيم الجهاد والمقاومة والتمكين في موضع متأخر، يسبقها خطاب قائم على المظلومية والصبر على المحتل والاكتفاء بالاجتهاد، لكن مع الكشف عن عدد الأسرى الإسرائيليين الذين نجحت حماس في أسرهم، دافعًا لتراجع نبرة الاستكانة التي سيطرت على الخطاب الديني الرسمي في أغلب الدول العربية بعد أن ظل طوال عقود متمحورًا حول مفاهيم الصبر والدعاء، دون خوض في جدليات الصراع أو أدواته.
تدريجيًا، بدأ هذا الخطاب يغيّر نبرته لكن ليس جذريًا، ركّز على مشاهد القصف والمجازر والدمار، وأعاد إنتاج مفهوم "الضحية" في سياق إنساني وديني، مع التأكيد على أهمية المقاومة، دور الدين، وموقع الأمة في الصراع.
7 أكتوبر لم يكن فقط لحظة اشتعال سياسي وعسكري، بل كان أيضًا لحظة تحوّل رمزي في فهم الدين، ووظيفته، وموقعه من الصراع، وبين من يرى في الدين عزاءً، ومن يراه دافعًا للفعل والتغيير، يتجدّد السؤال الأبدي: هل الدين محرّك مقاومة، أم وعاء لتبرير الانكفاء؟

أولًا: إشكالية تقييم طوفان الأقصى
مع الساعات الأولى من "طوفان الأقصى" وتوالي أنباء أسر الجنود والهجوم على مناطق عسكرية، انقسم البعض حول جدوى ما فعلته حركة حماس وذراعها العسكري (القسام)، وإلى أي مدى يساهم في تحرر الأرض أو تدميرها.
كانت هناك رواية للتشكيك والقول بإن إسرائيل كانت على علم بما سيحدث وتركت حماس تقوم بهذه الأفعال كدافع لتدمير غزة كليًا، مستندين بذلك إلى رواية تل أبيب عن أجهزتها الاستخباراتية والمعلوماتية واستحالة حدوث أي هجوم دون علمها.
فيما عظمت رواية أخرى من جرأة المقاومة ورفض الخضوع، وقدرتها على هزيمة كافة أجهزة الأمن الإسرائيلية التي تفاجأت بالحدث كأي شخص عادي داخل الأراضي المحتلة، وفئة ثالثة جردت الفعل من التقييم، سواء أخطأت حماس أو أصابت فالأمر يدخل تحت بند الاجتهاد.
واستندت هذه المجموعة الأخيرة إلى أن تحرير الأرض لا يمكن أن يحدث سوى بسقوط ألاف أو ملايين الشهداء، مستحضرين ثلاثة أمثلة من حروب التحرير الوطني التي لو أخذ قادتها برأي العوام ممن بخطأ حرب طوفان الأقصى لما تحررت دولهم، ومنها الجزائر التي تكبدت 2 مليون شهيدًا، ولولا ذلك لكانت الجزائر حتى اليوم جزء من فرنسا، ولظل كل شعبها لا يعرفون اللغة العربية يتكلمون الفرنسية ولا يعلمون شيئًا عن الإسلام.
والمثال الثاني هو أفغانستان فمقاومتها لـ 20 عامًا ضد الولايات المتحدة والناتو استشهد فيها نصف مليون شهيد غير ملايين المصابين والمشردين والأسرى، ولولا ذلك لظلت تحت الحكم الأمريكي حتى اليوم. والمثال الثالث وهو المثال الشهير جدًا هو فيتنام التي فقدت أكثر من مليون قتيل بينما الجرحى كانوا أكثر من هذا بكثير.

ثانيًا: خطاب التمكين ولاهوت المواجهة
بدا الخطاب التمكيني أكثر حضورًا بين الحركات الأصولية، والدعاة غير المرتبطين بالمؤسسات الرسمية، وبعض فقهاء المقاومة في لبنان وفلسطين وسوريا، إذ لم يخِفِ أولئك ابتهاجهم بما وصفوه بـ"الملحمة البطولية"، بل اعتبروها نقطة انعطاف في مسار الأمة نحو النهوض، إذ استُدعيت هنا مفاهيم مثل: الجهاد، الشوكة، النكاية، الرباط، وعد الآخرة، تمكين الأمة. كما جرت مقارنات علنية بين 7 أكتوبر وغزوات تاريخية في الإسلام، من بدر إلى حطين.
وفي سياق شرعنة هذا التوجه، بدأ بعض الفقهاء في إعادة تأويل مسائل فقهية شائكة، مثل مشروعية الهجوم وليس فقط الدفاع، وحدود استهداف المدنيين في ظل فقه الضرورة أو التترس.
بانت خطوط التماس واضحة بين علماء السلطة وعلماء المقاومة. ففي حين آثرت المؤسسات الدينية الرسمية في عدة دول عربية لغة عمومية تدعو إلى "وقف القتال والدعاء للضحايا"، برزت أصوات من خارج الإطار الرسمي—خاصة من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين التابع للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، وبعض دعاة الشتات لتُعلن بوضوح أن ما جرى هو "جهاد دفع مشروع"، بل "رد اعتبار" للأمة بأسرها.
التضاد لم يكن فقط في اللغة، بل في المرجعيات فبينما يستند الخطاب الرسمي إلى فقه الطاعة والاستقرار، يستحضر الخطاب المقاوم أدبيات ابن تيمية، وابن القيم، وسيد قطب، وأبو الأعلى المودودي وعبد الله عزام.

ثالثًا: التمكين كهوية بديلة
من بين التحولات اللافتة التي أفرزها طوفان 7 أكتوبر، كان بروز تفاعل الجيل الجديد من الشباب العربي والمسلم مع الخطاب الديني المقاوم، لا بوصفه "نصًا مقدّسًا" يُتلى، بل كمصدر تعبوي يُستعاد ويُعاد تشكيله عبر وسائط جديدة وسياقات مختلفة.
لم يعد الجيل الجديد يكتفي بالمؤسسات الرسمية التقليدية كمصدر للخطاب الديني، فقد تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منابر موازية أكثر تأثيرًا. شاهد الشباب لقطات للمقاتلين وهم يرددون الآيات، وسمعوا خطباء غير تقليديين يتحدثون عن الجهاد، والكرامة، والرباط، بلغة قريبة من نبضهم. فتح هذا الواقع الباب أمام علاقة جديدة بين الدين والسياسة، وبين العقيدة والفعل.

رابعًا: فقه المقاومة.. خطاب تحت النار
من بين أبرز التحوّلات التي طرأت على الخطاب الديني بعد 7 أكتوبر، برزت محاولات إعادة تأصيل أفعال المقاومة المسلحة تحت مظلة "فقه الضرورات"، كأداة فقهية تبريرية تتعامل مع واقع شديد التعقيد، وظروف استثنائية تتجاوز قواعد الفقه الكلاسيكي.
أمام مشاهد القصف الكاسح، والحصار الخانق، والقتل الجماعي، لم يكن ممكنًا تفعيل قواعد "الفقه المعياري" وحدها، فتم اللجوء إلى ما يُعرف بـفقه الضرورة والموازنات والمآلات، الذي يُجيز الخروج عن القاعدة العامة عند وجود تهديد وجودي، أو حالة استثنائية تفرض خيارات قاسية.
فقه الضرورات لم يعد يُطرح فقط في دوائر النخبة الفقهية، بل أصبح جزءًا من السردية الإعلامية والخطابية للمقاومة، يُشرح للعامة في خطابات سياسية ودينية، ويُبسط على وسائل التواصل، في ما يشبه عملية "شَعبَنة الفقه" لتبرير فعل سياسي وعسكري.
ورغم قوة هذا الفقه التعبوية، يظل بحاجة إلى ضبط علمي مؤسسي، حتى لا يتحوّل إلى مجرد أداة سياسية بلا معايير.