رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين الحرب والصفقة: كيف تُعيد واشنطن رسم مستقبل المقاومة الفلسطينية ؟

المقاومة الفلسطينية
المقاومة الفلسطينية - أرشيفية

ما أشبه اليوم بالبارحة، في عام 1981 تمكنت فصائل المقاومة الفلسطينية متمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح  بقصف مناطق الجليل شمال إسرائيل بواسطة المدفعية وصواريخ سام السورية وراجمات الكاتيوشا وغيرها من الأسلحة قصيرة ومتوسطة المدي مما أدي إلى فرار سكان مستوطنات شمال إسرائيل لاتقاء شر ضربات المقاومة الفلسطينية، ووقتها اعتبرت فصائل المقاومة لجوء إسرائيل إلى وقف اطلاق النار بمثابة انتصار عسكري تاريخي حققته الفصائل على إسرائيل.

قيادات المقاومة الفلسطينية
قيادات المقاومة الفلسطينية

رغم نجاح المقاومة الفلسطينية في حرب المدفعية 1981 إلا أن هذا النجاح المرحلي كان نذير سوء استشعر بها أبرز قادة المنظمات الفلسطينية ومنهم ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير، إذ كان "عرفات" يدرك أن تل أبيب لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الخطر الجاثم في جنوب لبنان والذي تمكن لأول مرة منذ عام 1948 من تحقيق تقدم ميداني في مناطق شمال الجليل وشمال إسرائيل، وهو ما تحقق فعليا في العام التالي لحرب المدفعية وتحديدا في 4 يونيو 1982 حينما توغل الجيش الإسرائيلي في مناطق جنوب لبنان متجاوزا نهر الليطاني مستهدفا منظمة التحرير وباقي المنظمات الأخرى لأجل تدميرها وإخراجها من مناطق الجنوب اللبناني.

لعل نجاح فصائل المقاومة في حرب المدفعية يشبه إلي حد كبير ما حدث في السابع من أكتوبر 2023 حينما تمكنت حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي من اختراق العمق الإسرائيلي وأسر العديد من الإسرائيليين وتهديد مستوطنات غلاف غزة، فكلا المشهدين متقاربين إلي حد كبير سواء في نجاح فصائل المقاومة ورد الفعل الإسرائيلي الرامي إلي اقتلاع المقاومة الفلسطينية من جذورها وترحيلها بعيدا عن إسرائيل، لذا نجد العديد من الأمور المتشابه بين أحداث لبنان (1981 ـــ 1982) وبين أحداث حرب غزة (2023 ـــــــ 2025) وهي كالتالي:

•النجاح الأولى للمقاومة الفلسطينية: في كلا الحربين تمكنت المقاومة الفلسطينية تحقيق نجاحات أولية كانت أكثر إيلامًا للجانب الإسرائيلي وتشكل تهديدا صارخا للأمن القومي الإسرائيلية، فمشاهد الجليل عام 1981 تتشابه أيضا مع مشاهد اجتياح حركة حماس للمستوطنات في عام 2023. 

•توفير الحماية الدبلوماسية الأمريكية: 

في كلا الحربين وفرت واشنطن حماية دبلوماسية وسياسية للأعمال العدائية الإسرائيلية معتبرة ذلك دفاعًا عن النفس، ففي كلا الحربين رفضت واشنطن إدانة الأعمال العدائية الإسرائيلية.

قيادات المقاومة الفلسطينية
قيادات المقاومة الفلسطينية

•تطوير الهجوم الإسرائيلي: في كلا الحربين لجأت إسرائيل إلي تطوير هجومها ليكون أبعد من مجرد اسكات فصائل المقاومة وتوجيه الضربات لها، ففي حرب 1982 تجاوزت القوات الإسرائيلية بقيادة إرييل شارون مناطق الجنوب اللبناني لأجل فرض حصار خانق على العاصمة اللبنانية بيروت من أجل اخراج فصائل المقاومة من بيروت وباقي الجنوب اللبناني وفي الحرب الأخيرة شن الجيش الإسرائيلي عملية السيوف الحديدية في 27 أكتوبر 2023 لأجل الضغط على حركات المقاومة مثل حماس والجهاد وإخراجها من قطاع غزة. 

•تحييد حلفاء المقاومة: 

عملت تل أبيب في كلا الحربيين على تحييد حلفاء المقاومة عبر الاشتباك الفعلي والمباشر وتوجيه خسائر قاسية للحلفاء، ففي حرب 1982 اشتبكت القوات الإسرائيلية مع القوات السورية في مناطق عين زحلتا والسلطان يعقوب وخالدة كما اشتبك الطيران الإسرائيلي مع نظيره السوري مما أدي إلي اسقاط أكثر من 80 طائرة سورية مما دفع القيادة السورية إلي قبول وقف اطلاق النار مع الجانب الإسرائيلي وترك فصائل المقاومة تقاتل وحدها العدوان الإسرائيلي.

وكذلك الحال تم في الحرب الأخيرة إذ تمكنت إسرائيل من تحييد حلفاء حركة حماس عبر استهداف حزب الله بواسطة عملية البيجر وأيضا اغتيال قادة الصف الأول لحزب الله ومنهم الأمين العام للحزب حسن نصر الله عبر قصف موقعه، وأخيرا شن هجمات مركزة على إيران ومشروعها النووي في حرب الإثني عشر يوما مما أدي في نهاية المطاف إلي قبول وقف اطلاق النار بين الجانبين.

•سياسة الحصار المميت: 

مارست إسرائيل سياسة الحصار المميت ضد الفلسطينيين سواء في بيروت 1982 أو غزة 2023 وذلك عبر حرمان بيروت وغزة من امدادات الطاقة والمياه وكافة المواد الإغاثية مما أدي إلي تدهور الأحوال الإنسانية في كلا الحالتين.

•   اغتيال قيادات المقاومة: لجأ الجيش الإسرائيلية إلى تكتيك الاغتيال لقادة المقاومة في محاولة منه لتثبيط عزائم المقاومين، فخلال حرب بيروت تمت أكثر من محاولة لاغتيال رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس استخباراتها صلاح خلف أبو إياد وأيضا نائب رئيس منظمة التحرير خليل الوزير أبو جهاد، إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل ولم تنجح سوى عملية اغتيال رئيس أركان المنظمة سعد صايل أبو الوليد وذلك في مرحلة متأخرة من الحرب.

أما في حرب غزة (2023 ـ 2025) تمكن الجيش الإسرائيلي من تنفيذ العديد من عمليات اغتيال لقادة المقاومة سواء داخل القطاع أو خارجه مثل عملية اغتيال رئيس حركة حماس "اسماعيل هنية" في طهران في يوليو 2024 واستهداف يحيي السنوار رئيس مكتب الحركة في قطاع غزة في أكتوبر 2024 وأخيرا اغتيال محمد الضيف قائد كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس في يوليو 2024 ورئيس مكتب الحركة في بيروت صالح العاروري وأخيرا المتحدث باسم الحركة أبو عبيدة، فيما فشلت عملية اغتيال أعضاء المكتب السياسي للحركة في الدوحة عبر استهدافهم بغارات جوية في 9 سبتمبر 2025.

•دومًا القاهرة الملاذ الآمن للمقاومة:

 سُر الشعب المصري خلال التوقيع على اتفاقية غزة يوم الخميس 9 أكتوبر 2025 مثمناً دور قيادات الاستخبارات المصرية في إنهاء الحرب ووقف الأعمال العدائية ضد الأشقاء الفلسطينيين ورفع معاناتهم الانسانية وتجول قادة حركة حماس في شرم الشيخ في ذكرى انتصارات أكتوبر بكل حرية وسلامة وأمن وذلك بعد محاولات استهدافهم في قطر في الشهر الماضي.

لم يكن الموقف المصري الأخير هو الأول من نوعه، إذ سبق أن تدخلت القاهرة عام 1982 في ايقاف الحرب الدائرة في ذلك الوقت رغم حالة القطيعة التي فرضتها منظمة التحرير الفلسطينية وباقي الدول العربية على مصر وذلك بعد التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد 1979.

قيادات المقاومة الفلسطينية
قيادات المقاومة الفلسطينية

ففي غمار حرب بيروت 1982 تجاهلت معظم الدول العربية مساندة منظمة التحرير مما دفع وقتها رئيس المنظمة ياسر عرفات، إلى استعادة الاتصالات مع القاهرة من جديد وكسر القرار العربي بمقاطعة مصر، إذ بدأت أولي الاتصالات في ذلك الوقت مع السيد أسامة الباز، مستشار الرئيس المصري ولاحقا تم تحقيق التواصل بين ياسر عرفات والرئيس المصري الراحل حسنى مبارك، وتوجت الاتصالات المصرية الفلسطينية إلى تحقيق خروج آمن لحركة فتح ومنظمة التحرير من الجنوب اللبناني.

مصير حركة حماس

لعل متشابهات الأمس باليوم تدفعنا للحديث حول مستقبل حركة حماس وسلاحها، فنتائج حرب حصار بيروت أدت إلى إخراج ياسر عرفات ومنظمة التحرير وكافة مقاتليها الذين تجاوزا العشرة آلاف مقاتل خارج لبنان موزعين على 9 دول عربية واختارت قيادة المنظمة اللجوء إلى تونس وذلك عهد رئيسها الراحل الحبيب بورقيبة.

وعمليا بخروج منظمة التحرير من الجنوب اللبناني فقدت الحركة ذراعها الطولي وهي ميليشياتها المسلحة وباتت غير قادرة على ممارسة أية ضغوط عسكرية أو سياسية على الجانب الإسرائيلي وسرعان ما تم تدجين منظمة التحرير وحركة فتح ولجأت بعد ذلك إلي نضالات المفاوضات سواء في مدريد أو أوسلو.

أما حاليا فخطة ترامب والتي سبق تسريبها فتنص على إخراج مقاتلي حركة حماس من قطاع غزة بمعني أدق نزع سلاح الحركة ولعل ذلك السيناريو هو ما تخشاه الحركة فإن وافقت الحركة على تلك الخطوة فمعناها أن اضعاف أثر الحركة بصورة كبيرة بفقدانها لمركز قوتها الرئيسي وتصبح الحركة جزءا من الماضي الفلسطيني.

يمكن القول بأن الحركة نجحت في تأجيل مشاورات بقاء سلاحها في القطاع إلي المرحلة الثانية من الاتفاق ريثما تتمكن من تعديل أوضاعها السياسية والميدانية ولربما تجد الفرصة أو البدائل المناسبة لعملية نزع سلاحها حتى لا يكون مصيرها مثل مصير حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية التي لم تعد في حسبان السياسات الإقليمية والدولية الخاصة بفلسطين رغم توليها ما يُسمى السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية. 

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء