رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شرق أوروبا بين موسكو وبروكسل.. الاقتصاد ينتصر على السياسة

لقاء فلاديمير بوتين
لقاء فلاديمير بوتين ورئيس وزراء المجر في الكرملين

منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية في فبراير 2022، خفّضت غالبية دول الاتحاد الأوروبي وارداتها من الطاقة الروسية بشكل حاد، لكن المجر وسلوفاكيا اختارتا مسارًا مختلفًا، مستمرّتين في استيراد الغاز الروسي، لتحافظا على علاقات وثيقة مع روسيا في مجال الطاقة، في موقف يتناقض مع السياسة العامة للاتحاد الأوروبي.

المجر وسلوفاكيا، كدولتين غير ساحليتين، لا تملكان بدائل بحرية مباشرة لتوريد النفط، وتعتمدان على خطوط أنابيب تقليدية تمتد من روسيا، وهي أسباب تجعل من فك الارتباط قرارًا باهظ الثمن وصعب التنفيذ، وتضع الطاقة الروسية كحلٍّ أقل تكلفة وأكثر استقرارًا.

ومع القيود التي يفرضها الاتحاد الأوروبي وتهديدات الولايات المتحدة للمخالفين، تظل هناك تساؤلات حول ما يدفع هذه الدول إلى معاكسة التيار الأوروبي؟ وهل العلاقة مع موسكو في مجال الطاقة قابلة للانكسار فعلًا؟

 

  رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو
  رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو

 الأولوية للاقتصاد الوطني

منذ بداية الحرب، حذرت سلوفاكيا والمجر مرارًا من أن وقف واردات الطاقة الروسية سيؤدي إلى "انتحار اقتصادي"، بحسب تعبير المسؤولين المحليين. ارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد الضغط على الصناعات الثقيلة، والتداعيات الاجتماعية المحتملة، دفعت هذه الدول إلى تبنّي نهج براغماتي يضع المصالح الوطنية فوق الاعتبارات السياسية الأوروبية.

حصلت الدولتان على إعفاءات من بعض بنود الحظر النفطي الأوروبي، وهو ما أعطاهما هامش مناورة أكبر رغم العقوبات المفروضة، وربما يمكن القول إن تلك الإعفاءات أضعفت وحدة القرار الأوروبي، وسلّطت الضوء على التفاوت الكبير بين مصالح الدول الأعضاء، إذ توظّف الحكومتان ملف الطاقة كورقة لإظهار استقلالية القرار الوطني في مواجهة ضغوط بروكسل.

وفي الوقت نفسه، تُستخدم العلاقة مع روسيا كورقة ضغط في التفاوض مع الاتحاد الأوروبي، سواء في قضايا التمويل أو السياسات الأمنية. ورغم أن أوروبا الغربية تتجه بوتيرة متسارعة نحو الاستغناء عن الطاقة الروسية، تبقى المجر وسلوفاكيا في موقع الموازنة الدقيقة بين الواقع الاقتصادي وضغوط التحالف السياسي.

ولا شك أن الحكومات المحلية ترى أن الإغراق في العقوبات من دون مراعاة مصالح الطاقة الوطنية قد يكون له تبعات داخلية سياسية خطيرة (احتجاجات، ضغوط على الأسعار، أعباء مالية على المواطنين).

فلاديمير بوتين
فلاديمير بوتين

سياسة الاعتراض .. أداة ضغط

بعض الدول التي تستهدف تنويع واردات الطاقة من أكثر من دولة، تعتقد أن ذلك يجب أن يكون بشكل تدريجي ومنظم، وليس فجائيًا، لتفادي انقطاع الطاقة أو موجات صدمات اقتصادية.

سلوفاكيا، مثلًا، تقول إنها تعارض مقترحات الاتحاد بالتوقف الكامل عن واردات الطاقة الروسية بحلول عام 2027 من دون تحليل كافٍ للتأثير على الأسعار والمؤسسات.

ترى المجر وسلوفاكيا أن العقوبات السريعة جدًا قد تضر بمصالحهما الاقتصادية والاجتماعية، إذ يريد الاتحاد الأوروبي تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية من أجل استقرار جيوسياسي وأمن الطاقة، في إطار الأيديولوجيا المناهضة لاستخدام عائدات الطاقة في تمويل الحرب الروسية في أوكرانيا، دون أن يقدم دعمًا كافيًا لتنويع مصادر الطاقة أو تطوير البنى التحتية اللازمة لها.

ومن ثم، ترى الدولتان أن مطالب الاتحاد غير عادلة إن لم تُرافقها مساعدات مالية وتقنية. وفي هذا الصدد، استخدمتا قدرتهما على الاعتراض داخل هياكل الاتحاد الأوروبي كوسيلة للحصول على تنازلات أو ضمانات. فعلى سبيل المثال، هددت المجر باستخدام الفيتو مرات عدة أمام مقترحات عقوبات تشمل الطاقة الروسية، مطالبة بضمان أمن الطاقة وألا تُترك وحدها أمام الأعباء الداخلية.

كذلك، يُستخدم هذا الاعتراض داخليًا للتأكيد على سيادة القرارات الوطنية، وتحفيز القواعد الشعبية بأن الحكومة تحمي مصالح المواطنين في مواجهة الضغوط الأجنبية.

الطاقة كأداة تأثير روسي: الاعتماد مقابل الاستقلال

لا تزال روسيا تستخدم الطاقة كـ"سلاح سياسي"، حيث تمثّل صادرات الغاز والنفط وسيلة ضغط فعّالة على دول أوروبا الشرقية، مقابل "ليونة" سياسية في مواقف تلك الدول داخل الاتحاد الأوروبي أو تجاه العقوبات.

بالنسبة للمجر، تؤمّن روسيا أكثر من 80% من حاجاتها من الغاز، إضافة إلى شراكة استراتيجية في بناء محطة "باكش-2" النووية، المموّلة جزئيًا من موسكو، وهذه المحطة تمثل أحد الأعمدة الأساسية في سياسة بودابست الطاقوية.

أما سلوفاكيا، فقد طلبت كذلك إعفاءات من قرارات حظر النفط الروسي، مبرّرة ذلك بالحاجة إلى وقت أطول لتأمين بدائل مناسبة، خاصة أن البلاد تعتمد تاريخيًا على البنية التحتية الروسية لتكرير النفط وتوزيعه.

وتشير تقارير أوروبية إلى أن العقود طويلة الأمد التي أبرمتها بعض هذه الدول مع شركة "غازبروم"، تمنح موسكو أوراقًا تفاوضية قوية، وتعرقل الجهود الجماعية لعزل روسيا اقتصاديًا.

رغم هذا الواقع، هناك بعض الإرهاصات على فك الارتباط، فقد بدأت سلوفاكيا في استيراد الغاز من مصادر بديلة عبر النمسا، وتسعى المجر لتعزيز الربط مع شبكات الغاز في دول البلقان، لكن وتيرة هذا التحوّل تبقى بطيئة، ويعرقلها غياب الاستثمارات الأوروبية الكافية.

ختامًا:

منحت هذه الدول نوعًا من النفوذ السياسي لروسيا، نظرًا لاستمرارها في استيراد الطاقة من موسكو، إذ تملك الدول المصدّرة للطاقة قدرة على استخدام هذه العلاقة كجزء من رسائلها الدبلوماسية. ومن الممكن أن يحدث تحوّل في موقفهما، لكن ذلك سيكون بقرار داخلي له توقيت خاص بالدولتين، وليس وفق تعليمات بروكسل.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء