رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اتفاقيات "إبراهام" على المحك: هل يصمد التطبيع أمام اختبار غزة؟

توقيع دولة الإمارات
توقيع دولة الإمارات اتفاقية إبراهام مع الكيان الصهيوني

في خضمّ التصعيد الدموي في غزة، وجدل المواقف الإقليمية المتباينة، عادت اتفاقيات «إبراهام» إلى دائرة الضوء بعد أن كانت تُقدَّم نموذجًا لتحوّل دبلوماسي جديد في الشرق الأوسط.

فالاتفاقيات التي انطلقت عام 2020 بين إسرائيل وأربع دول عربية (الإمارات، البحرين، المغرب، السودان) برعاية أمريكية، تبدو اليوم أمام اختبارٍ سياسي وجماهيري حاسم: هل تبقى ركيزةً لإعادة تشكيل المنطقة، أم تفقد بريقها تحت ضغط الميدان والشارع العربي؟

تحوّل استراتيجي

منذ توقيع الاتفاقيات، استمر التعاون الاقتصادي والأمني بين الأطراف الموقّعة، غير أن حرب غزة أعادت ملف “التطبيع” من حيزٍ تقني إلى قضية رأي عام حساسة.

وفيما طرحت واشنطن مبادرات جديدة لمرحلة ما بعد الحرب، شملت خططًا لوقف النار وإعادة الإعمار وتشكيل قوة مهام دولية، بدا واضحًا أن مصير اتفاقيات «إبراهام» بات مرتبطًا بمسارات إدارة الصراع، لا بنصوص الاتفاق وحدها.

ترامب في الكنيست الإسرائيلي
ترامب في الكنيست الإسرائيلي

بين المرونة والضغط الشعبي

تصاعد الغضب الشعبي في عددٍ من الدول العربية جراء معاناة المدنيين في غزة، ما وضع الحكومات أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على مكاسب التطبيع أو الاستجابة للمزاج الشعبي.

وبرز بذلك سيناريو "التجميد المرن" الذي يتيح استمرار العلاقات الرسمية مع إبطاء المشاريع الحساسة سياسيًا.

عددٌ من المبادرات الاقتصادية والثقافية خضع للمراجعة أو التأجيل تجنّبًا لتداعيات داخلية. فبينما تواصل الإمارات تعاونها بقدرٍ محسوب، تميل دول أخرى، مثل البحرين والمغرب، إلى خفض وتيرة الانفتاح العلني.

وأصبحت بعض الدول تربط تعميق التطبيع بتقدّم فعلي في الملف الفلسطيني، سواء عبر تخفيف المعاناة الإنسانية أو خطوات نحو حكمٍ ذاتي موسّع، ما يُدرج الاتفاق في سياقٍ إقليمي أكثر تشابكًا.

براجماتية وطنية

تعمل دولة الإمارات العربية وفق رؤية استراتيجية تتمثل في الحفاظ على المكتسبات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، مع محاولة تقديم نفسها وسيطًا أو شريكًا دوليًا في حلّ أزمات المنطقة، فضلا عن أن رحّبت بإطار وقف إطلاق النار الأخير وشاركت في مبادرات دولية لإعادة الإعمار، ما يعكس تفضيلًا لاستقرارٍ إقليمي قابلٍ للاستثمار، ورغم أن المملكة العربية السعودية لم تُوقّع رسميًا على اتفاقيات «إبراهام»، فإن أي تقدم سعودي-إسرائيلي سيكون عاملًا حاسمًا، وتعمل على التوازن بين مصالحها الاستراتيجية (التحالف ضد إيران، الفرص الاقتصادية) وبين مسؤوليتها ودورها الإقليمي. وتميل إلى ربط أي تطبيع بتقدّم ملموس في المسار الفلسطيني يمكن تسويقه داخليًا.

على الجانب الأخر ترتبط دولة البحرين بعلاقات وثيقة مع واشنطن، وتميل إلى الالتزام الرسمي بالاتفاق، لكنها أكثر تأثرًا بردود الفعل المحلية والدينية، ما قد يحدّ من قدرتها على التوسع في التعاون العلني إذا استمر التصعيد، في المقابل توازن دولة المغرب بين مصالحها الإقليمية (وخاصة ملف الصحراء الغربية) وحساسية الشارع العربي تجاه القضية الفلسطينية. وقد يقلل من بروز التعاون الأمني العلني، مع البحث عن مجالات اقتصادية أو ثقافية أقل إثارة للجدل، وفيما يخص الموقف السوداني، فإن وضعه الداخلي الهش يجعل من الصعب التنبؤ بخياراته، فقد يلجأ إلى خطوات رمزية لتجنّب الاضطراب الشعبي، بينما تدفعه الضغوط الدولية إلى الحفاظ على أوراقه الدبلوماسية المفيدة.

نتنياهو
نتنياهو

السيناريوهات المستقبلية

أولًا: التجميد المرن – السيناريو الأرجح

استمرار العلاقات الرسمية مع تقليص الزخم الإعلامي والسياسي، في ظل كلفة الانسحاب العالية وتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية.

ثانيًا: إعادة الضبط

استخدام الاتفاق كورقة ضغط مشروطة بتنازلات إسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وهو مسار يتطلب دعمًا دوليًا متكاملًا.

ثالثًا: خطوات احتجاجية

مثل سحب السفراء أو تعليق اتفاقات محدودة، وهي إجراءات محتملة مؤقتًا لكنها غير مستدامة اقتصاديًا.

رابعًا: انهيار جزئي

سيناريو مستبعد ما لم تتخذ إسرائيل خطوات تصعيدية غير مسبوقة، كعمليات ضمّ أو تهجير جماعي، أو عودة استهداف المدنيين الفلسطينيين.

العوامل الحاسمة لبقاء الاتفاق

تتحدد قابلية استمرار الاتفاقيات وفق عدة عوامل: منها الحرب ومستوى المعاناة الإنسانية في غزة، وطبيعة الحكومة الإسرائيلية بين اليمين المتشدد والاعتدال النسبي، وحجم الدور الأمريكي والأوروبي في تمويل الإعمار وضمان الأمن، وقدرة الأنظمة العربية على امتصاص الغضب الشعبي بخطابٍ براغماتي، ومدى إشراك الفلسطينيين في الحلول السياسية والتنموية لإضفاء الشرعية على مسار التطبيع.

توصيات للفاعلين الإقليميين والدوليين

على الدول العربية الموقّعة أن تواصل الحوار الدبلوماسي المشروط بتحقيق خطوات إنسانية ملموسة لصالح الفلسطينيين، وفيما يخص واشنطن والاتحاد الأوروبي، فعليهما ربط حوافز التطبيع بتحسين أوضاع الفلسطينيين وضمان شفافية إعادة الإعمار، وبالنسبة لإسرائيل، فاستدامة العلاقات تتطلب مراجعة حقيقية لسياساتها في غزة والضفة الغربية.

 

اتفاقيات "إبراهام" لم تعد إنجازًا دبلوماسيًا جامدًا، بل اختبارًا مستمرًا لقدرة الأطراف على التكيّف مع متغيرات الشرق الأوسط، وفي ظل استمرار الحرب في غزة، يبدو أن مرحلة "التجميد " ستكون العنوان المؤقت للعلاقات العربية ـ الإسرائيلية، ريثما تتضح معالم التسوية المقبلة، وما بين براجماتية المصالح وغضب الشارع، سيبقى مصير "الإبراهام" معلّقًا بين خياري البقاء والتعديل، لا الانهيار الكامل، ولا العودة إلى ما قبل 2020.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء