من واشنطن إلى برلين: حرب غزة تفضح شبكة التسليح التي أنقذت إسرائيل
خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، دعت جهات حقوقية إلى وقف تصدير الأسلحة لإسرائيل للضغط عليها من أجل وقف الحرب. وبالفعل، استجابت دول لهذه الدعوة منها سلوفينيا وإسبانيا، غير أن أثر هذه الخطوات لم يؤدِّ إلى تغيير في السلوك الإسرائيلي، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى طبيعة ونوعية الأسلحة التي تستوردها تل أبيب والموردين الرئيسيين لها.
وسبق أن أعلنت عدة دول، في غضون العامين المنصرمين، نيتها الحد من تدفق المعدات العسكرية المصدَّرة لإسرائيل، وأعلنت دول أخرى أنها لا تُصدر أي معدات عسكرية لها. وقد اتخذت هذه الخطوات في إطار ممارسة الضغوط على تل أبيب، وفي المقابل التزمت دول أخرى بتوريد الأسلحة لإسرائيل وعلى رأسها الولايات المتحدة وألمانيا، ولم تؤدِّ الحرب الأخيرة إلى تعديل جوهري في سياساتها الخاصة بالتصدير العسكري لإسرائيل.

ووفقًا لتقرير حديث صادر عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI)، فإن إسرائيل تعد خامس أكبر مستورد للأسلحة الرئيسية عالميًا في الفترة من 2020 إلى 2024، مقارنة بكونها في المرتبة الرابعة والثلاثين قبل عشر سنوات فقط، أي في الفترة من 2010 إلى 2014. وتعكس زيادة الواردات الإسرائيلية من السلاح أن تل أبيب ترى أن الحرب حتمية ولا مناص منها، وهذا يفسر سبب ارتفاع وارداتها من السلاح لتبلغ نحو 2% من إجمالي الواردات العالمية للأسلحة.
والمفارقة، التي يوردها تقرير معهد "سيبري"، أن هناك ثلاث دول فقط زودت إسرائيل بالسلاح في الفترة المذكورة (من 2020 إلى 2024)، وهي: الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وإيطاليا. وقدمت الولايات المتحدة ثلثي الواردات الإسرائيلية من الأسلحة الرئيسية (66%)، وتشمل الطائرات والمدرعات والصواريخ والسفن وأنظمة الدفاع الجوي. وتشمل هذه النسبة المشتريات الإسرائيلية المباشرة أو تلك الممولة من أموال المساعدات العسكرية الأمريكية (المعونة الأمريكية) البالغة 3.8 مليار دولار سنويًا، منها 500 مليون دولار مخصصة لأغراض التطوير والبحوث العسكرية والتعاون الصاروخي الدفاعي مثل منظومات القبة الحديدية.

دعم أمريكي سخي وتجاوز لمراجعات الكونجرس
لم تكتفِ واشنطن بأموال المعونة العسكرية فقط خلال حرب غزة. فبتقدير معهد واتسون الأمريكي، بلغت المعونات الأمريكية لإسرائيل في عامي 2023 و2024 نحو 40 مليار دولار، وهو دعم سخي للغاية يبرهن على طبيعة العلاقة العضوية بين واشنطن وتل أبيب، التي تعد المتلقي الأول للمساعدات العسكرية الأمريكية عالميًا. وبحسبة بسيطة، يظهر أن إجمالي الدعم الذي قدمته الأولى للأخيرة بلغ نحو 130 مليار دولار منذ عام 1948، وهو تاريخ تأسيس إسرائيل. ولو احتُسب هذا المبلغ بمعدلات التضخم الأمريكية فسيصل إلى نحو 300 مليار دولار.
وعلاوة على الدعم العسكري، نشرت الولايات المتحدة الأمريكية قوات خاصة على الأراضي الإسرائيلية، شملت أطقمًا لمنظومات الدفاع الجوي (THAAD)، حيث تنتشر في إسرائيل نحو ثلث هذه البطاريات الأمريكية المتطورة للدفاع الجوي. ولم يتأثر هذا التعاون كثيرًا باختلاف الإدارتين الديمقراطية برئاسة جو بايدن والجمهورية برئاسة دونالد ترامب، لكن الأخير رفع حظر تصدير قنبلة مارك-84 (Mk-84)، وهي قنبلة ثقيلة متعددة الأغراض تزن 2000 رطل، وكان قرار الحظر وسيلة ضغط لجأت إليها إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أجل ثني حكومة بنيامين نتنياهو عن الشروع في عملية غزو مدينة رفح الفلسطينية في مايو 2024.
ولجأت إدارة ترامب إلى استخدام صلاحيات الطوارئ لتسريع تسليم حوالي 4 مليارات دولار من المساعدات العسكرية إلى إسرائيل في فبراير 2025. وتسمح صلاحيات الطوارئ للإدارة الأمريكية بتجاوز مراجعة الكونجرس للصفقات التي تعقدها، وكانت الصفقات في هذا الشهر تتراوح بين قنابل مارك-84 سالفة الذكر وBLU-117، وهي نفسها قنابل مارك-84 وتختلف عنها في الحشوة المتفجرة، بالإضافة إلى جرافات كاتربيلر D9 التي استخدمها الجيش الإسرائيلي بشكل مكثف في عملياته في مختلف أنحاء قطاع غزة.
ألمانيا وإيطاليا: استمرار تدفق الأسلحة رغم الحظر المعلن
في السنوات الخمس المذكورة (2020–2024)، شكلت ألمانيا ثاني أكبر مورد عسكري لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، بنسبة 33% من إجمالي الواردات العسكرية الإسرائيلية (الثلث). وقد خُصصت هذه الواردات للقوات البحرية بشكل رئيس (الفرقاطات والطوربيدات ومحركات المدرعات).
وأعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في أغسطس 2025، أن حكومته لن تسمح بأي تصدير إضافي للمعدات العسكرية التي يمكن استخدامها في غزة حتى إشعار آخر، غير أن الواقع يشير إلى أن توريدات السلاح الألمانية لم تتأثر فعليًا رغم القرار المعلن بالحظر.
وكذلك الحال بالنسبة لإيطاليا التي شكلت صادراتها لإسرائيل نحو 1% فقط من إجمالي الواردات الإسرائيلية من الأسلحة الرئيسية، وكانت هذه الواردات من طائرات الهليكوبتر وتجهيزات للفرقاطات الألمانية التي استوردتها تل أبيب في الفترة نفسها. ولا تُحتسب في هذه النسبة مشاركة إيطاليا في برنامج إنتاج طائرة إف-35 التي استخدمتها إسرائيل في حربها الأخيرة، وهو برنامج تشارك فيه إيطاليا إلى جانب سبع دول أخرى.

وفي أغسطس 2025، ادعى وزير الخارجية الإيطالي أن بلاده لم تصدر أي سلاح لإسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023، وهو ما يتناقض مع تصريحات وزير الدفاع الإيطالي الذي أكد استمرار توريد الأسلحة لإسرائيل بموجب عقود أُبرمت قبل 7 أكتوبر. وهذا يعني أن روما واصلت تصدير السلاح لإسرائيل متجاوزة بذلك إعلانها بشأن وقف توريد الأسلحة الرئيسية لتل أبيب.
وعطفًا على ما سبق، يبين تقرير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي أن المملكة المتحدة لم تصدر أسلحة رئيسية لإسرائيل لكنها زودتها بمكونات تدخل في مختلف الأنظمة مثل الطائرات والرادارات ومعدات الاستهداف، بما في ذلك مكونات لطائرات إف-35. وعلقت لندن في سبتمبر 2024 رخصًا صادرة سابقًا تسمح بتصدير المعدات العسكرية لإسرائيل، لكن مكونات إف-35 لم تتأثر بهذا القرار. وكذلك الحال بالنسبة لفرنسا، التي لم تورد أسلحة رئيسية منذ عام 1998، لكنها تصدر مكونات تدخل في تصنيع الأسلحة، ومنها مكونات تدخل في صناعة أنظمة القبة الحديدية. أما إسبانيا فحدّت من صادراتها إلى إسرائيل، وبما أنها لا تصدر أسلحة رئيسية فقد عملت على التدقيق في الصادرات مزدوجة الاستخدام، كما ألغت عقودًا لاستيراد أسلحة إسرائيلية، منها عقد مع شركة "إلبيت سيستمز" العسكرية الإسرائيلية.
دلالات هامة
وبناءً على ما سبق، تبرهن طبيعة وحجم واردات الأسلحة الرئيسية لإسرائيل على أن تل أبيب تعتمد بشكل كبير على الدول المصدرة للسلاح، وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا، لا سيما في فترات الحروب الطويلة. وهذا الاعتماد ضروري بالنسبة للجانب الإسرائيلي للحفاظ على التفوق العسكري والاستخباري في أرض المعركة.
والواضح أن حملات الضغط من أجل وقف تصدير السلاح لإسرائيل لقيت بعض الاستجابة من دول كإسبانيا، لكنها لم تفلح في ثني الموردين الرئيسيين، أي الولايات المتحدة وألمانيا، عن نهجهما في ما يتعلق بالصادرات العسكرية لإسرائيل.
وأكدت حرب غزة على التداخل في سوق تصدير الأسلحة والأزمة المتعلقة بتعريفات "الأسلحة الرئيسية" من الناحية القانونية، فهناك دول لا تمد إسرائيل بالأسلحة الرئيسية لكنها تسهم في توريدها عبر برامج مشتركة مثل برنامج مقاتلات إف-35. وهذا يعني أن الصادرات العسكرية متداخلة مع التحالفات الدولية، ويمكن في مثل هذه الحالة أحمد سلطان*
باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهابأن تتحايل دول على قرارات حظر تصدير الأسلحة إلى تل أبيب وتتجاوز المسألة من الناحية القانونية، بينما تستمر في تصدير الأسلحة لإسرائيل التي تتسلح بشكل متزايد لأنها تعيش في خوف وقلق وجودي دائم، وهو أساس المعضلة الأمنية لتل أبيب منذ نشأتها.



