عملاء في الميدان.. صراع النفوذ بين الشاباك والجيش الإسرائيلي حول مليشيات غزة
في أحدث لقاء له مع القناة الإسرائيلية الرابعة عشرة، قال ياسر أبو شباب، قائد مليشيا القوات الشعبية في غزة، إنه يطمح أن يكون جزءًا من أي قوات أمن داخلي ستتشكل في قطاع غزة خلال الفترة المقبلة. وبالتوازي مع هذا الظهور، واصلت قوات الأمن الداخلي التابعة لحركة المقاومة الإسلامية حملتها ضد من وصفتهم بالعملاء المتعاونين مع الجيش الإسرائيلي، وأعدمت عددًا منهم في أماكن عامة بالقطاع.
ولم يكن ظهور ياسر أبو شباب هو الوحيد لمنتسبي الجيش الشعبي؛ فقبله بيوم واحد ظهر أشرف المنسي، قائد مليشيا في شمال قطاع غزة، في فيديو إلى جانب عدد من المسلحين الذين ظهروا باسم الجيش الشعبي، مهاجمًا حركة حماس ومهددًا بقتال المنتمين لها إن اقتربوا من مناطق سيطرة الجيش الشعبي في شمال القطاع. وتكشف هذه التطورات المتلاحقة المعضلة الأمنية الحالية في قطاع غزة بعد توقف الحرب، وهو ما يطرح تساؤلات حول مصير هذه المليشيات بعد التطورات الأخيرة في القطاع.

الاستثمار في الفوضى
واستثمرت إسرائيل في مليشيا الجيش الشعبي والمليشيات الأخرى التي تشكلت خلال فترة الحرب في قطاع غزة، وعملت على تسليحها وتدريبها وتوظيفها في العمليات ضد حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى. وأيضًا وظفتها في سرقة المساعدات الإنسانية وعمليات السطو التي جرت أثناء الحرب، والتي هدفت إلى إحداث فوضى أمنية والضغط على الجبهة الداخلية. وشارك بعض منتسبي هذه المليشيات في عمليات البحث عن الأسرى الإسرائيليين في قطاع غزة، وقتل بعضهم في هذه العمليات، وفق ما ذكرته بيانات لكتائب القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، وأكدته هيئة البث الإسرائيلية أمس بعد تسليم جثمان يُفترض أنه لأحد الأسرى الإسرائيليين في القطاع قبل أن تعلن تل أبيب أنه ليس لأسير لها وإنما لأحد العملاء من المليشيا التي تعاونت معها.
وبالإضافة إلى مليشيا ياسر أبو شباب، تشكلت في قطاع غزة مجموعة من المليشيات الأخرى، أبرزها مليشيا حسام الأسطل، وهو ضابط سابق بالسلطة الفلسطينية عمل لفترة مع مجموعة ياسر أبو شباب ثم انفصل عنها. وتشير المعلومات المتوافرة عنه إلى أنه عميل للاستخبارات الإسرائيلية منذ التسعينيات وتعاون معها في عمليات عديدة، منها اغتيال قيادي بكتائب القسام في ماليزيا عام 2018. وتنشط مجموعة الأسطل في قيزان النجار بخان يونس.
وتعمل مليشيا حسام الأسطل بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي؛ ويبدو أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تريد أن تنشئ حزامًا جغرافيًا من شرق رفح إلى قيزان النجار بخان يونس، وهذا الحزام تسيطر عليه المليشيات التابعة لها. ومن الجنوب للشمال تنشط في الشجاعية، شرق مدينة غزة، خلف الخط الأصفر الحالي، مجموعتا رامي خلاص وأحمد جندية. وفي بيت لاهيا تعمل مجموعة أشرف المنسي الذي ظهر في فيديو مؤخرًا مؤكدًا انتسابه لمليشيا الجيش الشعبي، فضلاً عن مجموعتين فرعيتين تنشطان في منطقتي القرية البدوية والمستشفى الأردني بشمال غزة.
وبطبيعة الحال فإن هذه المليشيات جميعًا تعمل في مناطق خارج الخط الأصفر، وهو خط وهمي يحدد المناطق التي تنسحب منها إسرائيل في المرحلة الأولى وفقًا لخطة/مبادئ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي توصلت إسرائيل والمقاومة الفلسطينية إلى اتفاق وقف إطلاق النار بناءً عليها. وهذا يعني أنها تعمل في مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي حتى اللحظة وأن الجيش لم يتخلَّ عنها بعد.
تضارب في وجهات النظر داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية
وعند إبرام اتفاق وقف إطلاق النار حدث سجال داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن مصير هذه المليشيات، فرأى جهاز الشاباك نقلهم إلى معسكرات في مناطق غلاف غزة حيث المستوطنات الإسرائيلية لحمايتهم والسيطرة الأمنية عليهم، وهذا الرأي نابع من رغبة جهاز الشاباك في توظيفهم في عمليات أخرى داخل غزة لأنه يُدرك أن الحرب لم تنتهِ وإن أُبرم وقف إطلاق النار.

على النقيض من هذا الرأي، رفض الجيش الإسرائيلي نقل مسلحي المليشيات—سواء الجيش الشعبي أو المجموعات الأخرى—إلى غلاف غزة خوفًا من هربهم أو خروجهم عن السيطرة. فوجهة النظر داخل الجيش تُصنّفهم على أنهم خطر محتمل؛ فهم وإن تعاونوا مع الجيش الإسرائيلي إلا أنهم يبقون فلسطينيين. وهذه الرؤية مترسخة بشكل عام داخل التكوين النفسي الإسرائيلي الذي يحتقر كل «الأغيار» أي من ليسوا يهودًا صهاينةً، وترى أنهم وإن تعاونوا معهم فليسوا مأمونين. ولتبرير وجهة النظر الأخيرة، خرج المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بتصريح اعتبر فيه أن الجيش لم يطلب من المليشيات الغزاوية أن تقاتل معه وأن عليها أن تواجه مصيرها وأنه لن يقبل دخولها إلى مناطق غلاف غزة.
ورغم الموقف الرافض لدخول هذه المليشيات إلى غلاف غزة، بقي الجيش الإسرائيلي يحمي هذه المليشيات؛ فتواجدها في المناطق خلف الخط الأصفر بنحو 400 متر أتاح لها أن تكون تحت مظلة الحماية النيرانية الإسرائيلية. ومن ثم فإن استهداف الأمن الداخلي، أو وحدة "سهم"، أ"رادع"، أو غيرها من القوى الأمنية التابعة للمقاومة الفلسطينية لهذه المليشيات يظل أمرًا صعبًا ويحتاج لعمل استخباراتي مكثف وترتيب لأي ضربة أو إغارة على عناصر تلك المليشيات.
ومن استقراء المحددات التي تحكم السلوك الإسرائيلي والواقع الميداني في قطاع غزة يظهر أن الجيش الإسرائيلي خطط للاستفادة من تلك المليشيات لإحداث فوضى أمنية واسعة النطاق في قطاع غزة عقب وقف إطلاق النار، والاستفادة منهم في جمع المعلومات الاستخباراتية عن كوادر وقادة الفصائل الفلسطينية تمهيدًا لأي عملية ضدهم مستقبلًا. وهو ما فشل بالفعل؛ فانتشار قوات الأمن الداخلي التابعة لحركة حماس كان سريعًا وحاسمًا، رغم ما شابه من مخالفات أبرزها عمليات الإعدام الميدانية التي تمت لعدد ممن قالت «حماس» إنهم عملاء قُبِض عليهم وحقق معهم بتهمة التعاون مع العدو الإسرائيلي. لكن المحصلة أن الأمن الداخلي سيطر على مقاليد الأمور، وهذا الانتشار حاز دعمًا معنويًا من الرئيس الأمريكي نفسه حين قال إنهم يهاجمون العصابات وسمحنا لهم بذلك.
المسارات المستقبلية
وتأسيسًا على ما تقدم فإن مصير مليشيا الجيش الشعبي وغيرها من المليشيات في قطاع غزة يقف أمام مسارات مستقبلية جِدًّا، فحماس والفصائل الفلسطينية وكثير من أبناء الشعب الفلسطيني لديهم ثأرات مع هذه المليشيات، وهي لا تحظى بحاضنة شعبية حقيقية في قطاع غزة، مما يعني أن وجودها في حال رفع الجيش الإسرائيلي الحماية عنها سيظل مشكوكًا فيه. ولذا فليس مجافيًا القول بوجود علاقة عضوية أو «حبل سري» يصل من الجيش الإسرائيلي لهذه المليشيات.
وهناك سيناريوهات مستقبلية متوقعة لهذه المليشيات. أولها أن يرفع الجيش الإسرائيلي يده عنها، وفي هذه الحالة فستقع بينها وبين قوات المقاومة الفلسطينية معارك ستؤدي في النهاية إلى حسم المعركة لصالح الفصائل الفلسطينية وهزيمة المليشيات. هذا السيناريو ليس الأرجح حتى الآن، خاصةً مع الشكوك التي تكتنف وقف إطلاق النار واستمراره؛ وبالتالي فليس منطقياً أن تتخلى تل أبيب عن عملائها في وقت يُحتمل أن تحتاجهم فيه عن قريب.
أما السيناريو الثاني فسيكون طلب منتسبي هذه المليشيات العفو من حركة حماس وانشقاقهم عنها. هذا السيناريو متوقع لكن سيبقى محدودًا ولن تكون هناك عملية انشقاق هيكلية، فقيادة تلك المليشيات لن تتوانى عن التخلص من العناصر الذين يُحتمل أن يخرجوا عليها أو يتركوها في الوقت الراهن.
أما السيناريو الثالث فهو دمج هذه المليشيات في قوات الأمن الداخلي. وهذا سيناريو وارد وليس مستبعدًا، ولكن لا يبدو أنها ستُدمج في قوات الأمن الداخلي التابعة لحماس. وغالبًا ما سيحدث هو أن الجانب الإسرائيلي بالتنسيق مع الجانب الفلسطيني سيخطط لإنشاء قوة أمن داخلي في المناطق خارج الخط الأصفر، والتي تشمل أكثر من نصف مساحة غزة (53% تقريبًا)، ومن ثم سيُجرى تأهيل هذه المليشيات ودمجها في الإطار الأمني الجديد، وستعمل هذه القوة مع قوة الاستقرار الدولي التي بدأت تتشكل في الوقت الحالي، وفق ما تقوله المصادر الأمريكية. وهذا السيناريو محتمل للغاية.
وهناك احتمال ألا يتحقق هذا السيناريو، وما قد يجهضه هو الدور المصري في الترتيبات التالية في قطاع غزة؛ فمصر التي اضطلعت بمهمة تدريب 5 آلاف من قوات الأمن الداخلي التي ستنتشر في غزة في المرحلة المقبلة لن تقبل أن يكون الهيكل أو الإطار الأمني الجديد مكونًا من مجموعة من العملاء لإسرائيل، وبالتالي فستستخدم نفوذها من أجل إجهاض هذا المخطط وستستعيض عن هذه المليشيات بقوة من القوات التي دربتها. وهذا يعني أنه لا أفق مستقبلي لمليشيات الجيش الشعبي أو غيرها من المليشيات في غزة، إذا سارت الأمور في اتجاه وقف مستدام لإطلاق النار ولم تعد إسرائيل للقتال. فالأمل الوحيد لهذه المليشيات أن يستمر القتال داخل القطاع لأنّها وُجدت من رحم الحرب؛ تمامًا كإسرائيل، ولذا فالسلام أو وقف الحرب على الأقل يقتلها.



