اتفاق شرم الشيخ.. دلالات التوقيع المصري الأمريكي ومسارات النفوذ الإقليمي
في لحظة دبلوماسية نادرة، وقعت مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا على الوثيقة الكاملة لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وهي الوثيقة التي تضم المبادئ والقواعد التي على أساسها جرى التوصل لوقف الحرب في القطاع بعد عامين كاملين من الحرب المتواصلة.
ومن المنظور السياسي والدبلوماسي فإن توقيع الدول الضامنة للاتفاق عليه دون الأطراف المنخرطة فيه بشكل مباشر وهي حركة المقاومة الإسلامية حماس وإسرائيل يعني أن هذا اتفاق ذا طبيعة خاصة فهو ليس اتفاقية قانونية بالمعنى المفهوم، وإنما تعهد واتفاق الضامنين لإنهاء الحرب، وهذا يعني أن ملف قطاع غزة تحول من كونه ملف يُدار من تل أبيب باعتبارها دولة احتلال إلى مجموعة من الضامنين المتوافقين فيما بينهم على العمل من أجل إنهاء الحرب والتركيز على الانتقال للمرحلة التالية وإعادة إعمار قطاع غزة.
ويعني إبرام وقف إطلاق النار أن كلا الطرفين المنخرطين في الحرب وهما حماس وإسرائيل فشلا في حسمها عسكريًا، حتى بعد مرور سنتين على بدء الحرب في الـ7 من أكتوبر 2023، وأن كلاهما عاجزان على حل هذه الأزمة والخروج منها بالطريقة التقليدية، ولذا فإن هناك تحالف وسطاء أو ضامنين تدخل لإنهاء الحرب والبدء في مرحلة جديدة تكون فيها الإدارة الفعلية في قطاع غزة تحت إشراف دولي، ممثلًا في "مجلس السلام" المقترح ضمن مبادئ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العشرين، وبمشاركة ميدانية وسياسية ولوجستية من دول الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا.

وستأخذ هذه المشاركة صور متعددة وستشارك هذه الدول بالإضافة إلى دولة الإمارات في أعمال المركز الذي تنشأه القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM في إسرائيل لمتابعة اتفاق غزة والإشراف على مراقبة وقف إطلاق النار والعمل على تسهيل الأعمال اللوجستية لإعادة إعمار غزة في المرحلة التالية.
التحايل الدبلوماسي على مأزق التوقيع
من ناحية ثانية، يُعد توقيع الوسطاء أو الضامنين فكرة للخروج من العقبات القانونية التي كان محتملًا أن تُشكل عقبات أمام توقيع الاتفاق، فإسرائيل من الناحية القانونية لا تعترف بأن حركة حماس تتمتع بالشخصية الاعتبارية القانونية للتوقيع على الاتفاق، ومن الوارد أنها كانت سترفض التوقيع مع حماس، وهذه خطوة جرى تخطيها عبر قصر التوقيع على الاتفاق من قبل الدول، وهذا سر غياب الحركة الفلسطينية عن حضور مراسم توقيع الاتفاقية في شرم الشيخ.
وكذلك الحال بالنسبة لحركة "حماس" فهي لا تعترف بإسرائيل، وإذا وقعت على اتفاق معه فإن هذا يعني أنها قبلت به وطبعت التعامل معه تمامًا كما فعلت منظمة التحرير الفلسطينية عندما وقعت على اتفاقية أوسلو، عام 1993، ومن ثم كان منطقيًا ألا توقع بشكل مباشر، فحتى الاتفاق المبرم لوقف إطلاق النار جرى إبرامه بصيغة المفاوضات غير المباشرة أي أن الطرفين لم يجلسا معًا على طاولة المفاوضات نفسها.
ويعطي هذا التوقيع بالإضافة لاستضافة القمة في شرم الشيخ دلالة هامة تتعلق بإقرار مساحات النفوذ الإقليمي في ظل حالة تنافس بين الفواعل في الإقليم على قيادة المنطقة في المرحلة الحالية، فمصر باستضافتها وتوقيعها لهذا الاتفاق بعد أن رعت التوصل إليه ترسل رسالة أنها وسيط أمني وسياسي مركزي لا يمكن تخطي دوره في الإقليم، وأن نفوذها هذا باقٍ ولم يتأثر بأي من الظروف أو الأحداث على مدار السنوات الماضية.
أما الجانب التركي فأراد أن يدخل ببراجماتية إلى مساحة غاب عنها لفترة وعُزل نسبيًا عن التأثير فيها، رغم أنه يستضيف كثير من قادة الحركات الفلسطينية لديه وله علاقات وثيقة بإسرائيل، والعودة لهذه المساحة محاولة لتأكيد النفوذ السياسي في إقليم متغير، وهذا جزء من محاولات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للاحتفاظ بالمكانة الإقليمية البارزة لها خصوصًا بعد إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، في ديسمبر الماضي، وتنصيب نظام جديد مقرب من أنقرة.
وعلى ذات الصعيد، أرادت قطر التأكيد على حضورها في المشهد وأدوارها المتوقعة مستقبلا في تمويل عملية إعادة الإعمار والتعافي، ومن جهتها ترى الولايات المتحدة الأمريكية أن هذه الخطوة ورعاية الاتفاق مع الضامنين الآخرين هو اعتراف بأنها الطرف الأكثر قوة في العالم وأنها قادرة على منح الشرعية القانونية لأي تحرك متعلق بغزة في ضوء خطة ترامب ذات المبادئ العشرين.
وبالنظر إلى كل هذه الأدوار المتعددة، يتبين أن التوقيع في جوهره هو اعتراف بالأوزان والنفوذ السياسي لكل دولة من الدول المشاركة في الاتفاق، وهذه مسائل نسبية لكن تبقى هامة ومؤثرة في صياغة المشهد الحالي بتعقيداته.

الرهان المصري: منع نتنياهو من المناورة
بدورها، حرصت مصر على خروج مشهد التوقيع بهذه الطريقة لترسل رسائل متعددة الوجهات بأن الاتفاق الحالي مضمون بقوة ورمزية الدول الموقعة عليه، وصدرت الولايات المتحدة في الصورة كي تتحمل العبء الأكبر في الضغط على نتنياهو لإثنائه عن القيام بأي فعل من شأنه تخريب اتفاق وقف إطلاق النار الحالي واستئناف الحرب وسط وجود مؤشرات تنذر بأن المرحلة التالية ستكون صعبة وأن حكومة اليمين الإسرائيلي قد تتنصل من التزاماتها فيها.
وكل هذا يعني أن مصر تريد إنشاء نظام إدارة إقليمي حول غزة تشارك فيه الدول الضامنة بشكل رئيس، ويُسمح لأطراف أخرى بالانضمام له، مما يعني أن تل أبيب لن تكون الكلمة النهائية لها فيما يتعلق بقطاع غزة، وهذا يعني تدويل للقضية دون حصرها في الدائرة الإسرائيلية الداخلية.
والعمل على إنشاء هذا النظام بعد التوصل لاتفاق وقف إطلاق يقول بلسان الحال إن مصر لديها رؤيتها للتنافس الجيوسيتراتيجي في الإقليم وأن موقعها ومكانتها الإقليمية والدولية لم تتغير رغم مياه كثيرة جرت في النهر الإقليمي منذ العام 1979، عندما وقعت اتفاق السلام مع إسرائيل المعروف باتفاقية كامب ديفيد، ويمكن البناء على هذا مستقبلا لإتمام اتفاق غزة والعمل على تهيئة وترتيب كثير من الملفات الإقليمية المعقدة.



