رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أوروبا بين واشنطن وبكين.. من التبعية الأمنية إلى الطموح الاقتصادي

  البرلمان الأوروبى-
البرلمان الأوروبى- أرشيفية

ترتبط أوروبا، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي، تاريخيًا بالولايات المتحدة في إطار حلف شمال الأطلسي "الناتو"، إلى جانب التعاون الأمني والاستخباراتي والسياسي. ومع تولي دونالد ترامب رئاسة أمريكا، بدأت تتصاعد أصوات أوروبية، خصوصًا من فرنسا وألمانيا، تطالب بـ"استقلال استراتيجي أوروبي" في مجالي الدفاع والطاقة. لكن مع أزمات مثل أوكرانيا، عادت أوروبا للاعتماد الأمني على واشنطن.

ومع حالة الصراع الجيوسياسي بين الصين وأمريكا، تجد أوروبا نفسها بين قطبين متنافسين: الولايات المتحدة، حليفتها التاريخية عبر الناتو والعلاقات الغربية من جهة، والصين، الشريك التجاري والاقتصادي الصاعد من جهة أخرى. وهنا تبرز فكرة "أوروبا كلاعب ثالث" — أي كقوة مستقلة تسعى لتحقيق توازن استراتيجي بين التحالف مع أمريكا والانفتاح على الصين، دون أن تكون تابعة بالكامل لأي منهما.

أولًا: إشكالية التوازن بين التحالف والانفتاح

تواجه أوروبا معضلة استراتيجية حادة تتمثل في ضرورة التوفيق بين تحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة ومصالحها الاقتصادية المتزايدة مع الصين. إذ يشكل التحالف عبر الناتو حجر الزاوية في أمن أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ومن جهة أخرى تنظر الدول الأوروبية إلى الصين باعتبارها شريكًا اقتصاديًا لا يمكن تجاهله، حيث تمثل ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي.

رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل - أرشيفية 
رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل - أرشيفية 

 

أما بالنسبة للعلاقة الأوروبية الأمريكية، فإنها لا تزال قوية لكنها لم تعد كما كانت في السابق. فقد كشفت فترة حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هشاشة بعض أركان هذا التحالف، خاصة مع الدعوات إلى تقليص الالتزامات الأمريكية تجاه الدفاع عن أوروبا. هذه الصدمة دفعت بعض الدول الأوروبية، خاصة فرنسا، إلى الدعوة لما يسمى بـ"الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي".

لكن الحرب الروسية على أوكرانيا أعادت التأكيد على مركزية الدور الأمريكي في أمن القارة، مما أظهر حدود القدرة الأوروبية على الاستغناء عن الدعم الأمريكي. هذه الموازنة الدقيقة تفرض على أوروبا التفكير في موقع مستقل ومتوازن، لا يتبع بالكامل لأي من الطرفين.

كما تمثل الصين قوة اقتصادية عملاقة، وهو ما يجعل منها شريكًا مغريًا لأوروبا، خاصة في مجالات التكنولوجيا والتجارة والاستثمار. ولكن هذا الانفتاح محفوف بالمخاطر، فالاتحاد الأوروبي بات ينظر إلى الصين ليس فقط كشريك، بل أيضًا كمنافس وخصم نظامي. لذلك تتزايد المخاوف الأوروبية من النفوذ الصيني في القطاعات الحيوية، ومن غياب التوازن في العلاقات التجارية، إضافة إلى مواقف بكين من قضايا مثل حقوق الإنسان، وأزمة أوكرانيا، والتقارب الصيني - الروسي.

كل ما سبق يجعل الانفتاح الأوروبي على الصين مشروطًا وحذرًا، ويدفع نحو التفكير في بدائل استراتيجية تحقق المصالح دون الارتهان.

ثانيًا: أوروبا كفاعل مستقل.. الإمكانات والتحديات

تمتلك أوروبا قوة اقتصادية هائلة، وتأثيرًا دبلوماسيًا واسعًا، وتجربة تاريخية عميقة في إدارة الأزمات. لكن الطريق نحو الاستقلال الاستراتيجي ليس سهلًا، إذ تعاني أوروبا من تباين في المواقف بين دولها الأعضاء، ومن غياب سياسة خارجية موحدة.

كما أن مشروع بناء قوة دفاعية أوروبية ما زال يواجه عراقيل سياسية ومؤسساتية. ورغم المبادرات الطموحة مثل فكرة "السيادة الأوروبية" أو "الجيش الأوروبي"، إلا أن التنفيذ الفعلي لا يزال متعثرًا، مما يضعف قدرة أوروبا على اتخاذ قرارات مستقلة في السياسة الدولية.

ويرجع ذلك إلى غياب التوافق السياسي الداخلي بين أعضاء الاتحاد الأوروبي، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والدفاع. فالتفاوت في المصالح القومية — بين دول مثل ألمانيا وفرنسا من جهة، ودول شرق أوروبا مثل بولندا ودول البلطيق من جهة أخرى — يؤدي إلى شلل نسبي في اتخاذ قرارات استراتيجية موحدة. هذا الانقسام لا يسمح لأوروبا بتشكيل موقف موحد تجاه القوى الكبرى مثل الصين والولايات المتحدة، مما يضعف فعاليتها كفاعل دولي مستقل.

كما أن اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة في النظام المالي العالمي، وعلى الصين كسوق رئيسية وسلسلة توريد صناعية، يعقد قدرتها على اتخاذ مواقف مستقلة في السياسات التجارية أو العقوبات الدولية، ويجعل استقلالها الاقتصادي هدفًا طويل المدى يتطلب إعادة هيكلة جذرية لسلاسل القيمة والإنتاج.

روبرتا ميتسولا رئيسة البرلمان الأوروبى
روبرتا ميتسولا رئيسة البرلمان الأوروبى

ثالثًا: السيادة الرقمية

في سباق التكنولوجيا العالمي، لا تزال أوروبا متأخرة مقارنة بالولايات المتحدة والصين، خاصة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الفائقة، وأشباه الموصلات. هذا التراجع التكنولوجي لا يعوق فقط النمو الاقتصادي الأوروبي، بل يُضعف أيضًا استقلاليتها الاستراتيجية، إذ يجعلها أكثر عرضة للابتزاز أو الضغط عبر التكنولوجيا.

ورغم بعض المبادرات الأوروبية لبناء "سيادة رقمية"، مثل مشاريع السحابة الأوروبية أو قوانين تنظيم التكنولوجيا، فإن وتيرة التقدم لا تزال بطيئة مقارنة بالتحولات السريعة في هذا المجال عالميًا.

ورغم التحديات، تحتفظ أوروبا بإمكانات استراتيجية هائلة تجعلها قادرة على لعب دور مستقل إن أحسنت استثمارها. فالتحاد الأوروبي يتمتع بقوة تنظيمية كبيرة، حيث تُملي المعايير الأوروبية على العالم في مثل حماية البيانات والمعايير البيئية والغذائية، مما يرسخ ما يُعرف بـ"القوة التنظيمية الأوروبية".

كما تمتلك أوروبا أدوات قوة ناعمة فعالة، كالدبلوماسية والتعليم والثقافة، ويمكن لهذه الأدوات أن تمنحها نفوذًا عالميًا لا يرتكز فقط على القوة الصلبة إذا أحسنت توظيفها.

رابعًا: بطء المبادرات الدفاعية الأوروبية

شهد العقد الأخير محاولات أوروبية لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، مثل إنشاء "الصندوق الأوروبي للدفاع" ومبادرة "التعاون المنظم الدائم". ورغم أن هذه الجهود لا تزال في مراحلها الأولية، فإنها تعكس إدراكًا متزايدًا للحاجة إلى تطوير بنية دفاعية أوروبية مستقلة جزئيًا عن الناتو.

وتحتاج هذه المبادرات إلى إرادة سياسية حقيقية وتمويل كبير لتتحول من مشاريع رمزية إلى قدرات عملياتية فعلية.

وفي ظل تحوّل النظام الدولي نحو التعددية القطبية وتراجع الهيمنة الأمريكية التقليدية، تبرز فرصة أمام أوروبا لتثبيت موقعها كقطب مستقل ومتوازن. فمع تصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة، يمكن لأوروبا أن تلعب دور الوسيط، بشرط أن تنجح في توحيد مواقفها الداخلية وتطوير أدوات القوة الشاملة التي تجمع بين الاقتصاد والتكنولوجيا والدفاع والدبلوماسية.

الخلاصة

يواجه الطموح الأوروبي نحو الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية والتنافس الصيني تحديات عميقة بنيوية وسياسية وتقنية، ولكنه ليس مستحيلًا.إن نجاح أوروبا كفاعل دولي مستقل يتوقف على مدى قدرتها على تحويل إمكاناتها التنظيمية والاقتصادية إلى نفوذ جيوسياسي فعّال، مع ضرورة تحقيق قدر من التماسك السياسي الداخلي والاستثمار في الدفاع والتكنولوجيا.فالاستقلالية ليست بالضرورة القطيعة، بل هي القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة تخدم مصالح أوروبا في عالم مضطرب.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء