حكم قراءة القرآن حال لبس الحذاء.. «الافتاء» توضح
ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية يقول فيه صاحبه: ما حكم قراءة القرآن حال لبس الحذاء؟ فإني أرى كثيرًا من الناس يقرؤون آيات من القرآن الكريم في الطرقات والمواصلات العامة وساحات الانتظار ونحو ذلك وهم يلبسون أحذيتهم، فهل تجوز قراءة القرآن الكريم حال لبس الحذاء مع ما قد يَعلَق به من أوساخ في هذه الحال؟
وبدورها أكدت دار الإفتاء، عبر موقعها الرسمي، أنه قد الشرع حثّ على قراءة كتاب الله واستماعه والإنصات إليه مُطْلَقًا، ومِن المقرر أن الأمر المطلق يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال؛ فالأمر فيه سعة، لافتة إلى أنه إذا شرع الله سبحانه وتعالى أمرًا على جهة الإطلاق، وكان يحتمل في فعله وكيفية إيقاعه أكثر مِن وجهٍ؛ فإنه يؤخذ على إطلاقه وسعته، ولا يصح تقييده بوجهٍ دون وجهٍ إلَّا بدليل.
واستشهدت بقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾، وقوله ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، موضحة أن هذا خِطابٌ للنبي الكريم وللمؤمنين بالحث على تلاوة القرآن الكريم والاستماع له، وامتثالُ ذلك يحصُل على أية حال إلا ما استثناه الشارع ونص عليه.
قراءة القرآن حال لبس الحذاء
ومن السنة: ما ورد عَنْ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اقْرَؤوا القُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَومَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ» رواه مسلم.
وبينت دار الإفتاء المصرية أن النصوص المطلقة الدالة على استحباب قراءة القرآن والأمر بها والاستماع إليه تقتضي مشروعية ذلك في جميع الأوقات وعلى كافة الأحوال إلا ما نص الشارع على استثنائه بخصوصه، ولا يصح تقييدها بوجهٍ دون وجهٍ إلَّا بدليل؛ لأنَّ ما تَوَسَّع فيه الشارع فإنَّا نَتَوَسَّعُ فيه بإذنه لنا فيه، وما ضيَّقه ضيَّقناه؛ فجازت تلاوة القرآن حال لُبس الحذاء، إلا أنه ينبغي تحرِّي طهارة الحذاء عن نجاسة ظاهرة من باب تمام الأدب مع كلام الله عزَّ وجل.
وأضافت: مما يؤكد ذلك ما تقرر في قواعد الشرع: "الأَصْلُ فِي الأَشْيَاءِ الإِبَاحَةُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّحْرِيمِ"؛ كما في "الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 60، ط. دار الكتب العلمية).
وأكدت أن مما يُستأنس به أن الصلاة بالنعلين إذا كانا خالِيَيْنِ مِن النجس أمرٌ مشروع، وقد ورد في ذلك ما يربو على أربعين حديثًا تفيد الترخص بالصلاة فيهما تيسيرًا على العباد، ومراعاةً لما عليه أحوالهم، وما تجري به أعرافهم؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلمَّا رَأى ذَلِكَ القَوْمُ أَلقَوا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاتَه قَال: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟» قَالُوا: رَأيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَألْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا»، وقال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى المَسْجِدِ فَلْيَنظُرْ؛ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَو أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا».
واختتمت: فَلَمَّا كان التَّرَخُّصُ بالصلاة في النعال على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مناسبًا لطبيعةِ حَالِهِم وَمُقْتَضَى زَمَانِهِم؛ فلمْ تَكُنِ المساجدُ مبسوطةً بِالفُرُشِ كما هي عليهِ الآن؛ بل كانَ بِسَاطُهَا الحَصَى والتُّراب، بالإضافة إلى ما يمتاز به التراب عند المشي عليه من إزالة ما قد يعلق بالنعال من الأذى؛ إذ إنَّ ذراته تمتزج به فيزول بتتابع المشي ثم لا يبقى من أثره شيءٌ فيصير النعل غالب الوقت طاهرًا نظيفًا، ولذا كان التراب أحد الطهورين، مما يقتضي ألَّا تتأثر المساجد بشيءٍ من دخولِ المصلي إليها بنعلهِ، ومعلوم أن الصلاة تشتمل على قراءة القرآن وزيادة من ذكر ودعاء ونحو ذلك، فلما كان الأمر كذلك جازت قراءة القرآن حال لُبس الحذاء خارج الصلاة، كما هو الحال في الطرقات ووسائل المواصلات ونحو ذلك من باب أولى؛ لأنه من المعلوم أن السير في الطرقات لا يخلو عن ارتداء النعال، مما يدل على جواز قراءة القرآن حال ارتدائها.


