حروب المراعي في نيجيريا.. حين يَقتل "الجفاف" باسم العرق والدين
في قلب نيجيريا، وتحديدًا في الحزام الأوسط، تتكشف واحدة من أعقد الأزمات المعاصرة التي تجمع بين السياسة والبيئة والمجتمع. فالصراع المتصاعد بين الرعاة والمزارعين لم يعد مجرد نزاع محلي على المراعي أو المياه، بل أصبح جزءًا من معادلة أكبر تُعرف باسم العنف البيئي (Eco-Violence). هذا المفهوم يربط بين التغيرات البيئية – كالتصحر وشح الموارد – وبين تفجّر النزاعات المسلحة. ومع مرور الوقت، اتخذت الأزمة أبعادًا سياسية وأمنية أوسع، جعلت من الحزام الأوسط أحد أكثر المناطق توترًا في إفريقيا.
الجذور البيئية للصراع
لطالما كان الحزام الأوسط "سلة غذاء نيجيريا"، لكن التغير المناخي المتسارع قلب المعادلة. سنوات الجفاف الطويلة وامتداد التصحر نحو الجنوب دفعا بالرعاة، ومعظمهم من جماعة الفولاني، إلى البحث عن مراعٍ جديدة في أراضي المزارعين المستقرة. وهكذا بدأت المواجهة على الأرض والموارد: المزارعون يتمسكون بمحاصيلهم وملكياتهم، بينما الرعاة يسعون للحفاظ على مواشيهم التي تمثل مصدر رزقهم الوحيد.
لكن المشكلة لا تتوقف عند حد التنافس الطبيعي؛ بل إن ندرة الموارد أصبحت محرّكًا للعنف. فحين تقل المياه والمراعي، يتضاعف احتمال اندلاع النزاع. وهنا يظهر كيف أن التغير المناخي لم يعد مجرد قضية بيئية بل تحول إلى عامل أمني وسياسي.
البعد السياسي والعرقي
الصراع في الحزام الأوسط ليس بيئيًا فقط، بل هو أيضًا سياسي وعرقي بامتياز. فالمزارعون في الغالب من المجتمعات المسيحية المستقرة، بينما الرعاة من جماعة الفولاني المسلمة. هذا الانقسام الديني والعرقي غذّى خطاب الكراهية، وحوّل النزاعات المحلية إلى صراع وجودي في نظر الأطراف.

كما لعب السياسيون دورًا سلبيًا؛ ففي كثير من الحالات، استُخدم الصراع كورقة سياسية للتعبئة أو لتحقيق مكاسب انتخابية. بدلًا من البحث عن حلول عادلة لتقاسم الموارد، وُظّف العنف لإعادة تشكيل الخريطة الانتخابية أو لترسيخ النفوذ. وهكذا، امتزجت السياسة بالبيئة لتشكيل دائرة مفرغة من العنف وعدم الاستقرار.
ضعف الدولة والفراغ الأمني
واحدة من أبرز أسباب تصاعد الصراع هي ضعف مؤسسات الدولة. فالحكومة النيجيرية فشلت في فرض سيطرتها الكاملة على الحزام الأوسط. الشرطة والقوات المحلية غالبًا ما تكون عاجزة عن التدخل السريع، بينما يُتهم الجيش بالانحياز أو بالتقاعس. هذا الفراغ الأمني أتاح للجماعات المسلحة من الطرفين التمدد، وسهّل انتشار الأسلحة بشكل غير مسبوق.
ولأن القانون غائب أو مطبق بانتقائية، يلجأ المواطنون إلى العدالة الذاتية. المزارع يرد على اعتداء الرعاة بتشكيل ميليشيات محلية، والرعاة يسعون بدورهم إلى تسليح أنفسهم أو الانضمام إلى جماعات أكبر. وهكذا تتكرر دوامة العنف بلا نهاية.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
الانعكاسات الاقتصادية للصراع خطيرة للغاية. فالحزام الأوسط الذي كان يغذي نيجيريا بالحبوب والماشية أصبح منطقة نزوح جماعي. آلاف القرى هُجّرت، وملايين المزارعين فقدوا مصدر رزقهم. هذا التراجع الزراعي لا يهدد فقط الأمن الغذائي المحلي، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد الوطني بأكمله.
اجتماعيًا، أدت الأزمة إلى تفكيك النسيج المجتمعي. الثقة بين الجماعات العرقية والدينية تلاشت تقريبًا، وحلت محلها مشاعر الخوف والانتقام. كما ساهم النزوح في خلق أزمات إنسانية داخل المخيمات، حيث تنتشر البطالة والفقر وسوء التغذية.

التدويل الخفي للصراع
رغم أن الصراع يبدو محليًا، فإنه بدأ يجذب اهتمامًا دوليًا متزايدًا. فالمجتمع الدولي ينظر إليه كأحد أشكال النزاعات البيئية المستقبلية التي قد تزداد في ظل التغير المناخي. المنظمات الإنسانية تحذر من أن الحزام الأوسط قد يصبح "نموذجًا مصغرًا" لصراعات بيئية محتملة في دول أخرى.
كما أن بعض القوى الدولية ترى في الأزمة مدخلًا لتعزيز نفوذها في نيجيريا، سواء عبر المساعدات الأمنية أو الدعم الإنساني. وهنا يظهر خطر جديد: أن تتحول الأزمة إلى ساحة صراع بالوكالة بين قوى خارجية تبحث عن النفوذ في غرب إفريقيا.
مسارات الحل الممكنة
الحلول ليست سهلة، لكن ثمة مسارات يمكن البناء عليها. أولًا، لا بد من إصلاح القطاع الأمني وتعزيز قدرته على التدخل السريع والعادل، بعيدًا عن الانحيازات السياسية أو العرقية. ثانيًا، يجب تبني سياسات تنموية تركز على دعم المزارعين والرعاة معًا، عبر تحسين إدارة الموارد المائية وتوفير بدائل اقتصادية. ثالثًا، من الضروري إطلاق حوار مجتمعي يعيد الثقة بين الجماعات المتصارعة، مع إشراك الزعماء التقليديين والدينيين في جهود المصالحة. كما أن المجتمع الدولي يمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا إذا ركز دعمه على التنمية المستدامة وبناء السلام بدلًا من الاكتفاء بالمقاربات الأمنية.
وختامًا، فالصراع في الحزام الأوسط النيجيري يقدّم درسًا قاسيًا للعالم: أن تجاهل الأبعاد البيئية للتنمية يمكن أن يتحول إلى تهديد أمني شامل. العنف البيئي ليس مجرد مصطلح أكاديمي، بل هو واقع يعيشه الملايين اليوم. وإذا لم تُعالج جذور الأزمة، فإن دوامة العنف ستستمر في حصد الأرواح وتفكيك المجتمعات، ليس في نيجيريا وحدها بل في مناطق أخرى من العالم تواجه التحديات نفسها.



