رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

زيارة الشرع إلى موسكو.. شراكة استراتيجية أم إعادة توزيع للنفوذ ؟

الرئيس أحمد الشرع
الرئيس أحمد الشرع والرئيس بوتين

في خطوة تمثل تحولًا في العلاقات بين روسيا ونظام المرحلة الانتقالية في سوريا، التقى الرئيس المؤقت أحمد الشرع الرئيس فلاديمير بوتين في زيارة للعاصمة الروسية موسكو، اليوم الأربعاء، ما يشير إلى مساعٍ من الجانبين لتدشين مرحلة جديدة قد تشهد تأسيس علاقات وتفاهمات بين البلدين حول ملفات تحكم معادلة النفوذ داخل سوريا.

وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من تصريحات أكد خلالها "الشرع" أن روسيا عضو في مجلس الأمن ودولة مهمة في العالم، وأن هناك روابط وثيقة ومتوارثة تربط بين سوريا وروسيا ويجب الحفاظ عليها، ما يعكس رغبة سورية في إعادة تنشيط العلاقات مع موسكو، وإجراء تفاهمات حول مسارات جديدة للتعاون وترتيبات إدارة المرحلة المقبلة، وقد تتمثل هذه المسارات في:

أولًا: المسار الأمني والعسكري

يمثل الحضور العسكري الروسي في الأراضي السورية أهمية كبيرة في مسار العلاقات السورية-الروسية، وهو ما يجعل من الضروري وجود تفاهمات بشأن إدارة هذا الحضور في ظل وجود القاعدة البحرية الروسية في طرطوس وقاعدة حميميم الجوية في اللاذقية، إذ تمثل القاعدتان ركيزة للحضور العسكري الروسي في سوريا على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

ومن المتوقع أن تتضمن زيارة "الشرع" إلى روسيا إجراء محادثات بشأن استمرار تشغيل القاعدتين، ففي يوليو الماضي صرّح نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي فيرشينين بأن المفاوضات مع دمشق بشأن مستقبل المنشآت العسكرية الروسية في سوريا لا تزال نشطة، حيث تعمل الحكومتان على إعادة تحديد شروط وجود موسكو على الأراضي السورية.

ومن اللافت أن زيارة "الشرع" تأتي بالتزامن مع حشد عسكري روسي كبير على طول الساحل الغربي لسوريا، تضمن هذا النشاط هبوط تسع طائرات نقل روسية ضخمة من طراز A124 في قاعدة حميميم الجوية، محملة بأسلحة ثقيلة وإمدادات لوجستية وأنظمة دفاعية متطورة مباشرة من روسيا، وفق ما ذكره المرصد السوري لحقوق الإنسان. كما أشار "المرصد السوري" إلى أنه شوهدت أربعة أرتال عسكرية تنطلق من قاعدة طرطوس البحرية الروسية متجهة إلى حميميم، محملة بعشرات الشاحنات العسكرية والمعدات الثقيلة وصهاريج الوقود، وتحركت الأرتال بتنسيق دقيق على طول الطريق الساحلي، مما يشير إلى استمرار موسكو في تعزيز ممرها الاستراتيجي الذي يربط منشآتها البحرية والجوية.

 الشرع مع نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف- أرشيفية
 الشرع مع نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف- أرشيفية

تؤشر التحركات الروسية، التي وُصفت بأنها "أكبر عمليات إعادة الإمداد العسكرية التي تقوم بها روسيا في سوريا منذ أوائل عام 2022"، إلى أن موسكو لا تعمل فقط على تجديد قواتها، بل تؤكد أيضًا على هيمنتها الاستراتيجية طويلة الأمد في شرق البحر الأبيض المتوسط، ووجودها كقوة فاعلة في معادلة الأمن في الشرق الأوسط. كما تحمل هذه التحركات رسائل للإدارة السورية المؤقتة وللغرب أيضًا بأن الحضور الروسي سيظل ولن يتراجع، وهو الأمر الذي يدفع الإدارة السورية إلى التنسيق والتفاهم في هذا الملف الذي يمثل ركيزة أساسية في إدارة العلاقات بين الجانبين.

ويعزز مسألة الحفاظ على القواعد الروسية ما قاله وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، إن سوريا مهتمة بالحفاظ على القواعد العسكرية الروسية في طرطوس وحميميم، ويمكن إعادة توظيفها باعتبارها مراكز إنسانية، مؤكدًا أن الجانب السوري مهتم بالحفاظ على القواعد العسكرية الروسية في طرطوس وحميميم، إضافة إلى تأكيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا تنطلق من تلبية مصالح الدولة المضيفة، "الجمهورية العربية السورية".

ثانيًا: المسار السياسي والدبلوماسي 

بالتوازي مع المسار العسكري والأمني، يسعى الجانبان إلى ضبط الإيقاع السياسي في المرحلة الانتقالية بما يمنع أي فراغ في التحالفات الإقليمية. فالتصريحات السابقة للرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع بشأن العلاقة الاستراتيجية الوثيقة بين دمشق وموسكو، وانفتاح سوريا على جميع الأطراف، تؤشر على أن الزيارة تأتي في إطار سياسة "التوازن الحذر" التي تحاول الإدارة الجديدة في دمشق انتهاجها لتجنب خسارة الحليف الروسي، باعتباره طرفًا فاعلًا يملك أوراق تأثير ميداني وسياسي داخل الأراضي السورية، ما يجعل التفاهم حول الملفات المشتركة أمرًا ضروريًا.

تمثل التفاهمات حول الملفات المشتركة أيضًا أهمية كبيرة بالنسبة للجانب الروسي الذي يسعى إلى تعزيز نفوذه في المنطقة، واهتمامه بتثبيت وجوده في سوريا، وإن كان ذلك عبر ترتيبات جديدة تضمن استمرار الدور. ويبدو أن موسكو تسعى في هذه المرحلة إلى إحياء نشاطها في سوريا بعد فترة من الجمود.

ولا شك أن هذه الزيارة، التي يسعى من خلالها الرئيس السوري المؤقت إلى إدارة توازنات في العلاقات الخارجية وتعزيز شرعية إدارته الانتقالية من خلال علاقاته مع الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي، يقابلها من الجانب الروسي مساعٍ لضمان مصالح روسيا الاستراتيجية في المنطقة، وهو ما يدفعها للبحث عن معادلة جديدة في مرحلة ما بعد الأسد التي ترى ضرورة الانخراط فيها.

ثالثًا: المسار الاقتصادي وإعادة الإعمار

تسعى الإدارة السورية المؤقتة إلى تحقيق شراكات دولية وجذب تمويلات ضخمة لإعادة إعمار البنى التحتية المدمرة، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد السوري من الانكماش وقيود على الوصول إلى أنظمة الدفع الدولية. فوفق تقديرات البنك الدولي، من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي السوري نموًا طفيفًا بنسبة 1% في عام 2025، في ظل استمرار التحديات الأمنية، ونقص السيولة، وتعليق المساعدات الخارجية.

يشير تقرير البنك الدولي أيضًا إلى التآكل الحاد في القاعدة الاقتصادية السورية، والضغوط المالية المزمنة، والتأثير العميق للعقوبات، والاضطرابات الناجمة عن النزاع، وتزايد الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية وغير المشروعة منذ بدء النزاع السوري عام 2011، وهو ما يدفع الحكومة الجديدة لبذل جهود لجذب الاستثمارات الأجنبية الضرورية لدعم الانتعاش الاقتصادي.

كل هذه التحديات تدفع إدارة الشرع إلى البحث عن شراكات دولية، وهو ما قد يجعل روسيا طرفًا فاعلًا في هذا الإطار من خلال التمويل التقني أو إعادة تأهيل مواقع عسكرية أو مدنية، ويتلاقى ذلك مع الرغبة الروسية في الحضور الاقتصادي الذي يواكب الحضور العسكري، وتحويل النفوذ إلى مصالح باستثمارات ذات طابع استراتيجي. وإن كان من غير المتوقع أن تساهم روسيا باستثمارات ضخمة بسبب القيود الاقتصادية التي تواجهها بسبب حرب أوكرانيا واحتياجاتها الداخلية، إلا أنها ستحرص على الحضور في المشهد الاقتصادي السوري.

إجمالًا:

تأتي زيارة الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع إلى روسيا كخطوة استكشافية تحدد إمكانية التعاون في المرحلة المقبلة، وتعكس رغبة دمشق في إعادة التموضع بين القوى الفاعلة في المجتمع الدولي من خلال "التوازن الحذر"، لما يمكن أن تحققه سوريا من مكاسب في الملف السوري من خلال خبرتها في الميدان السوري، سواء على المستوى العسكري أو المشاريع الحيوية التي ساهمت في بنائها خلال سنوات نظام بشار الأسد.

تسعى روسيا أيضًا إلى الانخراط في مرحلة ما بعد الأسد، وتعزيز حضورها العسكري والسياسي والاقتصادي، وهو ما يتطلب تفاهمات مع الإدارة الجديدة لتحقيق مصالح كلا الطرفين، مع الأخذ في الاعتبار الموقف الأمريكي من التقارب "الروسي – السوري" ومراقبة إعادة موازين القوى داخل سوريا، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى تفعيل أدواتها داخل سوريا.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء