خطاب ترامب في شرم الشيخ.. لماذا غاب التهديد وحضرت اللغة الدينية ؟
جاءت كلمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام قمة السلام التي استقبلتها مدينة شرم الشيخ، للتأكيد على أن السلام هو الخيار الأفضل أمام دول المنطقة، وأن هذا الخيار تم اتخاذ أول خطواته بانعقاد هذه القمة، وأن الولايات المتحدة الأمريكية هي صاحبة الدور الأبرز في الوصول إلى هذه المرحلة، وهي الراعية لتحقيق السلام، مع جهود أطراف أخرى وجّه لها الشكر، ولم يخلُ الخطاب من تضخيم الذات أو تعظيم الدور الشخصي للرئيس الأمريكي.
وعلى الرغم من أن كلمة ترامب جاءت بعد ساعات من الخطاب الذي ألقاه أمام الكنيست الإسرائيلي، إلا أن "النبرة الخطابية" اختلفت تمامًا ما بين "خطاب الكنيست" و"قمة شرم الشيخ"، ففي الأولى كان الخطاب مليئًا بالتبريرات لكل ما تفعله إسرائيل ووصف كل من خالفها بـ"الإرهاب"، بينما كانت النبرة الخطابية في "قمة السلام" أكثر دبلوماسية وحيادية ودعوة للتعايش والسلام واعتبار إسرائيل شريكًا ممتازًا بحسب وصفه، وقد اعتمدت الكلمة على عدة أفكار ومحاور تمثلت في:
إنجاز السلام.. وإنهاء حقبة تاريخية من الصراع
ركز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إنجاز السلام وإنهاء الصراع، وتهيئة الشرق الأوسط لعصر جديد بعد إنهاء سنوات من المعاناة والصراع الممتد، معتبرًا نفسه طرفًا أصيلًا في تحقيق هذا الإنجاز أو الطرف الرئيس فيه، باعتباره صانعًا للسلام وليس صانعًا للحروب.
قدم ترامب نفسه كشاهد على أدق لحظات هذا الإنجاز الذي وصفه بـ"التاريخي"، باعتباره سيكون جزءًا من هذا التاريخ وصانعًا له من خلال حضوره للحظات انتهاء المعاناة التي تمثلت في "عودة الرهائن لأسرهم" واستلام الجثامين، والتركيز على قدرته على تحقيق نتائج ملموسة وواقعية على الأرض، والتي تمثل خطوة أولى في طريق حلم به الجميع.

تعظيم الدور الشخصي.. وإنجاز المستحيل
حرص ترامب على تقديم الاتفاق الذي جاء برعايته باعتباره خطوة لم يستطع أن يتمها أحد غيره، وإن كان قد قدّم الشكر لأطراف أخرى سواء الوسطاء في الاتفاق أو الحضور، أو الإشادة بالجهود المصرية الكبيرة في إتمام هذا الاتفاق والوصول إلى إنهاء الحرب ونهاية المعاناة.
لجأ ترامب أيضًا إلى ما يمكن وصفه بـ"تعظيم الدور الشخصي" و"تضخيم الذات" باعتباره راعيًا لإنجاز الاتفاق المستحيل، حيث قال: "اليوم حققنا ما قال الجميع إنه مستحيل، أخيرًا أصبح لدينا سلام في الشرق الأوسط، هو مصطلح بسيط ولكنه صعب المنال، هذا هو اليوم الذي عمل الجميع في أنحاء هذه المنطقة، وحاول العالم وسعوا وصلوا من أجله، وعلى مدار الشهرين الماضيين لم يكن أحد يتصور أن يحدث هذا في هذه الاتفاقية التاريخية".
ولم يقتصر تعظيم الدور الشخصي على دوره على المستوى العالمي أو الإقليمي، ولكن أيضًا كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، وقد ظهر ذلك في قوله: "منذ عام أو أكثر كانت الولايات المتحدة الأمريكية دولة ميتة، والآن أصبحت أكثر الدول جذبًا، لديكم 17 تريليون دولار من الاستثمارات، وهو رقم لم يحققه أحد، ولا أعتقد أن أحدًا سيحققه، ولدينا بضعة أشهر قبل انتهاء العام لنرى كم سيرتفع فيها، نحن على وشك تحقيق 18 تريليون حاليًا، بينما الإدارة السابقة أنجزت أقل من تريليون في 4 سنوات".
حاول ترامب إظهار الجانب الإنساني للمعاناة التي ساهم في إنهائها أو رعاية الاتفاق الذي وضع نهاية لها، باعتبار أن جهوده لها أهداف إنسانية في المقام الأول، وأنها تهدف إلى تحقيق الأمن والسلام، حيث قال: "بعد سنوات من المعاناة وإراقة الدماء انتهت الحرب في غزة، المساعدات الإنسانية تتدفق الآن ومعها مئات الشاحنات التي تحمل المواد الغذائية والطبية وغيرها من الإمدادات، وبعدها يعود المدنيون إلى بيوتهم، ويجتمع الرهائن مع أسرهم".
دمج إسرائيل.. والانضمام للاتفاق الإبراهيمي
وجّه ترامب خلال كلمته رسالة ودعوة واضحة بدمج إسرائيل في المنطقة والتعامل معها كشريك لا كعدو، من خلال وصف الشعب الإسرائيلي بـ"الشركاء الممتازين"، وذلك من خلال الدعوة إلى الانضمام إلى الاتفاق الإبراهيمي الذي يرسخ هذه الفكرة. ولجأ إلى التحفيز لضرورة المشاركة في الاتفاق، مؤكدًا أنه لم يعد هناك أي حجج تمنع الانضمام، فهناك دول انضمت إلى الاتفاق وأصبحت أكثر ثراءً.
بدت هذه الدعوة وهذا التحفيز في قوله: "الشعب الإسرائيلي يشعر بسعادة غامرة أيضًا، لأن الحرب قد انتهت، وهم مستعدون لبدء هذا الفصل الجديد للمنطقة بأكملها، وسيكونون شركاء ممتازين، ونتمنى أن ينضم الجميع إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وسينضم الكثيرون، هناك أربع دول انضمت لها واستمرت، ثم أتت حكومة بايدن، وهي أسوأ حكومة في تاريخ بلادي، ومن الواضح أنهم لم ينجزوا أي شيء في هذا الصدد".
يلمح ترامب إلى أن العقبات التي كانت تمنع بعض الدول من الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، والتي تتمثل في "حرب غزة وإيران"، قد انتهت، حيث قال: "الآن لا توجد أعذار، ليس هناك غزة، وليس هناك إيران، هذا كان عذرًا جيدًا، ولكنه لم يعد قائمًا بعد، الزخم الآن يدفع باتجاه سلام عظيم".

حضور الاتفاق الإبراهيمي في كلمته أمام قمة شرم الشيخ هو محاولة لترسيخ الفكرة الأمريكية عن الاتفاق، والتي تتمثل في إمكانية التعايش بين الدول الثلاث: "الإسلامية والمسيحية واليهودية". ولذلك جاءت دعوة ترامب صريحة ومباشرة وملحّة إلى أن الطريق قد أصبح ممهّدًا للمضي قدمًا في هذا المسار، مع الإشارة إلى فشل سلفه بايدن في تحقيق أي إنجاز فيه، وباعتباره هو رجل الإنجازات المستحيلة، لا بد من اتخاذ خطوات في هذا المسار.

استخدام اللغة الدينية
لم تخلُ كلمة ترامب من اللغة الدينية، لما لها من دور كبير في الخطابات السياسية وقدرتها على التلاعب بالعواطف وإضافة سمة أخلاقية على الرسائل السياسية المراد تمريرها، وقد بدت هذه اللغة في عدد من التعبيرات التي استخدمها ترامب في خطابه.
تهدف بعض الجمل والتعبيرات إلى إضفاء الطابع الروحاني أو الديني على الإنجاز الذي تحقق، وهذا البُعد يتم توظيفه بشكل كبير لتعظيم المُنجز في نفس المتلقي، وأن ما تم تحقيقه ليس فقط بجهود بشرية، ولكن أيضًا بتوفيق إلهي، وهو ما بدا من استخدامه لبعض المفردات، مثل قوله: "وأخيرًا استُجيبت صلوات ودعوات الملايين"، في إشارة إلى إنهاء المعاناة وإتمام الاتفاق.
حضرت أيضًا اللغة الدينية في قوله: "المهم أننا هنا للاحتفال بأكثر من نهاية الحرب في غزة، بعون الله سنحقق قفزة كبيرة وتحقيق السلام والازدهار في الشرق الأوسط بأكمله".
استخدام عبارة "بعون الله" يأتي لتصوير وجود رغبة إلهية في تحقيق هذا المسار الذي تم إنجازه.
اختتم ترامب خطابه بالدعاء، والذي تمثل في قوله: "ها هو الطريق الذي نريده، وأن نصيغ مستقبلًا رائعًا، وأود أن أختم قائلًا: بارك الله فيكم جميعًا.. بارك الله في الشرق الأوسط.. بارك الله في بلدانكم.. وبارك الله فيكم جميعًا.. شكرًا جزيلاً"، وهي دعوات تحمل بعدًا دينيًا صريحًا في نهاية الخطاب لإعطائه بعدًا دينيًا وقيميًا وروحيًا.
ختامًا
جاءت كلمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام قمة السلام في شرم الشيخ خالية من لغة التهديد، باعتباره أن ما يريده قد تم، وأنه حقق إنجازًا تاريخيًا كان له الدور الأبرز فيه، وهو ما جعل الخطاب محمّلًا بلغة ودّية ودبلوماسية، وإظهار الود تجاه الجميع وضرورة التعاون في مرحلة جديدة آمنة ومستقرة نجح هو في تدشين أولى مراحلها.
حرص ترامب أيضًا خلال كلمته على تعظيم دوره الشخصي، سواء في إنهاء الحروب والنزاعات وإحلال السلام في العالم، أو كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية التي كانت قبل وصوله "دولة ميتة" حسب تعبيره، موظفًا اللغة الدينية لإظهار أن ما يحققه من إنجازات يتجاوز الجهد الشخصي ليصل إلى التوفيق الإلهي، وذلك بهدف تعظيم المُنجز في نفس المتلقي.



