رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خلافات الأسرى والمساعدات تعيد شبح الحرب: هل تنجو هدنة غزة من التصدع؟

اتفاقية السلام بشرم
اتفاقية السلام بشرم الشيخ

يوم واحد فصل بين قمة شرم الشيخ للسلام التي استضافتها مصر بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من قادة دول المنطقة والعالم، وبين تقليص إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة ردًا على تأخر تسليم جثث أسرى إسرائيليين قُتلوا خلال الحرب الأخيرة، وهو إجراء رغم محدوديته من الناحية العملية، إلا أنه يثير تساؤلات حول الخطوات التالية ومستقبل اتفاق وقف إطلاق النار ككل.

وتثير الخطوة الإسرائيلية بعض القلق المبرر، لا سيما أنها لم تأتِ منفصلةً عن السياق العام الذي تتخوف فيه مصر والدول الأخرى الضامنة للاتفاق من نقض إسرائيل له، كما حدث في الهدنة الأخيرة (الهدنة الثانية بعد الهدنة المؤقتة في نوفمبر 2023)، المبرمة في 19 يناير والمنقوضة في 18 مارس من العام الجاري.

الرئيس السيسي مع مبعوثي ترامب
الرئيس السيسي مع مبعوثي ترامب

ولم يُفوت وزراء اليمين الإسرائيلي فرصة تأخر تسليم جثث الأسرى الإسرائيليين، فخرج وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير سريعًا ليصف الخطوة بأنها دليل على أن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" لم تُهزم، وأنها ما تزال حية وقائمة، وهذا يعني أن الهدف الذي رسمته إسرائيل للحرب، وهو تدمير حركة حماس، لم يُنجز أو يتحقق، وهو ما يمكن أن يُستخدم ذريعة من قبل تل أبيب لنقض الاتفاق والعودة إلى القتال.

تخوفات منطقية

واللافت أن ضامني الاتفاق الذين وقعوا عليه في شرم الشيخ أمس، مرسلين رسائل ضمنية مفادها أن قضية غزة تحولت إلى قضية تُدار عبر إطار إقليمي ودولي، أبدوا تخوفهم من نقض الاتفاق أو عدم التزام إسرائيل به. ولعل هذا كان أحد الدوافع الرئيسية للقاهرة من أجل استضافة قمة السلام بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وبدوره، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لدى عودته إلى أنقرة إن الطريق أمام اتفاق السلام المبرم في شرم الشيخ لا يزال صعبًا، وإن اتفاق شرم الشيخ ليس حلًا نهائيًا للأزمة، وإن حلها يتمثل في إقامة دولة فلسطينية، داعيًا تل أبيب إلى الالتزام بالاتفاق وعدم نقضه.

وتكمن المشكلة الرئيسية في الوضع الحالي في الجانب الإسرائيلي صاحب التاريخ الطويل من نقض الاتفاقيات الدولية وعدم الالتزام بها وخرقها والمماطلة في تنفيذها، وهذا أمر تكرر في كل المرات التي دخلت فيها تل أبيب في اتفاقيات مع الدول العربية، وآخرها اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 مع حزب الله بوساطة أمريكية وإسرائيلية، الذي نقضته إسرائيل أكثر من 500 مرة حتى الآن عبر شنها هجمات في مناطق الجنوب اللبناني وحتى العاصمة بيروت. كما أن الجيش الإسرائيلي لم ينسحب من خمسة مواقع استراتيجية في جنوب لبنان، وهو ما ينص الاتفاق عليه.

وتشير الخبرة السابقة في سياق الحرب في غزة إلى أن إسرائيل تعقد المفاوضات وتماطل في تنفيذ التزاماتها، وكل هذا قد يكون تمهيدًا لنقض الاتفاق ككل. فبعد جولات من المفاوضات بدأت منذ توقيع اتفاق الهدنة في 19 يناير 2025 وحتى 18 مارس من العام نفسه، أثارت إسرائيل النقاط الخلافية مع حماس بصورة معقدة ورفضت المقترحات المقدمة من الحركة أو الوسطاء من أجل التوصل إلى حل بشأن هذه النقاط، وهذا كله أفضى إلى انهيار المفاوضات في نهاية المطاف واستئناف القتال.

الأصعب لم يأتِ بعد

على أن الماضي يظل مؤثرًا في الحاضر، فليس متوقعًا أن تكون جولات المفاوضات التي تتم على أساس اتفاق وقف إطلاق النار الحالي، المبني على مبادئ ومقترحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العشرين، بأسهل من جولات المفاوضات السابقة. علاوة على أن المفاوضات التي قادت إلى الاتفاق على المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار كانت معقدة وكادت أن تنهار، ومضى يومها الأول دون التوصل لأي شيء، ومن ثم اقترح الوسطاء أن يكون الاتفاق على المرحلة الأولى على أن يتم التفاوض على المراحل التالية فيما بعد.

الرئيس السيسي مع رؤساء دول العالم في قمة شرم الشيخ 
الرئيس السيسي مع رؤساء دول العالم في قمة شرم الشيخ 

وفي الحقيقة، فإن الاتفاق المبرم لا توجد ضمانات لاستمراره أو استكماله بعد المرحلة الأولى سوى ضمانات الوسطاء، وهي ضمانات في جوهرها مبنية على افتراض وجود ضغط أمريكي على إسرائيل من أجل منعها من نقض الاتفاق ومواصلة الحرب مرة أخرى، إذ كانت هناك خطط فعلية لذلك ولوّحت بها تل أبيب حال فشلت المفاوضات الأخيرة. وهذا يعني أن الخطر يبقى قائمًا، وأن نقاط الخلاف أكثر من نقاط الاتفاق، وهذا بجانب أن تل أبيب تحررت من عبء الأسرى الأحياء بعد إطلاق سراحهم، مع الإقرار بأن قضية الأسرى لم تكن محورية بالنسبة لحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023 وحتى وقف إطلاق النار الحالي الذي تم التوصل إليه في 9 أكتوبر 2025.

والموقف الرئيس دائمًا لتل أبيب يُظهر أن الجانب الإسرائيلي لا يريد أن يتنازل ولا أن يقدم أي شيء، ويتفنن في وضع العراقيل أمام مسار أي اتفاق، ويتمسك بالأمور الشكلية ولا يراعي التعقيدات الفنية لأي اتفاق. وهذا بارز للغاية في سياق قراره الأخير بإغلاق معبر رفح غدًا من الجانب الفلسطيني وتقليل كمية المساعدات الإنسانية الداخلة إلى غزة، ورفضه دخول كميات الغاز الطبيعي المتفق عليها، متذرعًا بأنه سيقبل فقط بدخولها لأغراض إنسانية. وهذا يثير مخاوف بشأن المستقبل، ويعزز موقف من يرون أن إسرائيل لا تنوي استكمال الاتفاق.

ومما يعضد حجج أصحاب الرأي السابق، التسريبات الصادرة عن دوائر مقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه بنيامين نتنياهو. فوفقًا لما ذكره آميت سيجال، الصحفي المقرب من "نتنياهو"، في مجلة فورين أفيرز الأمريكية، فإن تل أبيب لا تنوي التخلي عن مواقعها الحالية في قطاع غزة، ولا أن تنسحب من المناطق التي تحتلها والتي تشكل أكثر من نصف مساحة القطاع (نسبة 53%) على وجه التحديد، وهذا يناقض جوهر الاتفاق الذي ينص على الانسحاب الإسرائيلي.

النهج الأمريكي والأزمة في غزة

وبخلاف محددات الموقف الإسرائيلي واتجاهات حكومة نتنياهو، يبقى الموقف الأمريكي نفسه غير حاسم بالقدر الكافي. فالرئيس دونالد ترامب نفسه الذي أعلن في شرم الشيخ أن الحرب انتهت، هو ذاته من أعلن في اليوم التالي أن هناك مخالفات للاتفاق، ومنها تأخير تسليم الأسرى.

ويدرك الجانب الأمريكي تمامًا وجود تعقيدات فنية لاستعادة جثث ورفات الأسرى الإسرائيليين في القطاع المدمر بالكامل تقريبًا، وهذا سبب دفع مصر وتركيا إلى بحث تشكيل فريق مختص يدخل إلى قطاع غزة من أجل المساهمة في البحث عن جثث الأسرى. لكن الرئيس دونالد ترامب سارع إلى اعتبار أن التأخير في استعادة جثث الأسرى خرق للاتفاق.

غير أن أكثر النقاط المثيرة للقلق ليست الموقف الأمريكي بشأن جثث الرهائن، بل ما ألمح له ترامب في قمة شرم الشيخ حين ربط إعادة الإعمار – وهي عملية معقدة وطويلة – بنزع سلاح حركة حماس، وهي أيضًا عملية معقدة وطويلة، مما يعني أن الاتفاق الحالي، الذي أُسكتت بموجبه البنادق، سيواجه تحديات حقيقية وقد ينهار إذا لم يواصل الوسطاء والضامنون الضغط على الأطراف لإنهاء حرب تُصنف كواحدة من أقسى الحروب في المنطقة العربية والشرق الأوسط ككل.

أحمد سلطان*

باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء