رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الطريق إلى شرم الشيخ: كيف أربكت القاهرة المخطط الإسرائيلي لتهجير الفلسطينيين ؟

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

بمجرد الإعلان عن إبرام اتفاق الهدنة في 9 أكتوبر الجاري، أعلنت مصر عن استضافة قمة شرم الشيخ بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولفيف من قادة الدول العربية والعالم ومشاركة الجامعة العربية والمجلس الأوروبي، وهذه القمة التي تشهد الإعلان والاحتفال بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار، تهدف من ورائها القاهرة لمنع عودة القتال مرة أخرى والانتقال العملي إلى اليوم التالي للحرب والحيلولة دون تخريب الحكومة اليمينية الإسرائيلية للاتفاق الحالي.

ويمثل النجاح في الوصول لهذا الاتفاق الذي تم بوساطة مصرية قطرية أمريكية ومشاركة تركية في المفاوضات التي جرت بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى، نصرًا سياسيًا لمصر أحرزته بوقف الحرب وتعطيل مخطط تصفية القضية الفلسطينية عبر مشروع التهجير الذي تبنته تل أبيب وعملت عليه طويلا وأنشأت له مكتب خاص في الخارجية الإسرائيلية هو مكتب الهجرة الطوعية.

الرئيس السيسي ورؤساء دول العالم في شرم الشيخ 
الرئيس السيسي ورؤساء دول العالم في شرم الشيخ 

وتُعد قمة شرم الشيخ تتويجًا لمسار عمل سياسي أو بالأحرى معركة سياسية انخرطت فيها مصر ضد إسرائيل منذ بداية حرب غزة، وهو مسار هادف للحيلولة دون تصفية القضية الفلسطينية، وتسارع العمل على هذا المسار خلال الأشهر السبعة الأخيرة بعد انهيار هدنة 19 يناير2025، والتي نقضتها إسرائيل في 18 مارس 2025، وهذا بالتوازي مع طرح خطة الثقة العظيمة التي بحثتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهي خطة تتقاطع مع فكرة "ريفييرا غزة" التي طرحها دونالد ترامب من قبل وقامت على أساس السيطرة على قطاع غزة وإقامة مشاريع عقارية وسياحية فيه وتهجير مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني إلى خارج القطاع.

ولقيت خطة الثقة العظيمة تأييدًا في بعض الدوائر الأمريكية لا سيما في ظل طموح مستشار الرئيس الأمريكي غير الرسمي وصهر جاريد كوشنر، ومبعوث ترامب الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف للاستفادة من هذه الخطة لإطلاق مشاريع استثمارية في قطاعات السياحة، والاستثمارات، والخدمات المالية، والعقارات.

وبالتوازي مع طرح هذه الخطة، عمل الجيش الإسرائيلي على فرض حصار على مناطق قطاع غزة وتقطيع أوصاله الرابطة بين الشمال والوسط والجنوب لخلق كاتيونات صغيرة تديرها مليشيات محلية كمليشيا ياسر أبو شباب وحسام الأسطل في رفح وخان يونس على الترتيب، وهذه الكاتيونات جرى نقل بعض العائلات الفلسطينية إليها بعد تدقيقات أجرتها الاستخبارات وأجهزة الأمن الإسرائيلية.

التحرك المنسق في مقابل خطة التهجير

في هذه الأثناء، بدأت الدولة المصرية عن طريق مؤسساتها المعنية وأجهزتها السياسية والمعلوماتية تحت إشراف الرئيس عبد الفتاح السيسي العمل على إجهاض مخطط التهجير وصياغة خطط واقعية بديلة تكون قابلة للتطبيق وتحظى بتوافق من الأطراف المعنية بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل، والفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها حماس والدول الأخرى المنخرطة في الأزمة الحالية.

وسبق أن طرحت القاهرة، أواخر 2024، مقترح لجنة الإسناد المجتمعي لتكون بديلًا مؤقتًا لحركة حماس في الحكم والإدارة خلال المرحلة الانتقالية التالية لوقف الحرب، بيد أن تل أبيب أجهضت المقترح باستئناف العمليات العسكرية في مارس 2025، ورفض الجانب الإسرائيلي كل المقترحات الرامية لوقف الحرب، وقبل فقط بهدنة مؤقتة لاستعادة أسراه ثم استكمال الحرب لنهاية المطاف، لأن الهدف الذي رسمته دوائر الأمن القومي الإسرائيلي كان تدمير غزة وتهجير أكبر عدد من سكانها بحيث لا تُشكل تهديدًا مستقبليا لإسرائيل على الإطلاق.

ولإنجاح هذا المخطط عملت إسرائيل على تهيئة البيئة الإقليمية من أجل إنجاح التهجير عن طريق تفاهمات سرية مع دول وحكومات منها جنوب السودان، وإندونيسيا وحكومة الغرب الليبي، وصومالي لاند وغيرها، تحركت مصر في مسار مضاد شمل التواصل مع الدول والحكومات المذكورة وإقناعها والضغط عليها من أجل رفض القبول بتهجير الفلسطينيين إلى أراضيها.

وكان مقررًا أن يتم تهجير ما بين 600: 800 ألف فلسطيني ضمن خطة التهجير الطوعي وأن تقوم مؤسسات رسمية ومنظمات مجتمع مدني برعاية برامج نزع تطرف هدفها إجراء عملية تغيير ثقافي عميق للشعب الفلسطيني من أجل تحييد العوامل الأيديولوجية ومنع تشكل بذرة للمقاومة ضد الاحتلال مرة أخرى، وهذا التصور استدعى نموذج اليابان بعد الحرب العالمية الثانية الذي قام فيه الجنرال الأمريكي  دوغلاس ماك آرثر برعاية عملية تحول من النمط الياباني القديم إلى نمط دولة حليفة للولايات المتحدة، وأجرى لإتمام هذا الأمر تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية مخططة وقصدية ليتحول الشعب الياباني من عدو إلى حليف يدور في فلك السياسة الأمريكية.

 

الرئيس السيسي مع الرئيس ترامب في قمة شرم الشيخ 
الرئيس السيسي مع الرئيس ترامب في قمة شرم الشيخ 

وحشدت مصر في مقابل الخطة الإسرائيلية مواقف إقليمية ودولية، وعملت بشكل منسق مع الدول العربية كالسعودية والإمارات وقطر من أجل تكوين اتجاه عام دولي رافض لمخطط التهجير وإبراز معاناة الشعب الفلسطيني وضرورة وقف الحرب، ثم حدث أن قصفت إسرائيل العاصمة القطرية الدوحة وهذا الهجوم مثل انعطافة مهمة في مسار الأحداث، فرغم الصدمة والمفاجأة التي شكلها، إلا أنه دفع العديد من القوى الإقليمية لتأييد التوجه المصري الرامي لإنهاء الأزمة دون تصفية القضية الفلسطينية، وخصم كثيرًا من رصيد إسرائيل بعد أن ظهرت كدولة مارقة تهدد الأمن الإقليمي ولا تلتزم بالقوانين والأعراف الدولية.

المضي قدمًا على الطريق الصعب

وعملت مصر على الاستفادة من الارتدادات التي خلفها الهجوم الإسرائيلي على قطر في دفع المفاوضات التي تعطلت بفعل الهجوم إلى مسار جديد في شرم الشيخ وانضم لهذه الجولة من المفاوضات رؤساء استخبارات مصر وتركيا وإسرائيل ورئيس الوزراء القطري والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأمريكي ومستشاره غير الرسمي جاريد كوشنر وعدد كبير من المفاوضين والمسؤولين، ولذا كسبت جولة المفاوضات الأخيرة زخمًا في لحظة هامة انطلق بها إلى الوصول إلى اتفاق بشأن المرحلة الأولى، وهذا نصر سياسي لمعركة القاهرة ضد إسرائيل التي جرت كنوع من المبارزات العقلية والسياسية على الساحة الإقليمية والدولية، وفازت بها مصر بمجموع النقاط التي حازتها على حساب إسرائيل في هذه المرحلة.

ورغم الأجواء الاحتفالية التي صاحبت إعلان الاتفاق ثم عقد قمة شرم الشيخ بحضور الرئيس الأمريكي وعدد من قادة العالم بناءً على دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فإن التحرك المصري يكشف وجود تخوفات من أي تحرك إسرائيلي لتخريب الاتفاق والعودة للقتال، وهذا له دوافع عدة منها أن طبيعة رئيس الوزراء الإسرائيلي والنخبة القيادية الحاكمة الآن تجعلها لا تقبل باتفاق يثنيها عن أهدافها، وهي لم تحقق الهدف الأهم الذي خاضت من أجله الحرب وهو نزع سلاح حركة حماس.

كما أن "نتنياهو" يتعرض إلى ضغط كبير من الجبهة الداخلية وهناك مطالبات بمسألته سياسيا وقضائيًا على دوره المفضي لحدوث هجمات الـ7 من أكتوبر 2023، وهو ما حاول رئيس الوزراء تجنبه أكثر من مرة بالقفز إلى الأمام وإشعال حروب في المنطقة منها حربه مع إيران المعروفة بحرب الـ12 يومًا، مع الإقرار بأن هذا لم يكن الدافع الوحيد لكل هذه العمليات والحروب، وبالتالي فحشر رئيس الوزراء الإسرائيلي ومعه وزراء اليمين المتطرف في الزاوية من شأنه أن يدفعهم لاتخذا قرارات شرسة قد يكون من بينها نقض اتفاق وقف إطلاق النار.

ويدرك الجانب المصري أن المضي قدمًا في الاتفاق سيكون أمرًا معقدًا تتجاذبه العديد من العوامل والفواعل الداخلة في تشكيل المشهد الحالي، فالأصعب لم يأتِ بعد والمفاوضات حول قضية سلاح حماس في غزة لم تبدأ ضمن إطار الاتفاق الموافق عليه من الطرفين، علاوة على أن ما أظهرته حماس من انتشار قوات الأمن الداخلي واستهدافها لبعض العملاء المتعاونين مع إسرائيل في الحرب الأخيرة واستهدفها المليشيات التي تشكلت في أثناء الحرب بتنسيق ودعم من الجيش الإسرائيلي كمليشيا ياسر أبو شباب وحسام الأسطل وغيرهما.

وتكمن المشكلة في التفاصيل بشأن الانتقال إلى المرحلة التالية، والشيطان يكمن في التفاصيل كما يُقال، فمفاوضات نزع سلاح حماس أو تجميد والسلطة الجديدة وقوات الاستقرار الدولية وإعادة الإعمار وتمويله كلها أمور صعبة ومعقدة، ولذا فإن النظر إلى القمة والطريقة التي عُقدت بها يبين أن مصر تريد وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مواجهة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتحجيم الأخير وكبح جموحه ودفعه للموافقة على الانتقال للمرحلة التالية.

ويظهر جليًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتشى بما حققه حتى الآن، وأتاح له إخراج المشهد الخاص بـ"قمة السلام" من قبل مصر أن يندفع إلى نقطة جديدة من الفخر الذاتي حتى أنه اعتبر أن أهم إنجاز له هو وقف الحرب في غزة، وهذا يخدم الهدف المصري والعربي المتمثل في وقف الحرب وتعمل مصر على تعظيم الاستفادة من ذلك، ومع ذلك فالمستقبل القريب ما زال ملبدًا بعدم اليقين والنصر السياسي الذي حازته مصر يتطلب العمل من أجل حفظه منع نشوب الحرب من جديد والانتقال بالقضية الفلسطينية لمرحلة تالية في لحظة حرجة من عمر المنطقة والعالم.

أحمد سلطان*

باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء