ما بعد الهدنة.. هل يُفرغ مجلس الأمن اتفاق غزة من مضمونه السياسي ؟
تتجه الأنظار إلى نيويورك قريبا حيث يستعد مجلس الأمن الدولي لعقد جلسة مفصلية تُعيد طرح ملف الحرب في غزة من زاوية جديدة، بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة مصرية–أمريكية ودعم دولي واسع. فبينما يسعى المجلس إلى تثبيت الهدنة ووضع أسس لإعادة الإعمار والإغاثة الإنسانية، تطفو على السطح الخلافات العميقة حول قضايا نزع السلاح، وإدارة القطاع، وضمانات الأمن الإسرائيلي، ودور الأطراف الإقليمية في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب. وتأتي هذه الجلسة في أعقاب قمة شرم الشيخ للسلام التي منحت دفعة سياسية للمسار الدبلوماسي، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن تباين المصالح بين القوى الكبرى، ما يجعل مداولات المجلس اختبارًا حقيقيًا لتوازنات النفوذ داخل النظام الدولي في مرحلة ما بعد غزة.
في الغالب، سيسعى مجلس الأمن إلى إصدار قرار يدعم تنفيذ الهدنة، ويضع آليات عملية لتدفق المساعدات، ويؤسس لإطار أولي لإعادة الإعمار، مع تجنب إدراج أي بنود تُلزم إسرائيل بنزع السلاح أو تحملها مسؤوليات مباشرة قد تفضي إلى عقوبات. ويتوقع أن تُصاغ نصوص القرار بما يراعي المصالح الأمنية الإسرائيلية، بينما تعمل واشنطن، بصفتها الراعي السياسي الرئيسي لاتفاق وقف النار، على الحفاظ على مرونة المسارات العملية وسرعة تنفيذها.

من جانبها، تطالب إسرائيل بضمانات أمنية شاملة، عبر تفكيك بنى المقاومة أو تقييدها بشكل كامل، لضمان حقها في الدفاع عن نفسها، مع رفض أي آلية دولية تحد من تحرك جيشها أو تسمح بانتشار قوات أجنبية في مناطق تراها حساسة دون موافقتها. وتشير التقديرات إلى أن الحلفاء، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، سيضغطون لمنع صدور قرارات تمس القدرات الإسرائيلية أو تهدد مطالبها الأمنية. ورغم موافقة إسرائيل على صفقة وقف النار وفق شروطها، فإنها تصر على أن أي ترتيبات لاحقة يجب أن تتضمن ضمانات أمنية واضحة أو خطوات عملية لنزع السلاح.
أما مصر، فتمثل لاعبًا محوريًا في الوساطة الإقليمية، خاصة بعد استضافتها قمة السلام في شرم الشيخ، واهتمامها بضمان استقرار الحدود ومنع التهجير أو تصفية القضية الفلسطينية، إلى جانب دورها كضامن لإدارة مرحلة ما بعد الحرب. ومن المرجح أن تدفع القاهرة نحو قرار يدعم وقف النار، ويؤكد على ضرورة منع أي تغييرات ديموغرافية أو تهجير قسري، ويعزز دور الوساطة العربية والإقليمية في تسوية ما بعد النزاع.
في المقابل، من المتوقع أن تطرح كل من قطر وتركيا، بحكم علاقاتهما الوثيقة مع حركة حماس، صياغات تدعو لحماية المدنيين وضمان مشاركة الفصائل الفلسطينية في المرحلة الانتقالية، مع رفض أي ترتيبات تهمش القوى الفلسطينية أو تفرض وقائع تهجير، إلى جانب الدعوة إلى آليات إنسانية فعّالة ومراقبة دولية لحقوق الإنسان.

أما المواقف الأوروبية، وخصوصًا فرنسا وبريطانيا وألمانيا، فستتمحور حول دعم وقف إطلاق النار والمطالبة بإطلاق عملية إعادة الإعمار تحت إشراف أممي، مع الدعوة إلى تشكيل بعثة مراقبة أو "قوات استقرار دولية" بغطاء متعدد الأطراف، مع التأكيد على شفافية التمويل وإشراك الأمم المتحدة بشكل مؤسسي، بما يضمن سرعة تنفيذ خطة وقف النار.
الجانب الروسي، من جهته، يسعى للحفاظ على نفوذه في الشرق الأوسط، ويعارض أي ترتيبات أحادية تضعف الشرعية الدولية أو تستبعد أطرافًا إقليمية مؤثرة. ومن المرجح أن يرفض نصوصًا تمس سيادة الدول أو تفرض آليات دون توافق واسع، وقد يستخدم موقفه لتحقيق توازن مع الكتلة الغربية، خصوصًا في ضوء تأكيد موسكو الرسمي على الحلول السياسية واحترام القانون الدولي.

أما الصين، فتركز على الاستقرار الإقليمي وترفض الضغوط الأحادية، مع دعمها للحل السياسي والجهود الإنسانية. ومن المتوقع أن يدعو موقفها في الجلسة المقبلة إلى تثبيت وقف النار الدائم، وضمان تدفق المساعدات، ورفض أي صياغات تُحمّل طرفًا واحدًا المسؤولية أو تُضعف السلطات المحلية، مع تأكيد دور الأمم المتحدة في إدارة المرحلة الانتقالية.
وبالنسبة للدول العربية مثل السعودية والإمارات والأردن، فستتمحور مواقفها حول دعم الهدنة وحماية المدنيين وتعزيز جهود إعادة الإعمار، مع تفاوت في مدى الالتزام بالشروط الأمريكية–الإسرائيلية المقترحة للمرحلة المقبلة. وسيتركز الموقف العربي في إطار النصوص الإنسانية والدعوة إلى دور أممي وإقليمي فاعل، مع رفض التهجير القسري والمطالبة بضمانات سياسية لحقوق الفلسطينيين على المدى الطويل.
سيناريوهات القرار المحتمل:
من المرجح أن تتضمن مسودة القرار الأممي عدة سيناريوهات:
الأول: قرار إنساني يدعم الهدنة وتدفق المساعدات، وهو ما سيحظى بتأييد واسع.
الثاني: قرار أكثر إلزامًا يتناول نزع سلاح حماس أو التغييرات الحكومية في غزة، وهو ما قد يواجه اعتراضًا أمريكيًا قويًا، خاصة إذا تضمن بنودًا تمس أمن إسرائيل. وقد تعارض روسيا والصين مثل هذه الصيغة وتدفعان نحو تأجيل البنود التنفيذية.
الثالث: قرار يدعو إلى تشكيل بعثة دولية لحفظ السلام بصلاحيات موسعة، وهو ما سيفتح نقاشًا حادًا حول شروط الانتشار وحدود الصلاحيات. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد يفضلان بعثة محدودة، بينما ستتمسك موسكو وبكين بضرورة الحصول على موافقة الأطراف الإقليمية، وقد يُلوّح أيٌّ منهما بحق النقض إذا اعتُبرت الصيغة تدخلًا أحاديًا.

احتمالات المخرجات:
يرجح أن تنتهي الجلسة بقرار أو بيان يدعم وقف النار، ويوسع المساعدات الإنسانية، ويضع إطارًا أوليًا لإعادة الإعمار. أما القضايا الأكثر حساسية مثل نزع السلاح والحوكمة وصلاحيات القوات الدولية، فستبقى محل خلاف وستُرحَّل إلى مفاوضات لاحقة، أو تُعالج عبر مسارات إقليمية–أمريكية–عربية موازية.
ختامًا:
تركز جلسة مجلس الأمن المقبلة على الملفات الإنسانية والفنية، مثل تثبيت الهدنة وتسهيل مرور المساعدات، لأنها تمثل أرضية توافقية تحفظ توازنات القوى الكبرى وتلبي الحاجات العاجلة. أما القضايا الاستراتيجية كمسألة نزع السلاح وترتيبات الحوكمة، فستُرحّل إلى مفاوضات أضيق لتجنب صدامات دبلوماسية أو استخدام الفيتو.
الولايات المتحدة ستسعى لقيادة المرحلة السياسية وتوظيف نتائج قمة شرم الشيخ لترسيخ رؤيتها، بينما يدفع الأوروبيون نحو آليات مراقبة دولية أكثر فاعلية، في حين تتمسك روسيا والصين بموقف الحذر للحفاظ على مبدأ الشرعية الدولية ورفض أي تدخلات أحادية.



