رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اللوبي الإسرائيلي في الغرب.. تحالف مصالح يفضح ازدواجية المعايير تجاه غزة

الرئيس السيسي والرئيس
الرئيس السيسي والرئيس ماكرون

تُعد إسرائيل شريكًا رئيسيًا للعديد من الدول الأوروبية في مجالات الأمن، والتكنولوجيا، والتجارة، كما أن ثقل اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، إلى جانب الروابط التاريخية بعد الحرب العالمية الثانية، يجعل بعض الدول الأوروبية – مثل ألمانيا والنمسا – تتبنى موقفًا داعمًا بشدة لتل أبيب، بل وتبرر أحيانًا أفعالها تحت مسمى "حق الدفاع عن النفس"، رغم سقوط آلاف المدنيين في غزة.

في المقابل، هناك دول أوروبية – كإيرلندا، وإسبانيا، وبلجيكا – تدفع باتجاه مواقف أكثر انتقادًا لإسرائيل، وتدعو إلى وقف فوري للحرب، معتبرة أن الممارسات الإسرائيلية في غزة تمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني. هذه الدول ترى أن استمرار الصمت أو التواطؤ الأوروبي يضعف من مصداقية الاتحاد في الدفاع عن "القيم الإنسانية" التي طالما رفعها، مثل حقوق الإنسان، وكرامة المدنيين، ومبادئ العدالة الدولية.

إن التردد الأوروبي في اتخاذ موقف حاسم يعكس في جوهره أزمة هوية: هل يجب أن يستمر الاتحاد كقوة ناعمة تُعلي من شأن المبادئ والقيم، أم يتحرك وفق منطق المصالح السياسية والأمنية فقط؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط مستقبل الدور الأوروبي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل أيضًا مكانته العالمية في عالم يعاد تشكيله بين الأقطاب.

مظاهرات دعم القضية الفلسطينية في أوروبا
مظاهرات دعم القضية الفلسطينية في أوروبا

الأوروبيون الغائبون عن قمة شرم الشيخ للسلام

يكمن التحدي الأكبر لأوروبا في كيفية التوفيق بين المواقف المتباينة ضمن سياسة خارجية موحدة، لا تفرّط في تحالفاتها السياسية مع إسرائيل، ولا تتنكر لمسؤوليتها الأخلاقية تجاه المدنيين في غزة. 

لم يكن غياب عدد من القادة الأوروبيين البارزين عن قمة شرم الشيخ بشأن غزة حدثًا عابرًا أو بروتوكوليًا، بل حمل في طياته دلالات سياسية مهمة تكشف تباينات الموقف الأوروبي من الحرب الجارية، وتوضح حجم التخبط داخل الاتحاد الأوروبي في صياغة سياسة موحدة تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. 

يشير هذا الغياب إلى أزمة أعمق في أولويات السياسة الخارجية الأوروبية، خاصة تجاه منطقة الشرق الأوسط، حيث يبدو أن بعض العواصم الأوروبية فضّلت الاصطفاف العلني خلف الموقف الإسرائيلي، بينما اختارت أخرى اتباع نهج "الصمت الدبلوماسي"، خشية إغضاب حلفائها أو دخول ساحة سياسية معقدة دون وضوح في المواقف.

 كما يعكس الغياب الأوروبي المحدود عن القمة نوعًا من العزلة الذاتية، في لحظة إقليمية مفصلية كانت تتطلب حضورًا أوروبيًا فاعلًا لا يغيب عن طاولة القرار، خاصة حين يتعلق الأمر بمبادرات للتهدئة ومنع التصعيد الإقليمي.

العلاقات الأوروبية الإسرائيلية: مصالح استراتيجية أم تحالف أيديولوجي؟

يرتبط موقف أوروبا من إسرائيل بمنظومة مصالح معقدة تتجاوز الاعتبارات الأخلاقية، لتدخل في عمق الشراكات الاستراتيجية. إذ تنظر العديد من الدول الأوروبية إلى إسرائيل كشريك أمني وتقني لا يمكن تجاهله في منطقة مضطربة كالشرق الأوسط. 

يعزز التعاون في مجالات التكنولوجيا العسكرية، والأمن السيبراني، والطاقة، من منطق دعم إسرائيل داخل دوائر القرار الأوروبي، حتى في ظل الانتهاكات المتكررة في الأراضي الفلسطينية.

 كما لا يمكن إغفال البعد التاريخي – خاصة في دول كألمانيا – حيث الشعور بالذنب تجاه المحرقة (الهولوكوست) يلعب دورًا في تبني سياسات داعمة لإسرائيل. لكن هذا التقارب مع إسرائيل يضع أوروبا في موقف صعب، خاصة حين يتعارض مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، مما يفتح الباب أمام انتقادات بأنها تحولت إلى طرف غير محايد، فاقد للمصداقية الأخلاقية.

مفاوضات شرم الشيخ لحل أزمة غزة
مفاوضات شرم الشيخ لحل أزمة غزة

القيم الإنسانية الأوروبية تحت الاختبار

تجد أوروبا نفسها اليوم أمام اختبار أخلاقي حاد يهدد مصداقية خطابها الحقوقي والإنساني، لا سيما في ظل التباين الواضح بين مواقفها من الحرب في أوكرانيا وتلك التي تتعلق بالحرب في غزة. 

ففي حين تبنت مواقف حاسمة وسريعة ضد الغزو الروسي، وفتحت أبوابها أمام اللاجئين الأوكرانيين، وفرضت عقوبات اقتصادية وسياسية صارمة، تتسم مواقفها تجاه غزة بالحذر، والانتقائية، بل والصمت أحيانًا، رغم الأرقام الهائلة للضحايا المدنيين والانهيار الكامل للمنظومة الإنسانية في القطاع. 

هذا التباين يدفع الكثيرين، داخل أوروبا وخارجها، إلى التساؤل عن مدى التزام الاتحاد الأوروبي فعليًا بالمبادئ التي يرفعها، وهل تُطبق القيم الإنسانية بشكل شامل، أم وفق اعتبارات سياسية وانتقائية تخدم المصالح لا المبادئ؟

أوروبا وقضية غزة: مسؤولية تاريخية أم عبء أخلاقي

لا يمكن فصل الموقف الأوروبي من غزة عن الإرث الاستعماري لأوروبا في المنطقة، والدور الذي لعبته القوى الأوروبية في تقسيم فلسطين، وتسهيل قيام إسرائيل، وهو ما يفرض مسؤولية تاريخية لم تُحاسب عليها بعد. 

وفي العقود الأخيرة، تحوّلت غزة إلى مساحة يتجاذبها الغرب بين التعاطف الإنساني والتجاهل السياسي، حيث تُمطر بالمساعدات لكنها تُترك دون حماية، هذا التناقض يجعل من غزة عبئًا أخلاقيًا على الضمير الأوروبي، تظهره أوروبا عندما تتحدث عن "المعاناة الإنسانية"، لكنها نادرًا ما تتحرك فعليًا لوقف الأسباب الجذرية لتلك المعاناة: الاحتلال، والحصار، والعقاب الجماعي. 

وفي هذا السياق، يبدو أن أوروبا تسعى للظهور بمظهر "المانح الكريم"، لكنها تتردد في ممارسة أي ضغط حقيقي على إسرائيل لتغيير سياساتها، ما يترك أسئلة عميقة حول مدى جدية أوروبا في تحمل مسؤولياتها الأخلاقية تجاه القضية الفلسطينية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء