رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

واشنطن ودوامة الأمن الخليجي.. هل انتهى عصر الحماية الأمريكية؟

الشيخ تميم بن حمد
الشيخ تميم بن حمد

في نفس اليوم الذي زار فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو البيت الأبيض، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيا يتعهد فيه باعتبار أن أي هجوم على دولة قطر تهديدًا لأمن الولايات المتحدة، وللمفارقة فإن توقيع هذا الأمر الجديد آتى في وقت يستقبل فيه "ترامب" من أمر بتنفيذ هجوم في قلب العاصمة القطرية الدوحة، في 9 سبتمبر الماضي.

وبحسب نص الأمر التنفيذي الجديد فإن واشنطن ستتخذ التدابير الملائمة بما فيها التدابير السياسية والاقتصادية والعسكرية للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة، ودولة قطر، ولاستعادة الأمن، والاستقرار. وبدورها وصفت وزارة الخارجية القطرية الأمر التنفيذي بأنه علامة فارقة في تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون الدفاعي بين البلدين.

ترامب وأمير قطر
ترامب وأمير قطر

ويمثل الأمر التنفيذي الصادر عن دونالد ترامب محاولة أمريكية للاستدراك على الأزمة التي خلفتها الغارة الإسرائيلية على العاصمة القطرية الدوحة واستهدفت الوفد المفاوض لحركة حماس عندما كانوا يتباحثون بشأن مقترح قدمه ترامب بشأن الحرب في قطاع غزة، بيد أن هذا لا يعني أن المعضلة الأمنية في الخليج العربي، والتي أكدت عليها الضربة الإسرائيلية لقطر، قد حُلت.

وعمليًا لم تكن الغارة الإسرائيلية على الدوحة لتتم دون إبلاغ الجانب الأمريكي ودون تنسيق مع واشنطن لا سيما وأن الدوحة القطرية تستضيف قاعدة العُديد، أحد أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة، وبالتالي فإن أي تحرك للمقاتلات الإسرائيلية يجب أن يتم تنفيذه بالترتيب مع القوات الأمريكية ضمانًا لكيلا يتم اعتراض وإسقاط المقاتلات التي تنفذ الغارة.

ويشهد للطرح السابق، ما نقله موقع "أكسيوس" الأمريكي، المعروف بقربه من الاستخبارات الإسرائيلية، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغ دونالد ترامب بالغارة الإسرائيلية على الدوحة قبل 50 دقيقة من تنفيذها، وهذا يعني أن "نتنياهو" حصل على ضوء أخضر من ترامب قبل شن الغارة، وكان بمقدور الرئيس الأمريكي أن يمنعه تمامًا كما فعل بعد إبرام صفقة وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل حينما أمر الجانب الإسرائيلي بأن يُلغي هجومًا خططه على طهران وإرجاع المقاتلات الإسرائيلية وهي تُحلق في الجو صوب طهران.

الحماية الأمريكية لا تكفي

وعُدّ الهجوم الإسرائيلي على العاصمة القطرية حدثًا غير مسبوق، فلأول مرة تتعرض عاصمة خليجية لقصف إسرائيلي منذ نشأة الدول الخليجية خلال وبعد الحقبة الاستعمارية في المشرق العربي. وتكمن خطورة الهجوم في أحد جوانبها في كونها انقلاب على التعهدات الأمريكية بضمان أمن الخليج العربي والتي بناءً عليها وسعت واشنطن وجودها العسكري في الخليج وأنشأت قواعد لها في دول الخليج (الكويت، الإمارات، السعودية)، منذ حرب الخليج الثانية بجانب وجودها العسكري في قاعدة الدعم البحري في البحرين منذ عام 1971.

ولطالما تحدثت الولايات المتحدة عن ضمانها لأمن الخليج العربي وتعهدها بالتدخل عسكريا لحماية الدول الخليجية، سواء في السنوات التي تلت الحرب العراقية الكويتية (حرب الخليج الثانية)، أو بعد سقوط نظام الرئيس العراقي (الأسبق) صدام حسين في 2003، وما تلاه من تمدد إيراني في الإقليم، وتبني طهران استراتيجية توسعية تهدد الأمن القومي الخليجي والعربي ككل.

نتنياهو
نتنياهو

ولعل الاختبار الحقيقي للحماية الأمريكية المفترضة لم يكن فقط لحظة تنفيذ الهجوم الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة، بل من قبل ذلك حين هاجمت جماعة الحوثي، المدعومة إيرانيا، منشآت تابعة لشركة أرامكو، عملاق النفط السعودي، عام 2019، ثم مهاجمة مطار العاصمة الإماراتية أبو ظبي، في 2022، ومع ذلك فهذه الهجمات مختلفة إلى حد كبير عن الهجوم الأخير على العاصمة القطرية، فتلك الهجمات نفذتها جماعة مصنفة كعدو  للخليج وللولايات المتحدة، في آن واحد، وتدعمها دولة (إيران) مصنفة، وقتها، كخصم أو عدو في دول الخليج، أما الهجوم الأخير فنفذته إسرائيل المصنفة كحليف، بل الحليف الأقرب للولايات المتحدة، ومن ثم فإن المخاوف والشكوك بشأن الحماية الأمريكية للخليج تبقى قائمة وتزداد.

وفي كل المرات السابقة، لم تتعامل الولايات المتحدة بجدية مع التهديدات الأمنية الموجهة صوب الدول الخليجية، بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث بصلافة عن تلك الحماية، عام 2018، قائلًا إن على الدول الخليجية أن تدفع مقابل هذه الحماية الأمريكية وإن بعض هذه الدول لن تبقى دون الحماية الأمريكية.

ومن الواضح أن الدول الخليجية أدركت أن هذه الحماية غير كافية خاصةً أنها لم تحل دون مهاجمة الدول الخليجية في مناسبات مختلفة، فبدأت رحلة تنويع التحالفات مع العديد من القوى الإقليمية والدولية، وخلال تلك الرحلة أبرمت المملكة العربية السعودية وإيران، في 2022، اتفاقا لاستعادة العلاقات الثنائية بين البلدين بوساطة صينية، ومن ثم تخففت الرياض من كثير من أحمال التنافس والصراع مع طهران، وبالتالي أصبح التهديد الرئيس لأمن الدول الخليجية أقل مما كان قبل إبرام الاتفاق، مع أن دول الخليج ما زالت تتوجس من النهج الإيراني واحتمالية إضرار طهران بالأمن القومي للخليج العربي.

البحث عن اتفاقيات ملزمة لا مجرد أوامر تنفيذية

وعلى أرض الواقع، فإن دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية كانت تبحث عن تعهدات حقيقية ملزمة بشأن أمن الخليج لا مجرد تعهدات لفظية بكلمات منمقة أو أوامر تنفيذية غير ملزمة فعليا للولايات المتحدة، ففي السنوات الماضية، احتفظت السعودية بمطلبها معاهدة/ اتفاقية أمنية ملزمة مع الولايات المتحدة (صيغة قريبة من البند الخامس في ميثاق حلف شمال الأطلسي التي تنص على الدفاع المشترك وأن الاعتداء على دولة من الحلف يعد اعتداء على كل الدول) وتصنيف المملكة حليفًا رئيسيًا من خارج الناتو وإبرام اتفاقية نووية مدنية أيضًا، والجزء الأول لم تقبل به واشنطن والأخير مازالت تماطل فيه عمليا رغم أنها خطت فيه عدة خطوات نظريا، كما ربطت واشنطن القبول باتفاق أمني غير ملزم بصيغة أقل مما تطالب به السعودية، بانضمام الرياض لاتفاقيات أبراهام والتطبيع مع إسرائيل، دون أن تعرض اتفاقية ملزمة تنص على رد واستجابة الولايات المتحدة حال تعرضت السعودية لاعتداء، ثم أتت هجمات الـ7 من أكتوبر 2023 (عملية طوفان الأقصى) لتقلب الأمور رأسًا على عقب وترفع تكلفة أي تقارب مع إسرائيل، في اللحظة الحالية، ومع ذلك فلم تراوح واشنطن مقعدها الأول ولم تعرض اتفاقية مناسبة لضمان أمن الخليج العربي ودوله الست.

وبنفس المنطق، يأتي الأمر التنفيذي الأخير الذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في نفس يوم استقباله لنتنياهو، فالأمر التنفيذي لا يعد معاهدة أو اتفاقية ملزمة ويمكن نقضه أو تعديله في أي وقت، والأوامر التنفيذية هي جزء من صلاحية الرئيس الأمريكي لكنها لا تعرض على الكونغرس ولا يصوت عليها، وليس لها صيغة الإلزام.

والواضح أن الأمر التنفيذي الأخير هو مناورة أمريكية للاستدراك على التداعيات السلبية التي خلفها هجوم الدوحة، فرغم أن دولة قطر التي تعرضت للهجوم لم تقل إنها ستعدل اتفاقياتها الدفاعية مع واشنطن، بل أكدت أنها ستستمر في مسار تعزيز التعاون الثنائي في هذا الملف إلا أن هجوم الدوحة الأخير ما زال دليلا قويا على أن الولايات المتحدة يمكن أن تتنصل من مسؤولياتها تجاه الحلفاء في أي لحظة، وهذا لا يقتصر على الخليج فقط بل حتى أوروبا التي تحدث "ترامب" عن أن عليها أن تدفع أيضًا مقابل الحماية وهو ما أثار شكوك حول الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا في لحظة مفصلية يستمر فيها اشتعال جذوة الحرب الروسية الأوكرانية بما تلقيه من ظلال ثقيلة على أمن القارة العجوز بالكامل.

وبطبيعة الحال، شكلت الأوضاع الراهنة في المنطقة والعالم دافعًا قويا للمملكة العربية السعودية للاتجاه نحو إبرام اتفاقية استراتيجية مع باكستان تنص على أن الاعتداء على أي دولة منهما اعتداء على الدولة الأخرى، كما أن تلك الاتفاقية تمنح السعودية وصولا للأسلحة النووية الباكستانية، وفق ما قاله وزير الدفاع الباكستاني "خواجة محمد آصف"، وبالتالي تمنحها نوعًا خاصًا من الردع في مواجهة خصومها المفترضين.

واللجوء لباكستان هو جزء من عملية تنويع التحالفات الأمينة الخليجية ولعل الخطوة التي خطتها المملكة العربية السعودية لن تكون الخطوة الأخيرة في هذا الصدد، فدول الخليج عليها أن تدرك الآن أكثر من ذي قبل أن التعهدات الأمريكية غير الملزمة قد تُنقض في أي لحظة وأن المصالح الخاصة لواشنطن وحليفتها الأقرب "تل أبيب" تبقى حاكمة وإلا لمنع "ترامب" القصف الإسرائيلي للدوحة القطرية للمرة الأولى في التاريخ.

المستقبل: أمن الخليج يبدأ من الخليج

إلى ذلك، لا يمكن القول بإن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة، ومن قبلها الهجمات الإيرانية في 2019 و2022، قد دفعت كل دول الخليج لحسم خيارها بالبحث عن بديل للولايات المتحدة أو على الأقل تنويع التحالفات على غرار ما تفعل الرياض، فبعض الدول ما تزال مترددة ولعل تصريحات رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني عقب هجوم الدوحة بأن بلاده ستواصل التعاون العسكري والدفاعي مع واشنطن أكبر دليل على ذلك.

لكن لا ينبغي للهجمات الأخيرة أن تمر كغيرها، فهي تعكس، واقعيا، معضلة الأمن في الخليج وهي معضلة مركبة تتداخل فيها عوامل جيوسياسية ويزيدها النهج الأمريكي الحالي تعقيدًا، فغالبية دول الخليج العربي، باستثناء المملكة العربية السعودية، لا تمتلك عمقًا استراتيجيا يمنحها القدرة على الصمود والتكيف الطويل والقدرة على التعاطي مع التهديدات (إيرانية كانت أو إسرائيلية) أو الرد على الهجمات حال حدوثها، كما أن هناك ثغرة واضحة في الدفاعات الجوية رغم امتلاك هذه الدول منظومات متطورة كمنظومات باتريوت وثاد الأمريكيتين، وناسمز النرويجية وغيرها، لكنها تفتقر إلى الإنذار المبكر الموحد وكذلك تفتقر إلى نظام شامل للدفاع ضد المسيرات التي أصبحت سلاحا فعالا في الحرب الحديثة كما تقول دروس الحرب الروسية الأوكرانية.

وأمام هذه التحديات، يجب على الدول الخليجية مجتمعة أن تفكر في إطار جديد لأمنها القومي فأمن الخليج يبدأ وينتهي منه، ولا يمكن التفكير في الوقت الحالي بنفس الطريقة السابقة، بل ينبغي التعلم من الدروس الحالية والماضية والانطلاق نحو أفق جديد يراعي محددات الأمن الخليجي.

وفي هذا الإطار، يجب على الدول الخليجية أن تدرك الحكمة العربية القائلة "ما حك جلدك مثل ظفرك .. فتول أنت جميع أمرك" وأن أي شريك عسكري أو أمني، سواء كان الولايات المتحدة أو باكستان أو غيره، لا يمكن الاعتماد عليه بنفس درجة الاعتماد على الذات، ولذا عليها أن تفكر في التكامل الدفاعي بينها وأن تفكر في إنشاء منظومة إنذار مبكر مشتركة وتفعيل الدفاعات الجوية بشكل منسق بحيث يصبح هناك نوع من التآزر الفعال في هذا الصدد، ويقتضي هذا وجود منظومة قيادة وسيطرة عبر وطنية موحدة وأخرى وطنية تعمل بالتنسيق معها وتكون هناك خطط تبادلية بين هذه المنظومات في حال الطوارئ.

ويجب على دول الخليج أيضًا توسيع عملية تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمنية، وهو ما شدد عليه مجلس التعاون الخليجي في اجتماعه التالي للهجوم على الدوحة بتاريخ 18 سبتمبر الماضي، وكذلك عليها إعادة النظر في تفعيل قوات درع الجزيرة، التي أنشأت بالأساس كقوة عسكرية خليجية مشتركة، لكنها لم تُفعل بالصورة المطلوبة حتى الآن، ولذا ينبغي أن يتم التفكير في إنشاء قيادة موحدة دائمة لها، والعمل على إعداد قوة انتشار سريع مدربة وجاهزة للتدخل وفق الحاجة، والعمل على توحيد العقيدة القتالية لها بما في ذلك إعداد مناهج تدريب موحدة وخطط عمليات مشتركة.. إلخ، وهذا يتطلب أن تتوافر الإرادة السياسية له وتجاوز التباينات التي كانت موجودة بين بعض الدول، وعندما تتوافر هذه الإرادة يمكن استغلال القدرات الخليجية أمثل استغلال للوصول للتكامل الدفاعي وبناء منظومة أمنية قوية قادرة على التعامل مع التهديدات الحالية والمستقبلية.

أحمد سلطان*

باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء