سلام ترامب أم حرب نتنياهو.. غزة بين مبادرات التسوية ورهانات التوسع
تعيش القضية الفلسطينية اليوم عند مفترق طرق حاسم. ففي الوقت الذي تتسارع فيه خطوات بعض الدول الأوروبية نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ويزداد الضغط الشعبي والسياسي على إسرائيل لإنهاء حرب غزة، جاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (23 سبتمبر 2025)، ليطرح خطة جديدة تحمل ملامح "تسوية كبرى" تنهي الحرب، وتطلق سراح الرهائن، وتعيد إعمار غزة تحت إدارة غير خاضعة لحماس.
لكن هذه المبادرة تصطدم مباشرةً برؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يحاول استثمار العزلة الدولية لتعزيز سردية "إسرائيل القلعة" أو "إسبرطة العظمى"، ويصر على التوسع والضم كجوهر مشروعه السياسي. وهنا يثور السؤال: هل نحن أمام سلام ترامب أم حرب نتنياهو؟
الموقف العربي والإقليمي: ترحيب مشروط
الدول العربية المشاركة رحبت بالخطة الأمريكية، لكنها تمسكت بخطوطها الحمراء. هذا الموقف يعكس إدراكًا بأن الانخراط في أي ترتيبات "اليوم التالي" لغزة قد يضعها في مواجهة مباشرة مع الشارع العربي إذا بدا أنها تتجاهل الحقوق الفلسطينية
خطة ترامب لم تُطرح في فراغ، فقد عُرضت على ثماني دول عربية وإسلامية (السعودية، الإمارات، قطر، مصر، الأردن، تركيا، إندونيسيا، باكستان) قبل الإعلان الرسمي. هذه الدول رحبت مبدئيًا بالخطة، لكنها أرفقتها بورقة موقف حملت أربع رسائل رئيسية:
الترحيب بإنهاء شامل للحرب، مع إطلاق الأسرى والسماح بدخول المساعدات، والالتزام بالمشاركة في حل سلمي للمنطقة قائم على رؤية ترامب، ورفض الاحتلال الإسرائيلي لغزة، وإقامة المستوطنات، وسياسة التهجير القسري، ورفض الضم الإسرائيلي للضفة الغربية، والانتهاكات في القدس.
هذه الورقة تعكس تحولًا مهمًا: فهي تمنح واشنطن غطاءً إقليميًا، لكنها في الوقت نفسه تضع حدودًا واضحة لأي محاولة لتسويق مشروع "اليوم التالي" على حساب الحقوق الفلسطينية.

الاعتراف الأوروبي.. تحول استراتيجي
اعتراف بريطانيا ثم إسبانيا وفرنسا وغيرها بالدولة الفلسطينية مثّل لحظة فارقة. فهذه الخطوة لم تكن رمزية فقط، بل جاءت ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة وضع القضية الفلسطينية على جدول الأعمال الدولي، بعد سنوات من التهميش.
التأثير على الموقف الأمريكي
بالنسبة لواشنطن، هذه الاعترافات شكلت ضغطًا مباشرًا. فالأوروبيون لم يكتفوا بالتصريحات، بل تحركوا بخطوات قانونية ودبلوماسية تضع إسرائيل في مواجهة عزلة متنامية. ومن هنا جاءت خطة ترامب محاولة لاستعادة زمام المبادرة، حتى لا تترك الساحة للأوروبيين.
حدود الدور الأوروبي
رغم ذلك، يظل الدور الأوروبي محدودًا من الناحية العملية. فالأوروبيون لا يملكون أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل مقارنة بالولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن تراكم هذه الاعترافات يخلق واقعًا دوليًا جديدًا يُصعّب على واشنطن تجاهله.

إسرائيل بين العزلة والاندفاع
في الداخل الإسرائيلي، تكشف ردود الأفعال أن مشهد العزلة الدولية بات واقعًا ملموسًا، اعتراف بعض الحلفاء التقليديين بالدولة الفلسطينية مثّل صدمة سياسية، دفعت نتنياهو إلى الدعوة لبناء اقتصاد قائم على "الاكتفاء الذاتي"، بل وصف إسرائيل بأنها في عزلة "نوعًا ما"، ومن هنا انطلقت عبارته المثيرة: "يجب أن نصبح إسبرطة عظمى".
هذا الخطاب يكشف مسارين متوازيين:
الهروب إلى الداخل:
عبر خطاب التعبئة الوطنية، وربط العزلة الخارجية بضرورة تعزيز القوة العسكرية والاقتصادية.
التشدد في الخارج:
إذ أصبح ضم الضفة الغربية وإعادة توطين غزة حلمًا مؤجلًا للتيار اليميني داخل الائتلاف الحاكم.
المفارقة أن هذا الموقف لا يقتصر على نتنياهو وحده، فحتى المعارضة، مثل يائير لابيد، رفضت الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية واعتبرتها "مكافأة للإرهاب"، وبذلك يتضح أن الإجماع الإسرائيلي –على اختلاف أطيافه– يلتقي عند نقطة رفض أي مسار دولي يفرض حلًا سياسيًا.
ترامب و"خطة بلير المعدلة"
المتابع لتفاصيل المبادرة الأمريكية يلحظ أن ترامب استند جزئيًا إلى مقترحات قديمة طرحها توني بلير حول إدارة غزة بعد الحرب، لكن خطة ترامب أوسع: فهي تحدد آليات وقف إطلاق النار، وجدولًا زمنيًا لإطلاق جميع الرهائن (48 رهينة متبقين)، وتصورًا لإعادة إعمار القطاع.
بهذا المعنى، تبدو المبادرة محاولة أمريكية لاستعادة زمام المبادرة بعد أن سبقتها أوروبا بخطوة الاعتراف بالدولة الفلسطينية. لكن نجاحها يتوقف على معادلة معقدة: هل ينصاع ترامب لضغوط الداخل الإسرائيلي ونتنياهو تحديدًا، أم يتمسك بمسار التسوية الذي يحظى بغطاء عربي ودولي؟
يوم الحسم
اللقاء المرتقب بين ترامب ونتنياهو في 29 سبتمبر قد يكون لحظة مفصلية، فإذا استجاب ترامب لرغبات نتنياهو، سيُترجم ذلك إلى إطالة أمد الحرب وربما توسعها نحو جبهات إقليمية أخرى. أما إذا تمسك بمسار خطته، فسيواجه تحديًا مزدوجًا: إقناع الداخل الأمريكي المؤيد لإسرائيل من جهة، والضغط على تل أبيب للقبول بوقف الحرب من جهة أخرى.
تداعيات محتملة على غزة والمنطقة
في حال نجاح خطة ترامب:
من المرجح وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن، وإعادة إعمار غزة بتمويل عربي ودولي، تحت إدارة غير حماس، وفتح مسار سياسي قد يقود إلى تسوية أوسع.
بينما في حال فشلها وخضوع ترامب لنتنياهو:
سنكون أمام استمرار للحرب وتوسّعها، وتصاعد العزلة الدولية لإسرائيل، وربما فرض عقوبات أوروبية، وتعقيد المشهد الإقليمي مع تصاعد التوتر في قطر ولبنان وربما الأردن.
رهائن السياسة قبل رهائن غزة
بين "سلام ترامب" و"حرب نتنياهو" يتحدد مستقبل غزة والمنطقة. فالرهائن ليسوا فقط أولئك المحتجزون في الأنفاق، بل أيضًا شعوب المنطقة العالقة بين مبادرات السلام ورهانات الحرب.
قد ينجح نتنياهو في فرض منطق القوة على المدى القصير، لكن تراكم الاعترافات بالدولة الفلسطينية وتزايد عزلة إسرائيل الدولية يشيران إلى أن زمن "إسرائيل فوق القانون" يقترب من نهايته. وهنا يصبح السؤال الأعمق: هل يملك ترامب الإرادة ليكسر الحلقة المفرغة ويكتب بداية مسار جديد، أم سيظل أسيرًا لشريك يصر على حرب لا تنتهي؟
نانسي طلال زيدان*
كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية



