رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الاتفاق إلى العقوبات.. كيف تواجه طهران العزلة الأممية من جديد؟

المرشد الأعلى للثورة
المرشد الأعلى للثورة الإيرانية

تواجه إيران واحدة من أعقد أزماتها خلال السنوات الأخيرة، بعدما دخلت العقوبات الأممية عليها حيز التنفيذ مجددًا عبر آلية "سناب باك"، إثر رفض مجلس الأمن مشروعًا روسيًا-صينيًا لتأجيل إعادة فرض العقوبات لمدة ستة أشهر. جاء القرار نتيجة اتهامات أوروبية لطهران بانتهاك الاتفاق النووي الموقّع عام 2015، ما أعاد إلى الواجهة جدلًا واسعًا حول مستقبل الاقتصاد والسياسة في الداخل الإيراني.

وجاء رفض مجلس الأمن الدولي لمشروع قرار تأجيل إعادة فرض العقوبات بعدما صوتت 4 دول فقط لصالح تأجيل العقوبات، هي "روسيا، والصين، وباكستان، والجزائر"، فيما صوتت تسع دول بالرفض منها فرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، في حين امتنعت كوريا الجنوبية، وجيانا عن التصويت.

الشارع الإيراني- ارشيفية 
الشارع الإيراني- ارشيفية 

ماهي آلية "سناب باك"؟

آلية "سناب باك" أو ما يعرف بآلية "الزناد"، وردت في قرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي صادق على الاتفاق النووي خطة العمل الشاملة المشتركة   JCPOA عام 2015، التي تنتهي مدته في 18 أكتوبر الجاري، ويعني تفعيلها إعادة جميع عقوبات مجلس الأمن الدولي على إيران كما كانت قبل الاتفاق، دون الحاجة لتصويت جديد.

وسبق وأن فُرضت عقوبات على إيران بموجب قرارات مجلس الأمن 1696 و1737 و1747 و1803 و1835 و1929، ويعني دخول "آلية الزناد" حيز التنفيذ تفعيل هذه القرارات مجددا مما قد يضع إيران تحت الفصل السابع بوصفها تهديدا للأمن العالمي.

وتمثل القرارات التي تم إعادتها بموجب "سناب باك" في:

•قرار مجلس الأمن رقم 1696، في 31 يوليو 2006، الذي يطالب إيران بوقف برنامجها لتخصيب اليورانيوم بسبب مخاوف من نوايا برنامجها النووي.

•قرار مجلس الأمن رقم 1737 في 23 ديسمبر 2006، ويطالب إيران بتعليق الأنشطة النووية الحساسة المتعلقة بالانتشار وفرض عقوبات مالية على أفراد وشركات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، كما أنشأ لجنة خاصة للإشراف على تنفيذ القرار.

•قرار مجلس الأمن رقم 1747 صدر بتاريخ 24 مارس 2007، و يهدف إلى فرض عقوبات إضافية على إيران بسبب برامجها النووية والصاروخية الحساسة، بما في ذلك تجميد أصول وأفراد إضافيين، فرض حظر على توريد الأسلحة من إيران وإليها، وتوسيع نطاق التدابير المفروضة سابقًا بموجب القرار 1737.

•قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1803، صدر في 3 مارس 2008. وطالب مجلس الأمن، بموجب المادة 41 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إيران بالتوقف والامتناع عن أي وكل تخصيب لليورانيوم، كما طالب إيران بوقف أي بحث أو تطوير يتعلق بأجهزة الطرد المركزي وتخصيب اليورانيوم.

•قرار مجلس الأمن رقم 1835 هو قرار صدر بالإجماع في 27 سبتمبر 2008، وأكد مجدداً القرارات السابقة لمجلس الأمن بشأن البرنامج النووي الإيراني، وجاء ردًا على تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية يشير إلى أن إيران لم تعلق أنشطتها المتعلقة بتخصيب اليورانيوم

•قرار مجلس الأمن رقم 1929، صدر في 9 يونيو 2010، هو قرار يفرض جولة رابعة من العقوبات على إيران بسبب فشلها في الامتثال لقرارات مجلس الأمن السابقة بشأن برنامجها النووي.

الشارع الإيراني- ارشيفية 
الشارع الإيراني- ارشيفية 

إيران بين الاحتواء والإنكار

وتعني عودة فرض هذه القطاعات الإضرار بقطاعات حساسة في إيران، وهو ما سيكون له ارتدادات صعبة على الداخل المأزوم، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية التي تمس الشارع الإيراني في ظل احتجاجات شعبية شهدتها إيران على مدار السنوات الماضية احتجاجا على الأوضاع المعيشية، فضلًا عن الارتدادات السياسية التي بدأت ملامحها في الظهور بين التيار المتشدد والتيار الإصلاحي الذي ينتمي إليه الرئيس الحالي مسعود بزشكيان.

وتحاول إيران التقليل من فعالية تفعيل "سناب باك" لاحتواء مخاوف الشارع الإيراني، حيث أكدت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية "فاطمة مهاجراني" أن الحكومة كانت تتوقّع سيناريو تفعيل آلية الزناد "سناب باك" مسبقًا، لذلك اتخذت التدابير اللازمة للتعامل مع ذلك ضمن ترتيب جديد، موضحة أن الحكومة تدرك تماما التغيّرات الحاصلة في الأسعار والظروف الاقتصادية التي يعيشها الشعب، ونهجها يركّز على إدارة هذه القضايا والمضي قُدما نحو تنفيذ الخطط المقرّرة، مضيفة أنه تم عقد جلسات خاصة بهذا الشأن، ومنها عقد جلسة لمجلس الاقتصاد.

الشارع الإيراني- أرشيفية
الشارع الإيراني- أرشيفية

 كما حذر القضاء الإيراني وسائل الإعلام من اتخاذ إجراءات ضدها حال ارتكابها أي مخالفات تتعلق بنشر أخبار "سناب باك"، وأنه تم رفع دعاوى قضائية ضد بعض الوسائل بعد "إخلالها بالأمن النفسي للمجتمع" بنشرها "محتوى استفزازي حول ارتفاع الأسعار"، ورغم هذه الإجراءات من جانب الحكومة الإيرانية لطمأنة الشارع وتقليل تداعيات الخطوة، إلا أن إعادة تفعيل "سناب باك" كان لها ارتدادات تمثلت في:

أولًا.. الارتدادات الاقتصادية

•انهيار العملة: انهارت العملة الإيرانية بعد تفعيل آلية "سناب باك"، حيث هوت إلى أدنى مستوى تاريخي، وذلك لتأثير عودة فرض العقوبات التي شملت تجميد الأصول الإيرانية في الخارج ووقف صفقات الأسلحة وفرض قيود على قطاعي النفط والبنوك.

•ارتفاع مستوى التضخم: انهيار العملة الإيرانية يؤدي إلى ارتفاع مستوى التضخم في ظل ارتفاع تكاليف الاستيراد ومدخلات الإنتاج، إضافة إلى اضطرار الحكومة إلى تمويل عجزها من خلال الاقتراض وطباعة النقود.

•ارتفاع الأسعار: يمثل ارتفاع الأسعار أحد ارتدادات انهيار العملة، فضلا عن المخاوف التي رُصدت في الشارع الإيراني نتيجة مخاوف التجار والتي دفعت البعض إلى رفع الأسعار، والبعض الآخر إلى تخزين السلع تحسبًا للتداعيات المستقبلية.

•تراجع الإيرادات النفطية: الضغوط التي تمثلها العقوبات على صادرات إيران من الطاقة المحدودة بالأساس ستؤدي إلى تراجع في الإيرادات النفطية، خاصة وأن الصين - أكبر عميل للبلاد - تواجه ضغوطا خاصة بسبب العقوبات الثانوية الأميركية.

•تراجع النمو الاقتصادي: تشمل الارتدادات أيضًا تكهنات بتراجع النمو الاقتصادي، حيث تتوقع غرفة التجارة الإيرانية سيناريوهات كارثية قد يرتفع فيها سعر الدولار من مليون و150 ألف ريال إلى مليون و650 ألف ريال، مما يرفع التضخم إلى 90% ويدفع النمو الاقتصادي إلى منطقة سلبية.

•ارتفاع مستوى البطالة: القطاعات التي تستهدفها العقوبات وحالة الركود المتوقعة ستنعكس بشكل مباشر على مستوى البطولة المرشح للارتفاع.

 

ثانيًا.. الارتدادات السياسية

لا تقتصر إعادة تفعيل آلية "سناب باك" على الارتدادات الاقتصادية، لكنها سيكون لها ارتدادات سياسية بدأت ملامحها في الظهور والتي يتمثل أبرزها في:

•صعود التيار المتشدد: سيسعى التيار المتشدد في إيران والرافض للاتفاق النووي مع الغرب إلى استثمار هذه الخطوة للتقليل من التيار الإصلاحي الذي كان وراء إبرام الاتفاق في فترة الرئيس حسن روحاني ولا يزال يدعمه، وذلك من خلال السردية التي يعتمدها المحافظون والتي ترتكز على الاعتماد الذات، وعدم الاعتماد على الغرب بعدما فشلت محاولات التفاهم مع الغرب الذي يحاول حصار إيران على كل الأصعدة.

•تراجع الثقة في حكومة بزشكيان: يؤدي إعادة فرض العقوبات على إيران إلى ضرب مصداقية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وحكومته، خاصة وأن رفع العقوبات وإنعاش الاقتصاد كان ضمن الوعود الانتخابية للرئيس الإيراني، ليفاجئ الإيرانيون بعودة العقوبات الأممية على إيران بعد عشرة سنوات من رفعها بموجب الاتفاق النووي 2015.

•موجة احتجاجات محتملة: في ظل الضغوط الاقتصادية الهائلة التي يتعرض لها الشارع الإيراني والذي يعاني بالأساس من تدني مستوى المعيشة، من المحتمل أن تتسبب ارتدادات "سناب باك" في موجة احتجاجات جديدة ضد النظام الإيراني، في ظل مايراه الشارع الإيراني من فشل في تحسين الأوضاع الاقتصادية.

ختامًا:

رغم الخبرة الإيرانية في الالتفاف على العقوبات، وقدرتها على إدارة شبكات ظل تستطيع من خلالها إدارة عمليات تهريب النفط وتدبير احتياجات تصنيع عسكرية، فإن إعادة فرض العقوبات يمثل ضغوطًا كبيرة على النظام الإيراني الذي يحاول امتصاص التبعات في ظل واقع مشتعل يشهد خسائر استراتيجية كبيرة لمشروع الولي الفقيه في المنطقة، وتنامي شعور شعبي بأن مشاريع النظام تنهار على مستوى العديد من الأصعدة، رغم الفاتورة التي دفعها المواطن الإيراني والتي انعكست على مستوى معيشته.

في المقابل، يحاول النظام الإيراني الاستمرار في سياسة "الصبر الاستراتيجي"، وإرسال رسائل للغرب بالقدرة على تحمل التبعات وأنه كان مستعد لهذه الخطوة، وأن اللجوء غلى تفعيل "سناب باك" هو بمثابة فقدان لآخر أوراق الضغط التي يملكها الغرب، وبالتالي لم يعد أمام الغرب سور المسار الدبلوماسي الذي قد ينجح في إيجاد حلول مرضية للطرفين، وذلك في ظل رسائل أخرى بالجاهزية العسكرية حال ذهبت الأمور إلى هذا الخيار. 

وسيسعى النظام الإيراني خلال هذه الفترة إلى النبرة القومية والخطاب الحماسي للصمود في مواجهة الضغوط الخارجية، وعدم التنازل عن الكرامة الوطنية، والتمسك بمبدأ "الندية" في التعامل مع "قوى الاستكبار العالمي" حسب السردية التي يكررها نظام طهران.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء