رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حرب غزة تكشف حدود التطبيع الإفريقي: إسرائيل تخسر المعركة الدبلوماسية

مظاهرات في جنوب إفريقيا
مظاهرات في جنوب إفريقيا ضد العدوان على قطاع غزة

منذ اندلاع عملية "طوفان الأقصى" في أكتوبر 2023، وجدت القارة الإفريقية نفسها أمام اختبارٍ سياسي ودبلوماسي حساس، حيث تباينت مواقف دولها بين التأييد لإسرائيل، والدعم للفلسطينيين، والحياد الحذر. فبينما تعترف 44 دولة إفريقية بإسرائيل وتربط 30 منها بها علاقات دبلوماسية، فإن تصويت الدول الإفريقية في الأمم المتحدة ومواقفها الإعلامية والسياسية كشفت انقسامًا واضحًا حول الحرب في غزة، بما يعكس توازنات معقدة بين المصالح الاقتصادية والضغوط الدولية والتعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية.

وقفات احتجاجية في جنوب أفريقيا ضد العدوان على غزة
وقفات احتجاجية في جنوب إفريقيا ضد العدوان على غزة

أولًا: الآثار الاقتصادية – بين الخاسرين والفائزين

أثار الصراع في غزة مخاوف واسعة في إفريقيا من ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، خصوصًا مع احتمالات اتساع رقعة الحرب لتشمل إيران أو التأثير على مضيقي هرمز وباب المندب اللذين يمران عبرهما نحو ثلث تجارة النفط العالمية. فارتفاع أسعار النفط بنسبة 4–5٪ منذ بداية الصراع مرشح للزيادة، ما يؤدي إلى تفاقم التضخم في الاقتصادات الإفريقية الناشئة، وزيادة أعباء الديون وتكاليف الانتخابات، ما يهدد استقرار عدد من الدول.

في المقابل، ثمة دول إفريقية مستفيدة جزئيًا من الأزمة، مثل غانا وجنوب إفريقيا وتنزانيا، التي يمكن أن تجني أرباحًا من ارتفاع أسعار الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، بينما تتضرر دول ككينيا وموزمبيق نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والعملة الأجنبية. وهكذا يتضح أن "طوفان الأقصى" عمّق الفجوة الاقتصادية داخل القارة بين منتجي المواد الخام والدول المستوردة للطاقة والغذاء.

ثانيًا: الآثار السياسية – انقسام في المواقف وتحدٍ للشرعية الدولية

أعادت الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية رسم خريطة التحالفات الإفريقية، كاشفةً هشاشة التوازن بين الانفتاح على إسرائيل والعلاقات التاريخية مع العالم العربي والإسلامي.

•كينيا كانت من أوائل الدول التي دعمت إسرائيل علنًا، قبل أن يتراجع موقفها إلى التأكيد على "حل الدولتين".

•جنوب إفريقيا والجزائر تبنتا موقفًا داعماً للفلسطينيين، بل رفعت "بريتوريا" دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية، كما تولت "الجزائر" الدور الدبلوماسي في تقديم مشاريع لقرارات دولية في مجلس الأمن لإيقاف الحرب أو ادخال المساعدات وإدانة إسرائيل.

•نيجيريا اختارت الحياد تجنبًا لتأجيج الانقسام الداخلي بين المسلمين والمسيحيين، إذ أن نيجيريا تعاني أساسا من التوترات الدينية سواء بين المسلمين أنفسهم (شيعة، سُنة، صوفية)، أو الطوائف المسيحية، حيث ينتشر فيها تيار الكنائس "الخمسينية" المؤيدة لإسرائيل، هذا التيار يتميز بالتطرف، كما أنه كان له دور في إثارة التوترات الداخلية بعد قرار انضمام نيجيريا لمنظمة التعاون الإسلامي.

•أما تشاد وجنوب إفريقيا فسحبتا سفيريهما من تل أبيب احتجاجًا على العدوان.

•وبالنسبة للمغرب والتي فعليا انضممت لمسار التطبيع الابراهيمي، فإن الاحتجاجات في الشارع المغربي لم تتوقف مطالبه بمسار وقف التطبيع ردًا على الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الجوار العربي.

•وبالنسبة لبعض الدول الإفريقية التي تؤيد إسرائيل بشكل واضح، وفي خطوة شعبية غير رسمية، تم انشاء "هيئة البرلمان الإفريقية" والتي استغلت فيها اسرائيل الدبلوماسية الدينية لإنشاء تحالف داعم لها من الدول الإفريقية، وهو التحالف الذي ضم  سيشل، والجابون، وساحل العاج أثيوبيا وزيمبابوي وكينيا وزامبيا، وليسوتو، وقد اجتمعت المجموعات البرلمانية المؤيدة لإسرائيل في سبتمبر عام 2024، بهدف دعم إسرائيل وكتحالف مناهض لدور جنوب إفريقيا في مواجهة إسرائيل، وقد تبنت هذه القمة التي تمت في "أديس أبابا" السردية الإسرائيلية التي تزعم احقية إسرائيل في السيطرة على كامل الأراضي الفلسطينية، واعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، بل دعت إلى ضرورة توسيع "اتفاقات ابراهام"، لتشمل الدول الإفريقية الداعمة لإسرائيل، وقد وصل عدد المجتمعين في القمة سبتمبر 2024، حوالي 40 برلماني من 20 دولة افريقية.

• بينما الاتحاد الإفريقي فتبنى موقفًا دبلوماسيًا متوازنًا داعمًا لحل الدولتين، كما تم طرد السفير الإسرائيلي من قاعة الاجتماعات اثناء انعقاد إحدى القمم الدورية في بالعاصمة "أديس أبابا".

ويمكن اعتبار أن هذه الانقسامات تُذكّر بموقف إفريقيا من الحرب الروسية الأوكرانية، حيث واجهت الدول ضغوطًا غربية لتأييد "كييف"، ثم ضغوطًا مماثلة لتأييد "إسرائيل"، ما وضعها في مأزق أخلاقي وسياسي. كما أدى استمرار العدوان إلى تجميد أو تراجع مسار التطبيع في إطار "اتفاقيات إبراهام" بالنسبة لبعض الدول الإفريقية، التي باتت تخشى ردود الفعل الشعبية أو تراجع الدعم العربي والإسلامي.

 

ثالثًا: البعد الاستراتيجي والأمني – اضطراب القرن الإفريقي والبحر الأحمر

تسعى إسرائيل منذ عقود إلى تعزيز نفوذها في القرن الإفريقي، سواء عبر الشراكات الاقتصادية أو القواعد العسكرية، لتأمين خطوط تجارتها البحرية وموازنة النفوذ العربي والإيراني في البحر الأحمر. وقد بنت علاقات قوية مع إريتريا وأوغندا وكينيا وجنوب السودان، واحتفظت بقواعد عسكرية في جزر "دهلك" و "أمبا سوير" الإريترية.

غير أن الحرب في غزة أثارت موجة من الهجمات الانتقامية على المصالح الإسرائيلية وحلفائها في المنطقة. فقد استُهدفت القواعد الإسرائيلية في إريتريا، وسط اتهامات للحوثيين بالوقوف خلف الهجمات تضامناً مع الفلسطينيين. كما شهدت مقديشو هجوماً مميتاً على قاعدة إماراتية نفذته حركة الشباب المجاهدين، التي أعلنت صراحة دعمها للمقاومة الفلسطينية.

ويُرجح أن تشهد المنطقة تصاعدًا في نشاط التنظيمات الإرهابية مثل "حركة الشباب" و"جماعة أنصار الله"، بالتوازي مع تنامي القرصنة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن. وتفيد تقارير بأن هناك تنسيقًا عملياتي وتبادلًا للمقاتلين بين الحوثيين وحركة الشباب، في مؤشر خطير على تشكل محور جهادي عابر للحدود يستغل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لتبرير العنف ضد المصالح الغربية والإسرائيلية في إفريقيا.

مظاهر في جنوب إفريقيا للتضامن مع أهالي قطاع غزة 
مظاهرات في جنوب إفريقيا للتضامن مع أهالي قطاع غزة 

رابعًا: مستقبل العلاقات الإفريقية الإسرائيلية – خسارة في النفوذ والمصداقية

قبل اندلاع الحرب، كانت إسرائيل قد حققت اختراقات واسعة في القارة الإفريقية عبر ما يُعرف بـ"دبلوماسية المساعدات"، مقدمةً نفسها كحليف تنموي يوفر التكنولوجيا الزراعية والطبية والأمنية. كما حاولت الاستفادة من الكتلة التصويتية الإفريقية في الأمم المتحدة، واستخدمت اتفاقيات إبراهام لتوسيع دائرة الاعتراف بها.

لكن مع استمرار العدوان على غزة، بدأت صورة إسرائيل تتآكل بشدة. فقد أظهرت الجرائم المرتكبة ضد المدنيين الفلسطينيين الوجه الحقيقي للاحتلال الصهيوني، وأعادت إلى الأذهان تحالفاته المشبوهة خلال الثمانينيات مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا وأنظمة استبدادية كحكم "موبوتو" في زائير و"منجستو" في إثيوبيا. هذا التناقض بين خطاب إسرائيل "الديمقراطي" وسلوكها العدواني دفع قطاعات واسعة من النخب والشعوب الإفريقية إلى إعادة تقييم العلاقة معها.

كما يُتوقع أن يتأثر سوق السلاح الإسرائيلي في إفريقيا، الذي يمثل نحو 4% من صادراتها العسكرية، خاصة بعد فشل منظوماتها الدفاعية في صد صواريخ المقاومة الفلسطينية وحزب الله. هذا الفشل قلّل من ثقة بعض الدول الإفريقية التي كانت تعتمد على التقنيات الإسرائيلية لتعزيز قدراتها الأمنية.

وبينما كانت تل أبيب تراهن على ضم دول جديدة إلى اتفاقيات إبراهام مثل تونس والسنغال ونيجيريا، فإن موجة الغضب الشعبي أجّلت هذه الخطط. إذ شهدت عدة دول ذات أغلبية مسلمة احتجاجات مناهضة لإسرائيل، فيما أعادت دول أخرى مثل تشاد النظر في مستوى تمثيلها الدبلوماسي. أما دول الساحل ذات التقارب مع روسيا والصين، مثل مالي والنيجر، فاستثمرت الموقف لتعزيز تحالفاتها الشرقية ومواصلة رفضها الاعتراف بإسرائيل.

وأخيراً، تؤكد التجربة أن معظم الدول الإفريقية تحاول الموازنة الدقيقة بين الحفاظ على علاقاتها بإسرائيل والاستفادة من التكنولوجيا والمساعدات الغربية، وبين الحفاظ على عمقها العربي والإسلامي وشعبيتها الداخلية. لكن استمرار الحرب واتساعها قد يجبرها على مواقف أوضح وأكثر جرأة، خصوصاً مع تصاعد الضغط الشعبي وعودة القضية الفلسطينية إلى الواجهة العالمية. ورغم أن بعض الدول ستستمر في نهج الحياد البراغماتي، فإن الاتجاه العام يشير إلى تآكل الرصيد الإسرائيلي في إفريقيا وعودة روح التضامن الإفريقي مع القضية الفلسطينية، في مشهد يعيد إلى الأذهان مواقف الستينيات والسبعينيات حين كانت القارة صوتاً صريحاً ضد الاستعمار والتمييز العنصري.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراة متخصصة في الشأن الإفريقي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء