ذكري رحيل مصطفى النحاس.. مسيرة وطنية ملهمة بين القضاء والسياسة والوفد
في مثل هذا اليوم، 23 أغسطس من عام 1965، غاب عن المشهد السياسي المصري آخر الكبار من جيل الزعماء التاريخيين، برحيل مصطفى النحاس باشا، الذي شكّل بجانب سعد زغلول ومكرم عبيد ثلاثية وطنية حفرت اسمها في ذاكرة مصر الحديثة.
لم يكن النحاس مجرد رئيس لحزب الوفد، بل كان ضميرًا حيًّا لحركة الاستقلال والدستور، ورجل دولة حمل راية الأمة في أدق لحظاتها، من منفى الثورة إلى ميدان السياسة، ومن ساحات المحاكم إلى قلب البرلمان.
شيّعته جموع المصريين من مسجد الإمام الحسين، لا باعتباره سياسياً راحلًا، بل باعتباره شاهدًا على عصر، ورمزًا لعقيدة وطنية لا تُشترى ولا تُباع.
خرج الآلاف يشيّعون جنازته من مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، في وداع مهيب عبّر عن مكانته في قلوب المصريين، بوصفه الرجل الذي واصل طريق سعد زغلول بثبات، وواجه الاحتلال البريطاني والمناورات السياسية بحنكة وإصرار، وجعل من حزب الوفد لسان حال الأمة لعقود.
من منصة القضاء إلى ساحات النضال
بدأ مصطفى النحاس مسيرته المهنية قاضيًا بمدينة طنطا، لكنه سرعان ما انجذب إلى الفكر الوطني الذي أخذ يتصاعد بعد الحرب العالمية الأولى، مدفوعًا بمبادئ "ويلسون" خاصة حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وفي ظل هذا الزخم السياسي، قرر النحاس الانضمام إلى مجموعة سعد زغلول، بعد لقاءات ومحاولات تواصل لتشكيل وفد مصري يتحدث باسم الأمة. وبالفعل، في نوفمبر 1918، وقع عليه اختيار سعد ليكون أحد أعضاء الوفد السبعة، ليتحول بعدها إلى أحد أعمدة الثورة الدستورية في مصر.
دوره في ثورة 1919
خلال ثورة 1919، لعب النحاس دورًا محوريًا، فقاد الإضرابات في طنطا، وشارك في تنسيق اللجان الشعبية، ووزّع المنشورات رغم كونه قاضيًا، حتى تم فصله من القضاء بسبب نشاطه الوطني، وهو القرار الذي شكّل بداية تحوله الكامل إلى رمز سياسي بارز داخل الوفد.
قائد الموقف الوطني في مواجهة مشروع ملنر
تميّز النحاس خلال المفاوضات السياسية بحس وطني عالٍ، خاصة خلال رفض مشروع ملنر، الذي كان يهدد جوهر الاستقلال الوطني. أدار الحوار مع الشعب بحيادية ظاهريّة وموقف وطني رافض، ما عزز مكانته داخل حزب الوفد كقائد له موقف، لا مجرد تابع لسعد زغلول.
زعامة الوفد واستمرار الرسالة
بعد وفاة سعد زغلول، تولّى مصطفى النحاس رئاسة حزب الوفد، وأعاد للحزب بريقه السياسي في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. وتحت قيادته، خاض الحزب مواجهات كبرى مع السلطة والاحتلال، دفاعًا عن البرلمان والدستور والاستقلال، ليصبح النحاس رمزًا لصوت الأمة في لحظات مصيرية.
إرث لا ينسى
رحل مصطفى النحاس بجسده في 1965، لكنه بقي حيًا في ذاكرة مصر السياسية، باعتباره واحدًا من القلائل الذين ربطوا بين الثورة والدولة، بين النضال والعمل المؤسسي، بين الوفاء للزعيم والانحياز للشعب.



