رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اتفاق غزة: تحوّل تكتيكي أم محطة استراتيجية في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي؟

ويتكوف وكوشنر في
ويتكوف وكوشنر في مفاوضات شرم الشيخ

بعد عامين كاملين من الحرب المستعرة في قطاع غزة، نجحت الوساطة الدولية، وفي مقدمتها الوساطة المصرية، في إيقاف نزيف الدم المستمر. ففي التاسع من أكتوبر الماضي، تم التوقيع على "اتفاقية غزة" لوقف الحرب بين إسرائيل وحركة "حماس".

قوبلت الاتفاقية بترحيب غير مسبوق من مختلف الأطراف الفلسطينية والدولية، وحتى الإسرائيلية. فللمرة الأولى منذ انطلاق عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، يتنفس فلسطينيو قطاع غزة الصعداء بعد عامين من الدمار الشامل الذي خلّفته العمليات العسكرية الإسرائيلية. كما حظيت الاتفاقية بترحيب خاص من عائلات الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حركة "حماس".

مفاوضات غزة بشرم الشيخ 
مفاوضات غزة بشرم الشيخ 

عقب توقيع الاتفاقية، سادت حالة من النشوة والتفاؤل في العديد من الأوساط السياسية والإعلامية العربية والعالمية، إذ اعتبرها البعض خطوة نحو حل شامل للقضية الفلسطينية، وربما بداية لإنهاء الصراع العربي–الإسرائيلي المستمر منذ أكثر من سبعة عقود، والذي التهم أجيالًا متعاقبة من الفلسطينيين والعرب.

لكن يبرز السؤال الجوهري:

هل ترقى "اتفاقية غزة" إلى مستوى الاتفاقيات التاريخية التي غيّرت مسار الصراع، مثل "كامب ديفيد" (1978–1979) أو "أوسلو" (1993) أو "وادي عربة" (1994) أو حتى "اتفاقيات إبراهام" (2020) التي وُقّعت مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان؟

أهمية اتفاق غزة

قبل الإجابة على التساؤل السابق ينبغي توضيح أهمية الاتفاق والذي جعل البعض يضعه في مصاف الاتفاقيات الكبرى التي حددت مسار العلاقات العربية الإسرائيلية، إذ تنبع أهمية هذا الاتفاق في النقاط التالية:

أولًا: إيقاف مأساة إنسانية كبرى: تنبع الأهمية الكبرى للاتفاق في كونه أوقف أكبر مأساة انسانية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي فعلى مدار سنتين كاملتين تسببت الحرب في وفاة أكثر من 66 ألف شهيد حسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية وتشريد ما يقارب مليوني مواطن وتهجيرهم داخل القطاع فضلًا عن المجاعة الإنسانية التي أصابت القطاع نتيجة تعذر دخول المساعدات الإنسانية.

مفاوضات غزة بشرم الشيخ 
مفاوضات غزة بشرم الشيخ 

ثانيًا: طول فترة الحرب: على مدار التاريخ العسكري الإسرائيلي لم تستطع تل أبيب شن أية معركة لفترة زمنية طويلة، فمعظم المعارك الإسرائيلية كانت خاطفة مجرد أيام قليلة ولا تتجاوز 60 يوم، فحرب 1967 استمرت 6 أيام وحرب لبنان 1982 استمرت شهرين تقريبًا والتي تعد الأطول نسبيًا، لكن في الحرب الأخيرة نجد أن الحرب استمرت لأكثر من 700 يوم وهو ما يعد انهاكًا جسيمًا للاقتصاد الاسرائيلي وبنيته الديمغرافية، الأمر الذي دفع القيادة السياسية الإسرائيلية إلي القبول بوقف إطلاق النار  والدخول في مفاوضات مباشرة مع حركة حماس في شرم الشيخ.

ثالثًا: ارتفاع الكلفة الاقتصادية للحرب: استمرارًا للنقطة السابقة والتي دفعت تل أبيب إلي الإسراع بقبول اتفاقية غزة ألا وهو تكبد إسرائيل خسائر اقتصادية فادحة إذ بلغت الكلفة العسكرية للحرب حوالي 63 مليار دولار شملت رواتب الجنود وتكلفة الطلعات الجوية والصواريخ وغيرها، فضلًا عن الخسائر البشرية وتدمير بعض المنشآت نتيجة الضربات الصاروخية الإيرانية خلال حرب الإثني عشر يومًا.

 فيما أوضحت تقديرات بلومبرغ تراجع الاقتصاد الإسرائيلي بنحو 7 % عما كان قبيل الحرب، كما توقع تقرير صدر عن البنك المركزي الإسرائيلي وصول نسبة الدين العام إلى 70% من الناتج المحلي في عام 2025 ومرجح أن تزداد تلك النسبة إلي 71% في العام المقبل.

وعلى الجانب الأمريكي صرفت واشنطن نحو 21 مليار دولار كمساعدات عسكرية مباشرة إلى تل أبيب، كما أنفقت حوالي 10 مليار دولار على عمليات ذات صلة مثل تكلفة الهجمات على جماعة الحوثي والضربات الأمريكية على المواقع النووية الإيرانية. 

أما فيما يخص الميزانية العامة الإسرائيلية لعام 2025 فقد حصلت على وزارة الدفاع على تمويلات إضافية بأكثر من 9 مليار دولار لتصبح موازنة الجيش حوالي 110 مليار دولار من أصل 240 مليار دولار إجمالي الموازنة العامة للدولة.

رابعًا: محاولة كسر العزلة الدولية: على مدار عاميين كاملين شكلت الحرب خيوط خانقة حول عنق الدبلوماسية الإسرائيلية، فبعد نجاح تل أبيب قبل الحرب في التوقيع على اتفاقيات تطبيع عرفت باسم اتفاقيات "إبراهام" مع العديد من الدول العربية، الأمر الذي عزز الدبلوماسية الإسرائيلية في العالم جاءت الحرب لتكنس كل ذلك، إذ ازدادت حالة القطيعة الدبلوماسية، فضلًا عن تعطيل اتفاقيات ابراهام، ولعل مشهد انسحاب وفود الدول أثناء القاء نتنياهو كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، خير دليل على ذلك، وأخيرًا مساهمات العديد من الدول مثل جنوب أفريقيا في رفع العديد من القضايا أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت قرار بتوقيف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو  ووزير الدفاع السابق يواف غالانت.

خامسًا: تعاظم الضغوط السياسية على الدبلوماسية المصرية: منذ بدأ الحرب تعرضت الدبلوماسية المصرية لضغوط قصوى هدفها إحراج المؤسسات السياسية المصرية وذلك عبر ترويج ادعاءات بمنع وصول القوافل الإغاثية إلى قطاع غزة ومحاولة زج القيادة المصرية لدخول في أتون حرب لا هوادة فيها.

وتصاعدت الضغوط السياسية مع محاولات الجانب الإسرائيلي تهجير أهالي قطاع غزة جنوبا باتجاه الحدود المصرية، وتحميل الجانب المصري المسئولية الإنسانية عما يجرى في القطاع، وهو ما قوبل برفض مصري صارم كان له مبلغ الأثر في إيقاف المخططات الإسرائيلية بإخلاء قطاع غزة تمامًا من الفلسطينيين، ولعل تلك الضغوط كانت دافعًا للمفاوض المصري في جولات شرم الشيخ الأخيرة لإنجاحها والوصول إلي اتفاقية من شأنها إيقاف الحرب الدائرة.

 

فض اشتباك أم سلام شامل

طبقًا لبنود اتفاق غزة الأخير وتحديدًا المرحلة الأولى، منه والتي تتضمن انسحابات جزئية للجيش الإسرائيلي من قطاع غزة ومحور نتساريم، وممر فيلادلفيا، وتبادل الأسري من الجانبين، وأخيرًا السماح بدخول أطنان من المواد الإغاثية للقطاع، فإن الاتفاق يعد في كونه اتفاق فض اشتباك ومرحلة أولية يمكن البناء عليها في جولات المفاوضات المقبلة.

وأن الاتفاق لا يرقى لكونه "اتفاق سلام" شامل كاتفاق "كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل واتفاقيات أوسلو ووادي عربة، نظرًا لعدم إشارة المرحلة من الاتفاق إلى العديد من النقاط الخلافية الكبرى كمستقبل قطاع غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية، ومن هي الجهة المنوط بها إدارة القطاع، فضلًا عن مستقبل حركة "حماس" العسكري هل سيسمح لها بالتواجد العسكري داخل القطاع أم لا؟

والأهم من ذلك أيضا أن بعض بنود المرحلة الأولى من الاتفاق لم يتم حسمها حتى الآن، وهي مثلًا من هم المفرج عنهم من قبل إسرائيل، فالاتفاق حدد إفراج إسرائيل عن 250 أسير فلسطيني من أصحاب المؤبدات العالية، فضلًا عن 1700 أسير ألقي القبض عليهم بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 ، وأخيرًا الإفراج عن 20 قاصرًا.

وبالنسبة لمسألة الإفراج عن أصحاب المؤبدات الكبرى نجد أن الحكومة الإسرائيلية تشهد انقسامات كبرى حول الإفراج عنهم، فهل يتم الإفراج عن الأسير "مروان البرغوثي" (5 مؤبدات) من حركة فتح، أو الأسير "حسن سلامة" (48 مؤبد) من حركة حماس، وهما من القيادات الفلسطينية الأعلى تأثيرًا.

وفد حماس في مفاوضات غزة بشرم الشيخ 
وفد حماس في مفاوضات غزة بشرم الشيخ 

وأخيرًا.. يمكن القول بأن اتفاق غزة الأخير حظي اهتمام واسع نظرًا للظروف المتعلقة به والتي سبق إيضاحها، إلا أن أنه في الحقيقة لا يتعدى كونه اتفاق "فض اشتباك" بين طرفين متصارعين وأوقف حالة القتل المستمرة منذ أكثر من 700 يوم في قطاع غزة.

لذا من المتوقع أن يتعرض الاتفاق لاختبار حقيقي في القريب العاجل حينما تدخل المرحلة الثانية من المفاوضات، والتي تشمل بنودها إدارة "قطاع غزة" مصير حركة "حماس" وسلاحها في القطاع، والتي من المفترض أن تبدأ تلك المفاوضات مباشرة عقب انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء