تحت ضغط الأزمات: جيل Z ومسارات التحول السياسي في مدغشقر
يبدو أن شباب جيل (Z) ، يتعلمون من بعضهم البعض، سواء كانت هذه الاحتجاجات في قلب القارة أو حتى في أطرافها، كما أن التجارب الناجحة لاحتجاجات هذا الجيل، أضحت نماذج ملهمة، تسير على خطاها، وربما تضيف اليها، ففي نهاية سبتمبر الماضي، اندلعت الاحتجاجات الشبابية في "مدغشقر" الجزيرة الافريقية التي تقع في قلب المحيط الهندي، والتي تتميز بإنتاج الماس، وإنتاج أغلى أنواع توابل الطهي وهي "الفانيليا"، وعلى الرغم من الإمكانيات والموارد للجزيرة الصغيرة، فإنها لم تحقق مستوى التنمية الاقتصادية التي يصبو اليها أبناء جيل z، ويناقش التقرير أسباب الاحتجاجات، وردود الأفعال الحكومية وذلك على النحو الآتي:
أولًا: طبيعة احتجاجات جيل (Z) وتطورها
وفقًا لعدد من المصادر والتقارير الإعلامية، استوحى جيل (Z) ، فكرة الخروج من الشارع والاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية المتردية من الشباب في "نيبال" و"اندونيسيا"، كما أن هذا الجيل قد طور حركة شبابية اتخذت من شكل علم الجمجمة والعظمتين المتقاطعتين المستوحى من الرسوم المتحركة مع قبعة من القش، ودعت هذه الحركة أعضائها ومؤيديها للتوجه إلى العاصمة " أنتاناناريفو"، وقد صاحب هذه الاحتجاجات اندلاع أعمال عنف وسطو مسلح خاصة بعد تعامل القوات الأمنية بالعنف لقمع التظاهرات والتي راح ضحيتها 20حالة وفاه وعشرات الإصابات.

وبعد أسبوعين من انطلاق حركتهم، يعتزم شباب الجيل (Z) إعادة إطلاق حراكهم، ويعلنون عن مظاهرة جديدة في أمبوهيجاتوفو Ambohijatovo ، بهدف حشد أكبر عدد ممكن من المؤيدين استعدادًا لإضراب عام. وتعكس لهجة خطابهم على مواقع التواصل الاجتماعي، رغبتهم في توسيع قاعدتهم الجماهيرية. ويدعو القادة إلى الوحدة، ويدعون جميع من تم تهميشهم أو بقوا في الظل للانضمام إلى الحركة.
وعلى الرغم من أن شرارة الاحتجاجات قد أطلقها طليعة شباب جيل (Z) ، إلا أن هذه التظاهرات والاحتجاجات قد انضم إليها ممثلي المجتمع المدني مثل نقابة تضامن عمال مدغشقر، كما انضم طلاب كلية الطب وأطباء متدربون من المستشفيات العامة إلى الحركة. وواصلوا تحركهم في "أمبوهيداهي Ambohidahy ويعكس وجودهم الدعم المتزايد من الشباب من القطاعين الأكاديمي والمستشفيات، فضلًا عن إعلان التضامن من قبل بعض الهيئات التنفيذية مثل نقابة موظفي وزارة البيئة والتنمية المستدامة. وكذلك نقابة موظفي الجمارك، التي أعربت بدورها عن تضامنها، كما علّقت نقابات موظفي مصلحة السجون بعض أنشطتها.
ثانياً: لماذا يحتج جيل (Z)
لا تختلف دوافع احتجاجات هذا الجيل في مدغشقر عن أي احتجاجات تشهدها دول إفريقية، لم تستطع أن تحقق مستوى تنمية مرضي ولا حتى تصحيح الوضع الاجتماعي المتهاوي، ولا معالجة سوء توزيع الدخل، واستغلال الثروات الاستغلال الأمثل، يتضح هذا جليًا، اذ استعرضنا موقع "مدغشقر " في بعض مؤشرات التنمية الدولية التي تقيس نسب الفقر والفقر متعدد الأبعاد وحالة البنية التحتية، ومستوى التنمية، وفقًا لبيانات بنك الدولي، يبلغ عدد السكان حوالي 23مليون نسمة، وبمعدل سكاني 2.5%، وتصل نسبة عدد الفقراء عند خطوط الفقر الوطنية 75,2%، حيث يمكن ملاحظة ان حوالي 69% يعيشون على 3دولار يوميا، وبإجمالي ناتج قومي يصل 17مليار دولار مع تسجيل نسبة نمو منخفضة تصل ل4%، ويصل التضخم وفقا للبيانات المتاحة لنسبة 9.9% ، ويمكن القول ان سكان مدغشقر يعانون من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي تصل لـ40% .

وبالنسبة لمؤشرات البنية التحتية، فالجزيرة الصغيرة لا يتمتع أغلب سكانها بالكهرباء، ولا حتى إمكانية الحصول على الماء النظيف، ولا استخدام المطهرات في النظافة، وبحسب بيانات البنك الدولي فإن53% من السكان يتمتعون بالوصول لخدمات مياه الشرب، كما أن نسبة 12% من السكان يتمتعون بخدمات الصرف الصحي، وحوالي 22% فقط من السكان يستطيعون الوصول لمياه الشرب الصالحة للاستخدام بينما لا تتجاوز النسبة 7% في المناطق الريفية ، وعلى نفس المستوى المتردي من تقديم الخدمات الأساسية ، فحوالي 39%من السكان يستطيعون الوصول للكهرباء، وحوالي 2%من السكان يعتمدون على غاز الطهي.
هذا التراجع في مؤشرات التنمية، يصاحبه تراجع أيضا في مستوى النزاهة المؤسسية، إذ تحتل الجزيرة المرتبة 180 على مؤشر مدرجات الفساد، ويعني هذا ارتفاع مستوى الفساد في القطاعات الحكومية، كما تحتل المرتبة 53 من أصل 179 دولة يعني أن مدغشقر من بين أكثر الدول هشاشة في العالم، ويعني هذا أن هناك هشاشة في الشرعية السياسية _هنا يمكن تفسير استهداف التظاهرات للسياسيين والموظفين الكبار-، توزيع الموارد، وتقديم الخدمات الأساسية، هذا الوضع يعكس حالة من الضعف المؤسسي والاقتصادي العميق، تجعلها عرضة للاهتزاز أمام أي أزمة اجتماعية أو سياسية، وهو ما تجسد فعلاً في موجة الاحتجاجات الأخيرة. وتكشف هذه المعدلات المتدنية عن حجم اخفاق النظام الحاكم في مدغشقر، وتفسر أيضا ثورة جيل (Z) ، على مستوى الخدمات الأساسية (المطالبة بتحسين الخدمات الأساسية ماء وكهربا وغاز) والتي هي من ضروريات الحياة، كما يفسر حجم التضامن العمالي والهيئات التنفيذية الحكومية مع هذه الاحتجاجات، بل والتلويح بالانتقال لمستوى اعلى وهو الاضراب الشامل ضد النظام الحاكم.

ثالثا: التفاعلات بين الحكومة وجيل (Z)
مع استمرار الحالة الاحتجاجية في الشارع وتوسعها لتشمل مناطق ريفية نائية، حاول الرئيس "أندريه راجولينا" أقاله رئيس الوزراء Christian Ntsay، ومحافظ العاصمةHery Rasoamaromaka، وتعيين رئيس وزراء جديد" Ruphin Fortunat Zafisambo" وفتح قنوان الاتصال مع الشباب والتعهد بتعويض المتضررين من اشخاص ومؤسسات، على إثر الانتهاكات التي وقعت اثناء التظاهرات، لكن يبدو أن هذا لم يكن كافي لجيل الشباب، إذ أن التوسع في قمع التظاهرات وتعيين رئيس وزراء بخلفية عسكرية، لم يعكس تطلعات المتظاهرين، كما يعكس مدى "أمننة" الاستجابة الحكومية، بعيدًا عن معالجة الأسباب الفعلية والهيكلية، وهو التغيير السياسي الحقيقي الذي يصبو اليه المحتجين وذلك في ظل انتخابات مشكوك أساسا في مدى نزاهتها، وهي التي أوصلت الرئيس للسلطة منذ عام 2023، ما يدلل على هذا هو رفع اللافتات المطالبة بتقاعد الرئيس "راجولينا"، وفتح أفق سياسي جديد، ضمن إصلاحات سياسية تضمن تداول السلطة.
وعلى أي حال، إذا استمرت نفس سياسات الحكومة سواء من قمع أو حتى تهدئه مؤقت، فمن المتوقع ان تعود الاحتجاجات مرة أخرى وربما بشكل ووتيرة أسرع، وفي حالة استجابت الحكومة بشكل حقيقي من خلال تنفيذ مشاريع حقيقية لمعالجة أزمات انقطاع الكهرباء والماء وتعيين وزراء ذوو سمعة طيبة، ربما يهدأ الشارع ونعود لحالة الاستقرار، لكن تعيين جنرال عسكري في هذا الوقت الحرج يعكس بشكل فعلي ما يمكن ان يتم تنفيذه، وعلي اية حال، يبقى السيناريو الأرجح على المدى القصير هو استمرار الأزمة دون حل جذري، ما لم يُتخذ مسار إصلاحي شامل يعالج جذور الفقر والهشاشة المؤسسية التي أدت إلى الاحتجاجات.



