رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"النكسة الصامتة".. كلفة الحرب على غزة ترسم ملامح الانحدار الاقتصادي في إسرائيل

نزيف الاقتصاد الاسرائيلي
نزيف الاقتصاد الاسرائيلي

بعد عامين من اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، بدأ الغبار الاقتصادي يتكشف تدريجياً عن مشهد داخلي متصدّع، يشير إلى ثمن باهظ دفعته إسرائيل نتيجة خياراتها العسكرية.

 فبين التكاليف المباشرة للعمليات والهجمات، والخسائر غير المباشرة الممتدة عبر القطاعات، تكشف التقارير الرسمية والتحليلات الاقتصادية عن أزمة متعددة الأبعاد تضرب مفاصل الاقتصاد الإسرائيلي.

رغم بقاء بعض القطاعات الحيوية في حالة مقاومة نسبية، إلا أن الآثار التراكمية للحرب تتجلى اليوم في ضعف النمو، وتباطؤ الاستثمار، وعجز الميزانية، وزعزعة الثقة في السوق، وفي هذا التقرير، نستعرض أبرز ملامح تلك الخسائر بالأرقام، معتمِدين على مصادر رسمية إسرائيلية ودولية.

100 مليار دولار تهوي بالمالية العامة

أشار بنك إسرائيل في تقرير نُشر مطلع سبتمبر 2025 إلى أن الكلفة الإجمالية للحرب، بمكونيها المباشر وغير المباشر، بلغت نحو 330 مليار شيكل (نحو 100 مليار دولار)، بما يعادل 111 ألف شيكل (33.6 ألف دولار) لكل أسرة إسرائيلية.

ووصف البنك التأثيرات الاقتصادية بالحرب بـ"عدوى طويلة الأمد"، محذرًا من أن استمرار التوتر العسكري حتى عام 2026 وما بعده قد يُبطئ وتيرة التعافي ويضع السياسات النقدية والمالية تحت ضغوط هائلة.

أبرز بنود الإنفاق العسكري

  • النفقات الدفاعية في 2024 بلغت 168 مليار شيكل (51.34 مليار دولار)، مقارنة بـ83 مليار شيكل في 2022.
  • تكاليف الاحتياط العسكري ارتفعت من أقل من 2 مليار شيكل (611 مليون دولار) في 2022 إلى نحو 32 مليار شيكل (9.78 مليار دولار) في 2024.
  • النفقات العسكرية المباشرة وتعويضات البنى التحتية المتضررة حتى منتصف 2025 تتراوح بين 250 – 300 مليار شيكل (76.4 – 91.7 مليار دولار)، بحسب تقديرات بنك إسرائيل.

عجز قياسي وتوسيع في الإنفاق الدفاعي

صادق الكنيست الإسرائيلي في سبتمبر 2025 على تعديل الميزانية العامة بإضافة 30 مليار شيكل (9.17 مليارات دولار) إلى مخصصات وزارة الدفاع، لترتفع ميزانية عام 2025 إلى 786.7 مليار شيكل (240.45 مليار دولار)، منها 110 مليارات شيكل (32.8 مليار دولار) مخصصة مباشرة للجيش والعمليات العسكرية.

كما تم رفع سقف العجز المالي إلى 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ3.4% قبل الحرب.

نزيف حاد في أحد أعمدة الاقتصاد

يمثل قطاع العقارات نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي، ويوفر وظائف لعشرات الآلاف من العمال، إلا أن الحرب أدت إلى:

  • انخفاض بنسبة 24% في صفقات بيع المنازل خلال الربع الثاني من 2025 مقارنة بالربع الأول (من 26.5 ألف إلى 20 ألف صفقة)، بحسب معهد ألروف بجامعة تل أبيب.
  • تراجع سنوي بنسبة 35% في صفقات البيع مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024.
  • نقص بنحو 150 ألف عامل في القطاع منذ أكتوبر 2023، نتيجة منع دخول العمال الفلسطينيين، ما أدى إلى تجميد مشاريع بنية تحتية وعقارية.

وأثّر هذا الركود العقاري على ارتفاع معدلات الفائدة على قروض الإسكان، وتآكل القدرة الشرائية للعائلات الإسرائيلية، وتوقعات تباطؤ نمو أسعار العقارات في 2026 رغم استمرار الطلب، وفق صحيفة غلوبس الاقتصادية.

الاقتصاد الاسرائيلي
الاقتصاد الاسرائيلي

جمود نمو الأجور وركود التوظيف

  • بلغ متوسط الأجور في إسرائيل 14,201 شيكل (4,340 دولار) في 2025، بزيادة سنوية ضعيفة نسبتها 2.5% فقط، مقارنة بمعدلات تضخم أعلى.
  • نسبة البطالة وصلت إلى 3% بنهاية أغسطس 2025، مع 186.1 ألف عاطل عن العمل، بحسب دائرة الإحصاء المركزية.
  • أشارت مصلحة التشغيل إلى جمود في النمو الوظيفي رغم زيادة السكان، ما يعكس تعثّر الاقتصاد في توفير فرص عمل جديدة.

قطاعات استراتيجية في مهب الحرب

التكنولوجيا والابتكار: ضربة في القلب النابض للاقتصاد

  • تباطؤ الاستثمارات الأجنبية في الشركات الناشئة.
  • تأجيل مشاريع ضخمة بسبب استدعاء قوات الاحتياط من القطاع.
  • تراجع صادرات التكنولوجيا بسبب تعطل سلاسل الإمداد.

وفق صحيفة ذا ماركر، تعاني شركات الابتكار من "نزيف كفاءات"، ما قد يؤثر سلبًا على تصنيف إسرائيل كمركز عالمي للتكنولوجيا.

الطاقة والغاز الطبيعي: خسائر إقليمية وتعليق التصدير

  • توقف الإنتاج في بعض الحقول البحرية.
  • خسائر مباشرة نتيجة تعليق التصدير إلى مصر والأردن، وفق صحيفة معاريف.
  • تعرُّض مشاريع الغاز الإقليمية لمخاطر أمنية، ما يرفع كلفة التأمين والاستثمار.

نزيف المليارات بالسياحة وعزوف الزوار

  • خسائر مباشرة وغير مباشرة قُدّرت بنحو 12 مليار شيكل (3.4 مليارات دولار).
  • انهيار حركة السياحة في وجهات رئيسية مثل إيلات والقدس المحتلة، بحسب صحيفة كلكاليست.

عزلة جوية متزايدة

  • ارتفاع حصة شركات الطيران الإسرائيلية في مطار بن غوريون من 32.3% إلى 61%، ما يعكس انسحاب شركات أجنبية.
  • تغيّر جذري في خريطة الطيران، بحسب صحيفة ذا ماركر.

تآكل الثقة وغياب رؤوس الأموال

أدى استمرار الحرب إلى:

  • إلغاء مؤتمرات دولية واستثمارات استراتيجية في قطاعات غير عسكرية، وفق صحيفة يديعوت أحرونوت.
  • تأجيل ضخ مليارات الدولارات كانت مخصصة لمشاريع بنية تحتية وطاقة.
  • استمرار بعض الاستثمارات في الأمن السيبراني والطاقة، لكنها لم تعوّض العزلة العامة في بيئة الأعمال.

الصناعات الدفاعية

عقود أسلحة أُلغيت:

  • إسبانيا ألغت صفقات بقيمة 1.35 مليار دولار، تشمل راجمات صواريخ وأنظمة تصويب وذخائر.
  • دول أخرى جمدت أو ألغت صفقات منها: كولومبيا، هولندا، اليابان، بلجيكا.

رغم أن صادرات السلاح بلغت 14.8 مليار دولار في 2024، تشير التقديرات إلى أن استمرار العزلة قد يؤدي إلى:

  • تراجع كبير في صادرات الدفاع بحلول 2026.
  • ضربة قوية محتملة في 2027، بحسب تقارير صحيفة كلكاليست.

تظهر نتائج الحرب على غزة، بعد عامين من اندلاعها، أن إسرائيل لا تواجه فقط معركة في الميدان، بل أزمة هيكلية في اقتصادها. وبينما تحاول بعض القطاعات النجاة، فإن النزيف المالي، وتراجع ثقة المستثمرين، وتضخم النفقات العسكرية، يضع الاقتصاد الإسرائيلي على مفترق طرق صعب.

وفي حال استمرت التوترات الجيوسياسية، فإن الطريق نحو التعافي سيكون محفوفًا بالتحديات، وربما يتحول النصر العسكري – إن تحقق – إلى هزيمة اقتصادية صامتة طويلة الأمد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء