لم تتوقف التحليلات حول خطة "السلام"، لإدارة قطاع غزة التي تم الإعلان عنها من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا سيما فيما يخص إزحة حركة "حماس" والفصائل الفلسطينية من المعادلة السياسية والعسكرية، في سبيل تحقيق هدنة دائمة، وبناء منظومة سياسية جديدة تدير القطاع وفق سيناريو أمريكي ورؤية بريطانية.
الخطة الترامبية في الغالب ستشهد تعديلات من قبل الجانب الإسرائيلي بما يحقق المكاسب للجناح اليميني الذي لن يتنازل عن الإطار الأيديولوجي في معركته مع الشارع الفلطسطيني، وتمرير ما يعرف بـ"إسرائيل الكبرى"، فضلًا عن الضغوط الداخلية التي تلاحق نتنياهو، ومعاقبته جنائيًا وسياسيًا جراء فشله في إدارة الصراع بما يحقق الغلبة الكاملة وتطويع المنطقة بأسرها لخدمة المشروع الصهيوني.
في المقابل لدى حركة حماس العديد من التحفظات حول انسحابها المطلق سياسيًا وعسكريًا، خاصة الجناح العسكري المنوط به إدارة المشهد من الداخل الغزاوي، وغلق نافذة المقاومة وانهاء التواجد الحمساوي، في ظل عدم وجود ضمانات ملموسة حول التراجع الإسرائيلي عن مشاريعه في العمق الغزاوي.ومن المرجح أن قيادات "حماس" لن تقبل التجريد التام من السلاح، أو الانسحاب من المشهد السياسي، مع احتمالية مطالبتها في الدخول ضمن تشكيل حكومة التكنوقراط، بالتوافق مع القوى والفصائل الفلسطينية وفي مقدمتهم خصمها التقليدي "حركة فتح".
في الحقيقة أن الرئيس الأمريكي يتعجل إحراز الانتصار الوهمي، لمنحه لقب "صانع السلام الأبدي في الشرق الأوسط"، على حساب الشعب الفلسطيني، وعدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية مستقبلًا، وتجريد قطاع غزة من السلاح، وانتزاع سيادته وتقديمه على "طبق من ذهب" كهدية لوصاية اليمين المتطرف، لاعادة تشكيله اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، بما يتلائم أو يتوافق مع الأجندة "الصهيومسيحية" التي ترهن عودة المسيح ببناء الهيكل.
الخطة "الترامبية"، في مضمونها تعيد سلطة الحماية البريطانية على المنطقة العربية من خلال مشاركة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في إدارة "قطاع غزة"، لا سيما أن الخطة طرحت وقف أمد الحرب الدائرة، لكنها لم تقدم أية مقياس واقعي أو عملي على تفكيك الأزمة من جذورها في ظل تجاهل الحق التاريخي للدولة الفلسطينية.
ورغم ما تحققه خطة "ترامب" ظاهريًا من صناعة انتصار للجانب الإسرائيلي في الحرب على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، فإن اليمين المتطرف المسيطر على توجهات السلطة الإسرائيلية، لن يتراجع عن تمرير مشروعه في الهيمنة الكاملة على قطاع غزة والضفة الغربية، ومن ثم سنكون أمام سيناريو أو مشهد جديد من الصراع وفق آليات ومعطيات مختلفة في المرحلة المقبلة لاستكمال تدمير قطاع غزة، وتصفية القضية الفلسطينية، في حال تحفظ "حماس"، أو حدوث تحول عسكري على الأرض، يمنح تل أبيب "الدعم الأمريكي المطلق لتنفيذ مشروع الإبادة.
المعضلة الحمساوية بين موافقتها ورفضها لـ"الخطة الترامبية" المشروطة، أضاعت بين ثناياها القضية الفلسطينية، ولم تمنح في ذاتها الانتصار الكامل والمطلق للكيان الصهيوني، رغم جرائمه المتعاقبة والمستمرة على الشعب الفلسطيني، فالموافقة تحمل توزانًا نسبيًا في الجوانب المعيشية، بعد تعرض القطاع لمجاعة قاتلة ومتعمدة، وكذلك تغييرًا جذريًا في إدار الصراع جراء تبعات التغييرات الاجتماعية والنفسية التي ستمارس على القطاع، لتصفية القضية الفلسطينية شكلًا ومضمونًا، بينما رفضها يصنع مواجهة عسكرية مسلحة، تبيد ما تبقى من القطاع وتنهي الأزمة مبكرًا .