من قلب سيناء إلى قلبها
رسالة على الجبهة.. جندي مصري يبوح بحبه لفتاة قبل ساعة الصفر
52 عامًا مرّت على واحدة من أعظم معارك العزة والكرامة في التاريخ الحديث، لكن ما زالت بعض القصص تُروى للمرة الأولى، حكايات لم تُكتب في كتب التاريخ، لكنها تسكن القلوب وتحمل بين سطورها مشاعر نادرة، تختلط فيها البطولة بالحب، والواجب بالعاطفة.
بين أوراق قديمة احتفظ بها محمد محيي الدين، كانت هناك رسالة كتبها شقيقه الجندي المصري حسني يوم الخامس من أكتوبر 1973، قبل ساعات قليلة من ملحمة العبور العظيم، لم تكن الرسالة عادية، بل كانت مزيجًا مؤلمًا من الوداع، والوصية، واعترافًا مؤجلًا بالحب، ظل دفين قلبه حتى اللحظة الأخيرة.
كانت بداية الخطاب رسالة حب خالص للعائلة، وأشبه بتحية وداع مبكرة، كتبها الجندي الشاب الذي يتحسس خطواته الأخيرة نحو معركة يعرف أنها قد لا تعيده.
تحية الوداع
أخي الحبيب محمد، تحية من كل الأعماق، وسلامًا، وحبًا، وشوقًا لكم، ولأبي الحبيب، وأمي الغالية، والإخوة الأحباء، في وقتٍ ضيق جدًا أكتب لك هذا الخطاب، وأرجو ألا تحزن يا حبيبي، فإن الأعمار بيد الله، وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت.
وصية
بهدوء الواثق، أتم حسني إجراءات ما بعد الرحيل، دون أن يثير قلق أسرته، وكأنه كان يعدّ لكل شيء بدقة ورضا، حرص أن تظل حقوقه محفوظة، وأن يحمل شقيقه عبء ما بعد الغياب.
لقد كتبت خطابًا لعمي الإتربي مع أحد الأشخاص، وذكرت فيه كل ما قد تحتاج إليه من معلومات تخصني، كما أرسلت لك شهادة الاستبقاء، وتوكيلًا باسمك، وقد وكلتك في صرف جميع استحقاقاتي وتعويضاتي، فأرجو أن تتحلى بالصبر، وتكون على قدر هذه المسؤولية.
اعتراف أخير بالحب
لم يكن الحب غائبًا عن الجبهة، ولا عن قلب الجندي، وفي لحظة الصفاء الأخيرة، اعترف بما كتمه طويلًا، حب صامت، صادق، آثر أن يبقى في الظل، ولم يُرد له أن يتحوّل إلى عبء أو إحراج.
أرجو أن أُطلعك على سر لم أخبر به أحدًا،
كنت أحب (....)، وإن جاء الأجل، أرجو أن تُبلغها سلامي، وتخبرها أنني كنت أحبها،
لكنني لم أستطع الاتصال بها بسبب الضغوط التي كانت عليها، ولم أشأ أن أحرجها، فبلّغها كل حبي وإعزازي.
وأرجو أن يبقى هذا سرًا بيني وبينك، ولا تُفصح عنه إلا إذا قدر الله ورحلت.
دعاء قبل المعركة
كان الدعاء هو ختام الرسالة، والأمل الوحيد الذي تعلّق به الشهيد، وقد بات يعرف أن معركة الغد ليست عادية، وأن عبور القناة قد يكون عبورًا إلى الخلود.
أرجو أن تدعوا لنا بالنصر،
وأن يُثبّت الله أقدامنا،
وأن ينصرنا على القوم الكافرين،
وأن يجعل الجنة مثواي ومثوى المؤمنين.
والسلام ختام يا حبيبي.
الوداع الأخير للأم والأب والإخوة
اختتم حسني رسالته بمساحة خاصة لكل فرد من أسرته، خاصة الأم، التي يعلم كم ستتألم، لكنه يطلب منها أن تسامحه، ويدعو الجميع إلى الفرح لا الحزن، كأنما يوصيهم بالحياة، فيما يذهب هو إلى الموت بشجاعة ويقين.
إلى أمي الغالية: أرجو ألا تحزني، فإن الأعمار بيد الله، وما أفعله هو واجب مقدس، أرجو أن تسامحيني.
إلى أبي الحبيب: أرجو لك الشفاء العاجل، ولا تنسَ الدعاء لي.
إلى إخوتي الأحباء: تمنياتي لكم بالسعادة والهناء.

