رجل العبور.. قصة سعد الدين الشاذلي بين المجد والنفي (بروفايل)
يبقى التاريخ شاهدًا بكل الفخر على أحد أعظم القادة العسكريين في تاريخ مصر الحديث، الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر 1973، والعقل المدبر وراء خطة العبور الناجحة التي كسرت أسطورة خط بارليف الحصين.
وُلد الشاذلي في الأول من أبريل عام 1922 بقرية شبراتنا التابعة لمركز بسيون بمحافظة الغربية، ونشأ في بيت عسكري حيث كان جده ضابطًا في الجيش، ما زرع في نفسه حبًّا مبكرًا للعسكرية التي ستصنع مجده لاحقًا.
التحق بالكلية الحربية عام 1939 وهو في السابعة عشرة من عمره، وتخرج في يوليو 1940 برتبة ملازم بسلاح المشاة.
بداياته العسكرية وعلاقته بعبد الناصر
في عام 1943 اختير للخدمة في الحرس الملكي، وشارك في الحرب العالمية الثانية، ثم في حرب فلسطين عام 1948 ضمن سرية ملكية مصرية.
بدأت علاقته بالرئيس جمال عبد الناصر قبل ثورة يوليو 1952، حيث عملا معًا مدرسين في مدرسة الشؤون الإدارية، وانضم الشاذلي إلى تنظيم الضباط الأحرار عام 1951 دون أن يشارك فعليًا في ليلة الثورة بسبب وجوده في دورة تدريبية.
وبعد الثورة، سافر في مهمة تدريبية إلى الولايات المتحدة، ثم عاد ليؤسس أول قوات مظلية في مصر عام 1954 وتولى قيادتها حتى عام 1959.
كما شارك في صد العدوان الثلاثي عام 1956، وقاد لواء مشاة في حرب اليمن بين عامي 1965 و1966، وأنشأ "مجموعة الشاذلي" التي أصبحت لاحقًا نواة القوات الخاصة المصرية.
النكسة
في حرب يونيو 1967، أظهر الشاذلي كفاءة نادرة وسط فوضى الانسحاب العشوائي من سيناء، إذ قاد قواته بحنكة من شرق سيناء إلى الغرب عبر ممرات ضيقة، متفاديًا الطيران الإسرائيلي، ونفّذ واحدة من أصعب المناورات في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية، ما أكسبه احترامًا واسعًا في صفوف الجيش.
وفي عام 1970 عُيِّن قائدًا لمنطقة البحر الأحمر العسكرية، وتمكن من صدّ هجوم إسرائيلي على جزيرة شدوان، في معركة بطولية استعان فيها بأبناء المنطقة لتحرير الجزيرة من المحتلين.
خطة المآذن العالية
بعد وفاة عبد الناصر وصعود أنور السادات، تولى الشاذلي منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة في 16 مايو 1971.
وفي أغسطس من العام نفسه وضع خطة العبور الشهيرة "المآذن العالية"، التي اعتمدت على نقاط ضعف جيش الاحتلال، وركزت على تحقيق عنصر المفاجأة وحرمان إسرائيل من قدرتها على شن الحروب الخاطفة.
كانت الخطة تقوم على عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف بوسائل غير تقليدية، من بينها استخدام مضخات المياه لهدم الساتر الترابي، وهو ما تحقق فعليًا في حرب أكتوبر بعد عامين فقط.
نصر أكتوبر 1973
في تمام الثانية وخمس دقائق من ظهر السادس من أكتوبر 1973، بدأت الملحمة الكبرى، حيث عبرت الطائرات المصرية القناة، ودكت الحصون الإسرائيلية، ثم تبعتها قوات المشاة التي فتحت عشرات الممرات في الساتر الترابي.
وفي اليوم التالي اكتمل العبور ببناء الجسور، وتمكنت القوات المصرية من تثبيت مواقعها على الضفة الشرقية، تكبدت إسرائيل خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، في واحدة من أنجح العمليات العسكرية في القرن العشرين.
خلافه مع السادات وثغرة الدفرسوار
غير أن الخلاف بين الشاذلي والرئيس السادات بدأ مع تطور المعركة، فقد رفض الشاذلي قرار تطوير الهجوم شرقًا باتجاه ممرات سيناء دون غطاء جوي، محذرًا من خطر تطويق الجيش الثالث، لكن السادات أصر على قراره دعمًا للجبهة السورية، فحدثت ثغرة الدفرسوار الشهيرة التي استغلها جيش الاحتلال لمحاصرة جزء من القوات المصرية.
رغم ذلك، ظل الشاذلي ثابتًا على موقفه، متمسكًا بالمهنية العسكرية، فدخل في مواجهة سياسية مع السادات انتهت بإبعاده عن الجيش.
المنفى والمعارضة
عُيِّن الشاذلي سفيرًا في لندن ثم في البرتغال بين عامي 1974 و1978، لكنه استقال احتجاجًا على اتفاقية كامب ديفيد، معتبرًا إياها تفريطًا في النصر المصري، لجأ إلى الجزائر سياسيًا، وهناك كتب مذكراته التي روى فيها روايته الكاملة لحرب أكتوبر، واتهم السادات بتضليل الشعب والتسبب في الثغرة.
رد السادات عليه بمحاكمة عسكرية غيابية، وحُكم عليه بالسجن ومصادرة ممتلكاته، وحُذف اسمه من السجلات الرسمية للانتصار.
العودة والرحيل
بعد اغتيال السادات، عاد الشاذلي إلى مصر عام 1992، ليُعتقل فور وصوله، ويقضي حكمه بالسجن رغم تجاوزه السن القانونية، ومع ذلك، لم يبدُ نادمًا أو حاقدًا، بل ظل مؤمنًا بأن التاريخ سينصفه.
وفي عام 2011، قبل يوم واحد فقط من سقوط نظام مبارك، رحل الفريق سعد الدين الشاذلي عن عمر ناهز 89 عامًا، لتتحول جنازته إلى مشهد مهيب في ميدان التحرير، حيث صلى عليه آلاف المصريين صلاة الغائب.
وفي عام 2015 أعادت القوات المسلحة اعتباره رسميًا، وقدمت فيلمًا وثائقيًا عن بطولاته، ليبقى اسمه محفورًا في ذاكرة الوطن باعتباره العقل الذي خطط للعبور والنصر.

