حرب أكتوبر.. كيف أعادت تشكيل النظام الدولي؟
قبل اثنين وخمسين عامًا، وفي السادس من أكتوبر عام 1973، الموافق العاشر من رمضان 1393 هـ، شنت القوات المصرية والسورية هجومًا منسقًا على مواقع جيش الاحتلال الإسرائيلي في سيناء ومرتفعات الجولان.
كانت تلك الشرارة بداية حرب غيرت وجه الشرق الأوسط، ودفعت العالم إلى إعادة النظر في خرائط النفوذ وموازين القوى.
انتهت المعارك قبل نهاية الشهر نفسه، بعد أن فرضت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي من خلال الأمم المتحدة قرارًا بوقف إطلاق النار، لتبدأ مرحلة جديدة من التحولات الجذرية في العلاقات الدولية، وتُجبر واشنطن على وضع الصراع العربي الإسرائيلي في صدارة أجندتها الخارجية.
وثائق تكشف خفايا الغرف المغلقة في واشنطن
أرشيف الوثائق الأمريكية – المجمّع من مكتبة الرئيس ريتشارد نيكسون والبيت الأبيض ووزارتي الدفاع والخارجية، إضافة إلى وكالة الاستخبارات المركزية – قدّم صورة مفصلة حول ما جرى في الكواليس خلال أيام الحرب.
وتُظهر هذه الوثائق تفاصيل دقيقة لسياسات واشنطن، ومواقف كبار مسؤوليها، وعلى رأسهم هنري كيسنجر، إلى جانب الرئيس المصري أنور السادات والاتحاد السوفياتي.
وتكشف الوثائق عن فشل استخباراتي أمريكي في إدراك التهديد الوشيك للحرب، إذ قال راي كلاين، أحد كبار مسؤولي الاستخبارات في الخارجية الأميركية، إن الإسرائيليين غسلوا أدمغتهم، ونجحوا في غسل أدمغتنا معهم.
كما توضح الوثائق: أن إسرائيل تلقت تحذيرات مسبقة بهجوم مصري سوري محتمل، وأن كيسنجر نصح جولدا مائير بعدم شن هجمات وقائية.
كما أن البيت الأبيض عاش حالة ارتباك في الساعات الأولى من القتال، قبل أن يقرر كيسنجر إطلاق جسر جوي عسكري ضخم لدعم إسرائيل.
وقلل كيسنجر في البداية من خطورة التهديدات العربية النفطية، لكنه فوجئ لاحقًا بتداعياتها الاقتصادية والسياسية.
ومنحت واشنطن إسرائيل ضوءًا أخضر ضمنيًا لتجاوز وقف إطلاق النار الذي أقره مجلس الأمن في 22 أكتوبر 1973
أزمة الطاقة والإنذار النووي
بحلول الأسبوع الثالث من الحرب، بدأت موسكو وواشنطن تدركان أن الصراع تجاوز حدود الشرق الأوسط.
فقد أرسل الرئيس السوفياتي ليونيد بريجنيف رسالة احتجاج إلى واشنطن بشأن محاصرة الجيش المصري الثالث، مستخدمًا الخط الساخن بين العاصمتين، ما أدى إلى رفع درجة الإنذار النووي الأميركي إلى المستوى ديفكون 3 للمرة الأولى منذ أزمة كوبا.
ورغم أن كيسنجر رفض التعاون الكامل مع السوفيات لفرض تسوية سلمية، إلا أنه أدرك أن الحرب جعلت الولايات المتحدة اللاعب المركزي في المنطقة، بينما بدا الاتحاد السوفياتي في موقع الخاسر سياسيًا.
صمود عربي رغم الكلفة البشرية
ورغم الاختراق الإسرائيلي على الجبهة المصرية في الأيام الأخيرة للحرب، فإن القوات المصرية والسورية قاتلت ببسالة نادرة، وفق اعتراف قادة الاحتلال أنفسهم.
فقد قتل في الحرب نحو 2200 جندي إسرائيلي وأصيب أكثر من 5600 آخرين، وهو ما يعادل أربعة أضعاف خسائر إسرائيل في حرب 1967، فيما بلغت خسائر العرب نحو 8500 شهيد، أغلبهم من الجيشين المصري والسوري.
وقد تحولت ثغرة الدفرسوار إلى لحظة حرجة في سير العمليات، حين قادت الهجمات الإسرائيلية المضادة بقيادة أرييل شارون إلى حصار الجيش الثالث، لكن الوساطة الأمريكية العاجلة حالت دون وقوع كارثة عسكرية.
النفط كسلاح
أدى الجسر الجوي الأمريكي الداعم لإسرائيل إلى غضب عربي واسع، دفع الدول العربية المنتجة للنفط إلى فرض حظر على الصادرات إلى الولايات المتحدة، لتندلع أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة.
وأدركت واشنطن حينها أن أمنها الاقتصادي مرتبط ارتباطًا مباشرًا باستقرار الشرق الأوسط، ما جعل الدور الأميركي في المنطقة أمراً حتميًا في حسابات صانعي القرار بالبيت الأبيض.
وفي خطاب لاحق، أقرّ الرئيس نيكسون بأن أحدًا لم يكن يدرك حجم المخاطر في تلك الأيام: النفط وموقعنا الاستراتيجي على المحك.
من حرب المدافع إلى معارك السياسة
بحلول أواخر أكتوبر، بدأت المفاوضات العسكرية والسياسية في بلورة اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تطور لاحقًا إلى اتفاقية فض الاشتباك (سيناء الأولى) في يناير 1974، بوساطة كيسنجر.
وجعل الرئيس السادات الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المصرية هدفه الأول، وهو ما تحقق تدريجيًا قبل اغتياله عام 1981.
أما قضايا مرتفعات الجولان والضفة الغربية، التي تعود إلى حرب 1967، فقد ظلت – وما تزال – مصدر توتر إقليمي دائم.
واشنطن بين ووتروجيت وحرب الشرق الأوسط
تزامنت الحرب مع أزمة ووترجيت التي هزّت أركان الإدارة الأمريكية، فقد أدت استقالة نائب الرئيس سبيرو أجنيو وتشتت نيكسون بين الفضيحة السياسية والحرب إلى فراغ في القيادة.
وبينما كانت هيبة نيكسون السياسية تنهار، أصبحت هيبة كيسنجر في نمو أكثر، ومع محاصرة الرئيس، برز وزير الخارجية كصانع القرار الرئيسي بالولايات المتحدة خلال الحرب.
ومن رحم تلك الأزمة، وُلدت الدبلوماسية المكوكية التي أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط لعقود تالية.
نهاية الحرب وبداية نظام جديد
ومع توقف دوي المدافع في أكتوبر 1973، لم تتوقف آثار الحرب عند حدود الميدان، بل بدأت معها معركة كسر الجمود في النظام الدولي وإعادة تشكيل خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
كانت الحرب لحظة فاصلة أجبرت واشنطن على الانتقال من موقع المراقب إلى موقع الفاعل، لتبدأ مرحلة الانخراط الأمريكي المباشر في مسار التسوية السياسية.
ومن رحم المعارك التي توحد فيها الموقفان المصري والسوري، تولدت واقعية جديدة في العلاقات العربية – الأمريكية، أرست ملامحها مفاوضات ما بعد الحرب، ومهّدت الطريق نحو اتفاقية كامب ديفيد بعد ست سنوات فقط.
وتحولت حرب أكتوبر من صراع على الأرض إلى مواجهة دبلوماسية على الخرائط، أعادت صياغة توازنات القوة في المنطقة، وغيّرت مسار التاريخ العربي الحديث.

