حرب أكتوبر.. كواليس ثغرة الدفرسوار وأسرار تطويق الجيش الثالث
في الثاني عشر من أكتوبر عام 1973، وبعد ست أيام فقط من اندلاع الحرب، وجّهت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير نداء استغاثة إلى الولايات المتحدة، التي سارعت بإقامة جسر جوي غير مسبوق في تاريخها العسكري لنقل الأسلحة المتطورة إلى إسرائيل.
كان القتال لا يزال محتدمًا، ووصَف وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر الموقف حينها بأنه على شفا كارثة بالنسبة لإسرائيل، ما استدعى تدخلًا أمريكيًا واسع النطاق لتغيير موازين المعركة.
السلاح الخفي في الحرب
قدّمت واشنطن لإسرائيل دعمًا استخباراتيًا حاسمًا عبر أقمارها الاصطناعية، التي ساعدت في تحديد محاور الضربات المصرية ومواقع شبكات صواريخ سام المضادة للطائرات، إضافة إلى كشف نقطة الضعف بين الجيشين الثاني والثالث على الجبهة المصرية، وهي الثغرة التي استغلها جيش الاحتلال لاحقًا لعبور القناة إلى الضفة الغربية.
في الوقت نفسه، شنت إسرائيل هجومًا مضادًا على الجبهة السورية في الجولان، مستفيدة من الهدوء النسبي على الجبهة المصرية عقب الوقفة التعبوية التي أمرت بها القيادة المصرية لإعادة التنظيم.
تطور الهجوم شرقًا
مع تصاعد الضغط الإسرائيلي على الجبهة السورية، طالبت دمشق القاهرة بتطوير الهجوم شرق القناة لتخفيف العبء عنها.
لكن داخل القيادة المصرية نشب خلاف حول خطة التطوير، خاصة بعد أن توافرت لإسرائيل معلومات تفصيلية – بدعم أمريكي مباشر – عن حجم القوات المصرية واتجاهات محاورها.
في صباح 14 أكتوبر 1973، قرر الرئيس أنور السادات تطوير الهجوم شرقا لدفع العدو نحو الممرات الجبلية، رغم اعتراض رئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي، الذي حذر من مجازفة غير محسوبة.
انطلقت قوات التطوير المصرية لكنها وقعت في كمين إسرائيلي محكم، لتندلع واحدة من أكبر معارك الدبابات في التاريخ الحديث، شاركت فيها نحو ألفي دبابة مدعومة بأحدث المعدات الأمريكية الواصلة عبر الجسر الجوي.
انتهت المعركة بخسارة نحو 250 دبابة مصرية، واضطرت القوات إلى التراجع إلى رؤوس الكباري شرق القناة، ما أدى إلى فشل عملية التطوير وانكشاف ظهر القوات المصرية أمام العدو.
ثغرة الدفرسوار
ليلة 14 أكتوبر، استغلت قوة إسرائيلية صغيرة الثغرة التي نشأت بين الجيشين المصريين، وعبرت قناة السويس إلى الضفة الغربية، لتبدأ عملية تطويق الجيش الثالث المصري في ما عرف لاحقًا باسم ثغرة الدفرسوار.
ومصطلح ثغرة الدفرسوار يشير إلى منطقة بمحافظة الإسماعيلية مطلة على قناة السويس، وكانت بين الجيشين الثاني والثالث الميدانيين امتدادًا للضفة الشرقية للقناة، حيث تمكن جيش الاحتلال، قبيل نهاية الحرب ليلة 16 أكتوبر عام 1973، من السيطرة عليها.
وفي 17 أكتوبر، دفعت إسرائيل بتعزيزات ضخمة عبر البحيرات المرة، وأقامت جسرًا عسكريًا متكاملًا لعبور الدبابات، تمكنت عبره ثلاث فرق إسرائيلية من التوغل غرب القناة حتى تخوم مدينة السويس، رغم تكبدها خسائر فادحة.
وشهدت معارك ضارية وخسائر كبيرة من الجانبين، ولكن خسائر الجانب الإسرائيلي كانت أكبر، لتتمكن مصر من سد أكبر قدر من الجيب العسكري.
وثائق حرب أكتوبر التي أفرجت عنها وزارة الدفاع تشير إلى أن القيادة المصرية كانت قد تنبهت إلى ثغرة الدفرسوار، ووضعت خطة سميت بـ"شامل"، و"شامل المعدلة" للقضاء عليها.
لم يكن السادات في غفلة عنها، وتظهر الوثائق أنه حذر من إمكانية عبور القوات الإسرائيلية عبر الثغرة لتطويق الجيش المصري الثالث، والانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم.
وفي النهاية لم يكن في وسع القوة الإسرائيلية التي تسللت غرب القناة أن تؤدى إلى أي تغيير في الموقف العسكري على أرض المعركة.
قرارات وقف إطلاق النار
في 21 أكتوبر 1973، أصدر مجلس الأمن قرارًا بوقف إطلاق النار، قبلت به كل من مصر وإسرائيل، إلا أن الأخيرة واصلت القتال، ودَفعت بمزيد من القوات غرب القناة يومي 22 و23 أكتوبر لتوسيع نطاق وجودها.
وحين تقدمت القوات الإسرائيلية لقطع طريق مصر – السويس والسيطرة على المدينة، تدخّل مجلس الأمن مجددًا بقرار آخر لتأكيد وقف إطلاق النار في 23 أكتوبر، وافقت عليه القاهرة وتل أبيب.
وطالب السادات في المقابل الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة بإرسال قوات دولية لضمان وقف النار، قبل السوفيات، لكن واشنطن رفضت، ومع ذلك توقف القتال فعليًا في 24 أكتوبر، منهيًا آخر فصول الحرب ميدانيًا.
الطريق إلى كامب ديفيد
في 31 مايو 1974، وُقّعت اتفاقية فك الاشتباك بين مصر وإسرائيل، لتبدأ مرحلة جديدة من التحولات السياسية في المنطقة.
وافقت إسرائيل بموجب الاتفاق على إعادة مدينة القنيطرة لسوريا والضفة الشرقية لقناة السويس لمصر، مقابل إبعاد القوات المصرية والسورية عن خطوط التماس، وإنشاء قوة مراقبة تابعة للأمم المتحدة للإشراف على تنفيذ الاتفاق.
وقاد هنري كيسنجر آنذاك وساطة مكوكية بين القاهرة وتل أبيب، مهّدت الطريق لاحقًا إلى اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، التي أنهت رسميًا حالة الحرب بين مصر وإسرائيل، وفتحت فصلًا جديدًا في العلاقات العربية – الأمريكية، غيّر وجه المنطقة لعقود قادمة.

