رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أوروبا تُهادن.. وأمريكا تُصعّد: النووي الإيراني بين المطرقة والسندان

المرشد الإيراني والرئيس
المرشد الإيراني والرئيس الأمريكي

في 23 سبتمبر الحالي، وفي خطاب بُثّ على التلفزيون الرسمي الإيراني، صرح المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي برفضه لعقد مُفاوضات مُباشرة مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي لبلاده. أتت تصريحات خامنئي في الوقت الذي سافر فيه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعدما التقى فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بنظرائه الأوروبيين وبالمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية سعيًا لوقف إعادة فرض العقوبات النووية"snapback" ، والتي يُرجح استئنافها يوم 28 سبتمبر الحالي. سيؤدي ذلك إلى تجميد الأصول الإيرانية في الخارج مجددًا، ووقف صفقات الأسلحة مع طهران، ومعاقبة أي تطوير لبرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، من بين تدابير أخرى، مما يزيد من الضغط على اقتصاد البلاد المتعثر.

علمًا بأن وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول صرّح بأنّ دبلوماسيين كبارًا من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا أجروا مفاوضاتٍ في اللحظات الأخيرة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، لبحث الخيارات النهائية قبل إعادة فرض العقوبات على البرنامج النووي الإيراني، وإنه في كل الأحوال ستواصل مجموعة الدول الأوروبية الثلاث (E3) -التفاوض مع إيران حتى بعد إعادة فرض العقوبات.[1]

دوافع رفض المرشد الإيراني للتفاوض الأمريكي

في 22 سبتمبر الجاري، فرضت الحكومة الأمريكية، برئاسة دونالد ترامب، قيودًا جديدة على الدبلوماسيين الإيرانيين المقيمين في نيويورك أو الزائرين لها، وبموجب هذه القيود، يُحظر على الدبلوماسيين الإيرانيين التسوق في متاجر الجملة وشراء السلع الفاخرة في الولايات المتحدة دون الحصول على تصريح خاص من وزارة الخارجية الأمريكية، لتستهدف هذه القيود الدبلوماسيين الإيرانيين تحديدًا. وتأتي هذه الخطوة في إطار سياسات إدارة ترامب المتشددة بشأن إصدار التأشيرات، بما في ذلك للقادة والدبلوماسيين الذين يسعون لتمثيل بلدانهم في الأمم المتحدة.[2] 

فقد يكون لذلك القرار الرسمي من إدارة ترامب الأمريكية سبب رئيسي لإستفزاز المُرشد الأعلى الإيراني ودفعه للتصريح الفوري حول رفضه إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي لبلاده.وقال خامنئي إن المحادثات مع الولايات المتحدة تُمثّل "طريقًا مسدودًا تمامًا،  مُضيفًا : "أعلنت الولايات المتحدة نتيجة المحادثات مُسبقًا، والنتيجة هي وقف الأنشطة النووية والتخصيب، هذه ليست مفاوضات، إنها إملاءات، فرض"[3]، كما صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، إن هذه القيود الأمريكية، تهدف إلى "تعطيل الأداء الدبلوماسي الإيراني" خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة. واصفًا إياها بأنها "انتهاك صارخ" لالتزامات الولايات المتحدة بموجب اتفاقية مقر الأمم المتحدة لعام 1947. كما كتب بقائي على مواقع التواصل الاجتماعي: واصفًا هذه الإجراءات بأنها "مستوى جديد من الانحدار" في العداء الأمريكي تجاه الإيرانيين، وأفادت وكالة أنباء فارس الإيرانية شبه الرسمية بشكل منفصل أن معظم الطاقم الإعلامي للرئيس الإيراني رُفضت تأشيراتهم، ولم يتبقَّ سوى رئيس قسم الصحافة ونائبه لتغطية اللقاءات والفعاليات الإيرانية خلال الرحلة.[4]

<span style=
المرشد  الإيراني آية الله علي خامنئي

فقد أكد خامنئي في خطابه الذي استمر نصف ساعة تقريبًا أن تعليقاته ركزت فقط على أمريكا، وليس على أوروبا، وتعهد خامنئي مجددًا بأن إيران لا تسعى إلى امتلاك قنابل نووية. وقال: "ليس لدينا قنبلة نووية ولن نمتلك واحدة، ولا نخطط لاستخدام الأسلحة النووية". ومع ذلك، شدد خامنئي على أن الهجمات الإسرائيلية والأمريكية لن تُدمر المعرفة النووية التي اكتسبتها إيران على مدى عقودٍ من الزمن خلال الأزمة المحيطة بالبرنامج. وتعهد قائلًا: "لن يُدمر العلم بالتهديدات والقصف".

من وجهة نظر إيران، استخدمت إسرائيل والولايات المتحدة المفاوضات لخداع إيران -حيث استبقت إسرائيل المحادثات المقررة يوم 15 يونيو بشن هجوم يوم 13 يونيو، ومنح ترامب إيران أسبوعين للتفاوض، ليعود ويهاجمها بعد ثلاثة أيام بقصف مواقعها نووية، فقوضت هذه الخدع ما تبقى من ثقة لدى إيران بمحاوريها للتفاوض بحسن نية. علاوة على ذلك، أعرب كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وترامب عن رغبتهما في تغيير النظام في إيران.[5]

 

هل من تضارب بين المُرشد الأعلى والحكومة الإيرانية

في الثاني من يوليو2025، وقّع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قانونًا أقرّه برلمان بلاده، يُعلّق بموجبه جميع أشكال التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. جاء ذلك في أعقاب حرب إسرائيل التي استمرت 12 يومًا مع إيران في يونيو2025، حيث هاجمت خلالها إسرائيل والولايات المتحدة مواقع نووية إيرانية. ولكن الحديث المُتلفز للمُرشد الأعلى خامنئي-الحاكم لأكثر من 35 عام إيران بقبضة حديدية- بما احتواه من تصريحات يُشكل عراقيل لما يتخذه الرئيس الإيراني ووزير خارجيته من مساعي لفتح مسارات تفاهم مع مُمثلي الدول الأوروبية الثلاث فرنسا وبريطانيا وألمانيا بما يُحقق قدر من الدعم الأوروبي لإيران في برنامجها النووي ووضعها الاقتصادي. 

 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

أبعاد التوافق الإيراني الأوروبي

لطالما أصرت إيران على سلمية برنامجها النووي، على الرغم من أن الدول الغربية والوكالة الدولية للطاقة الذرية تُقيّم أن طهران كان لديها برنامج أسلحة نووية نشط حتى عام 2003. ففي 28 أغسطس، أطلقت مجموعة الدول الأوروبية الثلاث (E3) عمليةً مدتها 30 يومًا لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة، تنتهي في 27 سبتمبر ، متهمةً طهران بعدم الالتزام باتفاق عام 2015 مع القوى العالمية الهادف إلى منعها من تطوير سلاح نووي. وعرضت القوى الأوروبية تأجيل إعادة فرض العقوبات لمدة تصل إلى ستة أشهر لإفساح المجال أمام محادثات بشأن اتفاق طويل الأمد، شريطة أن تعيد إيران السماح لمفتشي الأمم المتحدة بالوصول إلى مواقعها النووية، وتعالج المخاوف بشأن مخزونها من اليورانيوم المخصب، وتنخرط في محادثات مع الولايات المتحدة.[6]

علمًا أنه في 9 سبتمبر، وقّعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة مع إيران اتفاقية بوساطة مصرية لتمهيد الطريق لاستئناف التعاون، بما في ذلك سبل استئناف عمليات تفتيش المنشآت النووية الإيرانية.

وعلى ذلك، أعربت الدول الأوروبية عن استعدادها لتمديد الموعد النهائي إذا استأنفت إيران المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي، وسمحت لمفتشي الأمم المتحدة النوويين بالوصول إلى مواقعها النووية، وأبلغت عن أكثر من (400 كيلوغرام) من اليورانيوم عالي التخصيب الذي تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها تمتلكه.

ختاماً:

 لا يمكن للنظام الإيراني أن يكون متأكدًا من أن التخلي عن برنامجه النووي سيكون كافيًا لمنع إسرائيل والولايات المتحدة من شن هجوم جديد. قد تحسب إيران أن أفضل سبيل للحفاظ على النظام يكمن في امتلاك سلاح نووي، مما قد يخلق رادعًا كما حدث في كوريا الشمالية. باختصار، بينما قد تعود إيران إلى طاولة المفاوضات، إلا أن الضربات الإسرائيلية الأمريكية بالإضافة للتعنت الأمريكي وإصرار إدارة ترامب على خلق حالة من الإهانة للدبلوماسيين الإيرانيين، أكدت على رؤية المُرشد الأعلى بالترصد الأمريكي، وأن أي مُفاوضات ليست سوي حالة من إلهاء إيران في محاولتها إعادة بناء برنامجها النووي المتضرر سرًا. ومع تزايد عزلتها، قد تحسب إيران أن أملها الوحيد في الحماية الآن هو الحصول على سلاح نووي.

 

نانسي طلال زيدان*

 كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية

 


المراجع


[1] Iran's supreme leader rejects direct talks with US over his country's nuclear program - ABC News, September 23, 2025

[2] Restrictions on the Iranian United Nations General Assembly (UNGA) Delegation’s Movement and Acquiring Items from Wholesale Club Stores and Luxury Goods - United States Department of State. September 22, 2025

[3] Iran’s Khamenei rejects direct talks with US over nuclear programme, 23 September 2025.

[4] Iran accuses US of harassing diplomats at UN with new restrictions | Iran International,24 September 2025

[5] The global implications of the US strikes on Iran | Brookings, July 1, 2025

[6] Iran, European powers struggle to reach deal over return of UN sanctions | Reuters,23 September 2025

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء