"حروب الظل".. قراءة في المعركة الاستخباراتية بين إسرائيل والحوثيين
في الـ20 من يوليو 2024، شنت مقاتلات إسرائيلية غارات ضد أهداف تقع قرب ميناء الحديدية اليمني الواقع ضمن المناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثي، ومنذ ذلك الحين لم تتوقف الهجمات الإسرائيلية ضد الجماعة بهدف إضعافها وتحييدها ومنعها من مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيرات تجاه إسرائيل، وهو ما لم يتم حتى الآن.
وخلال هجماتها التي تتم على فترات متقطعة، تمكنت إسرائيل من اغتيال رئيس الوزراء المعين من قبل جماعة الحوثي أحمد الرهوي وعدد آخر من الوزراء والقادة في الحكومة، وعُدت تلك الضربة واحدة من أكبر الضربات التي نفذتها تل أبيب ضد الحوثيين، وهدفت لتحييد منظومة القيادة والسيطرة التابعة للجماعة وشل قدراتها العملياتية، إلا أن هذا فشل أيضًا.

ويعزو الخبراء سبب فشل الضربات الإسرائيلية للحوثيين إلى عدة أسباب في مقدمتها نقص المعلومات الاستخباراتية عن الجماعة الذي يُعرف عمليا بمحدودية الاستخبارات، فتحليل الهجمات الإسرائيلية بما في ذلك المحاولات الفاشلة لاغتيال قادة عسكريين وكوادر بارزين بالجماعة يكشف أن إسرائيل ما زالت توجه مشكلة حقيقية في توفير المعلومات الاستخباراتية ومن ثم فإن هجماتها ضد الحوثيين تبقى محدودة الأثر من الناحية الاستراتيجية.
تركيز استخباراتي يتجاهل "الحوثي"
ولا يعد نقص المعلومات الاستخباراتية بشأن اليمن وجماعة الحوثي أمرًا مستغربًا، فالاستخبارات الإسرائيلية وشعبها المختلفة لم تولِ اهتمامًا كافيا للساحة اليمنية واعتبرتها جبهة ثانوية للغاية، طوال السنوات الماضية، وركزت الاستخبارات الإسرائيلية بشكل رئيس على إيران وحزب الله وسوريا وبدرجة أقل على حماس والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، قبل عملية طوفان الأقصى في الـ7 من أكتوبر 2023.
وتفاجأت تل أبيب وحلفائها بما في ذلك الولايات المتحدة بقدرة جماعة الحوثي على إرباك وتعطيل خطوط الملاحة العالمية مستفيدين من موقعهم الجغرافي قرب مضيق باب المندب، أحد نقاط الاختناق الهامة في مسارات التجارة العالمية، وموظفين لمواردهم العسكرية بما في ذلك الصواريخ والمسيرات ووحدات العمل الخاص التي سبق أن استولت على السفينة "جلاكسي ليدر" في نوفمبر 2023.
ولعل الأكثر إثارة للاهتمام هو قدرة الحوثيين على الصمود والتكيف بعد كل الضربات التي تلقوها سواء عن طريق الجيش الإسرائيلي وقواته الجوية، أو عن طريق تحالف حارس الازدهار الذي هو عبارة عن قوة بحرية متعددة الجنسيات شكلتها واشنطن ودول أوروبية وغيرها، أو عن طريق الولايات المتحدة التي قادت على مدار 53 يومًا، في الفترة من مارس: مايو 2025، عملية الراكب الخشن التي هدفت لتقويض قدرات الحوثيين العسكرية وضرب منظومة القيادة والسيطرة لدى الجماعة.

وبسبب التكلفة المادية العالية والتعقيدات العملياتية التي يفرضها مسرح العمليات ضد جماعة الحوثي ومحدودية النتائج التي حققتها عملية الراكب الخشن، اضطرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإبرام صفقة مع الحوثيين عن طريق سلطنة عُمان، أوقفت بمواجبها عملية الراكب الخشن، التي كلفتها نحو مليار دولار، مقابل تعهد الجماعة بعدم شن هجمات ضد السفن الأمريكية، بينما لم يشر الاتفاق إلى وقف العمليات الحوثية ضد إسرائيل، وبموجب هذا الاتفاق انسحبت الولايات المتحدة من العملية وواصل الحوثيون عملية إطلاق الصواريخ البالستية والمسيرات ضد أهداف إسرائيلية عدة.
محاولات إسرائيلية للتغلب على "نقص الاستخبارات"
وأمام هذه التطورات، وجدت إسرائيل أن عليها العمل بنفسها من أجل تقويض قدرات جماعة الحوثي ومنعها من مواصلة عملياتها التي تستهدف أهدافا حيوية داخل إسرائيل، فسعت للتغلب على مشكلة المحدودية الاستخباراتية بشأن العمليات على الساحة اليمنية، وأنشأت الاستخبارات الإسرائيلية العسكرية بتوجيه من قائدها الجنرال شلومي بيندر، وحدتين استخباريتين متخصصين في جمع المعلومات عن جماعة الحوثي، وضمت لها عشرات المحللين المكلفين بمهام بمتابعة أنشطة جماعة الحوثي.
وتركز الوحدتين الجديدتين على جمع المعلومات حول منظومات القيادة والسيطرة، ومصانع إنتاج الصواريخ والمسيرات، وقادة جماعة الحوثي العسكريين والسياسيين بهدف إنشاء بنك أهداف للعمل عليه مستقبلًا.
وعلى صعيد متصل، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية، في وقت سابق، أنها أطلقت قمر صناعي جديد لأغراض التجسس (أفيك- 19)، قائلةً إن تلك الخطوة ستمنحها قدرات إضافية للرصد في دول إيران، واليمن، والبحر الأحمر.
وبنظرة تحليلية للإجراءات الإسرائيلية المعلنة وكذلك للعمليات التي ضربت أهدافًا عدة في شمال اليمن حيث يسيطر الحوثيون، يتضح أن الاستخبارات الإسرائيلية تعمل على دمج استخبارات التصوير الجوي IMINT واستخبارات الإشارة SIGINT والاستخبارات البشرية HUMINT واستخبارات المصادر المفتوحة OSINT والسايبر Cyber بهدف سد الفجوات الاستخباراتية والتغلب على مشكلة المحدودية الاستخباراتية وبالتالي توجيه العمليات بشكل دقيق لتحقيق الأهداف العسكرية والسياسية المرسومة من قبل القيادة الإسرائيلية.
ويبدو أن إسرائيل توجه مشكلة فيما يتعلق بالاستخبارات البشرية، وليس هناك مؤشرات حتى الآن على أنها نجحت في تجنيد عدد كبير من اليمنيين وتوظيفهم ضد الجماعة، كما أن استخبارات التصوير الجوي مفيدة لكنها لا تفي بالغرض العملياتي عند استهداف أهداف متحركة كما يحد التمويه الذي تقوم به جماعة الحوثي من قدراتها، وبطبيعة الحال فإن الطبيعة الجغرافية الوعرة تساعد الحوثيين في ذلك، كما تحد من أثر الضربات الإسرائيلية على المواقع الاستراتيجية المدفونة في أعماق الجبال كبعض مصانع الصواريخ والمسيرات التي طورتها الجماعة بدعم إيراني.
ولعل الإعلان الإسرائيلي الأخير عن زيادة وتيرة تصنيع الصواريخ والمسيرات في مصانع الحوثي يشهد للفرضية السابقة. وبالإضافة لما سبق لا يمكن نفي أن تل أبيب تتعاون مع أجهزة استخبارات إقليمية ودولية وتتشارك معهم معلوماتهم حول اليمن وجماعة الحوثي، وهذا مصدر إضافي للمعلومات التي يمكن أن توظفها تل أبيب في عملياتها.
إجراءات حوثية مضادة
وفي المقابل، تحاول جماعة الحوثي أن تعمل على حرمان إسرائيل من الحصول على أفضلية استخباراتية كي تبقى العيون الإسرائيلية مكفوفة عن الساحة اليمنية، وفي هذا الإطار قامت الجماعة باستحداث جهاز استخباراتي سمته بـ"جهاز أمن الثورة"، كما كشف موقع "ديفينس لاين" في مايو الماضي، وهذا الجهاز على ما يظهر من المعلومات المتاحة عنه يعمل على تنسيق الجهد الاستخباري ويؤدي دور بارز في عمليات الاستخبارات المضادة ومكافحة التجسس.
ويُلاحظ أن جماعة الحوثي تحاكي النمط الإيراني في تنظيم الاستخبارات إذ أن لديها 5 أجهزة استخباراتية في اللحظة الحالية، وهي جهاز الأمن والمخابرات الذي ضمت له جهاز الأمن السياسي اليمني السابق (استخبارات داخلية) وجهاز الأمن القومي (استخبارات خارجية)، ومكتب الاستخبارات العسكرية، وجهاز استخبارات الشرطة الذي يقوده على الحوثي نجل مؤسس الجماعة، فضلا عن جهاز الأمن الوقائي الذي يحاكي جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني.
وفي الأوضاع الطبيعية قد يشكل تعدد الأجهزة الاستخباراتية مشكلة تؤدي إلى الحد من فاعلية الاستخبارات، ولعل هذا هو السبب الفعلي وراء إنشاء الحوثيين لجهاز أمن الثورة ليكون إطارا تنسيقيا لأجهزة الاستخبارات التابعة للجماعة وفي هذه الحالة فإنه سيعمل على حشد أجهزة الاستخبارات الحوثية وراء الأهداف الاستراتيجية للجماعة.
وعلى الأرض، زادت الجماعة من عمليات القبض والاعتقال التي طالت مدنيين يمنيين وكوادر سبق أن عملوا في منظمات دولية كالأمم المتحدة أو سفارات دول كالسفارة الأمريكية، فضلا عن توسيعها في تجنيد المتعاونين معها في الأحياء والتجمعات السكنية وتكليفها لهم بإمدادها بالمعلومات حول من يشتبهون في نشاطه، وذلك بهدف الحد من تسرب المعلومات الاستخباراتية لأطراف خارجية.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن حرب الظل الاستخباراتية بين إسرائيل وجماعة الحوثي ستتواصل، ومعها ستتواصل الغارات الإسرائيلية على اليمن والإطلاقات الصاروخية الحوثية ضد إسرائيل حتى حين آخر.
أحمد سلطان
باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب



