رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الهند والكيان الصهيوني.. شراكة استراتيجية أم رهانات مؤقتة؟

رئيس الوزراء الهندي
رئيس الوزراء الهندي ورئيس الوزراء الإسرائيلي

 

امتازت الحكومات الهندية المتعاقبة منذ الاستقلال بدعمها الثابت للقضية الفلسطينية في التصريحات الرسمية، ورغماً عن انطلاقها كدولة جديدة ما بعد الاستعمار، مُعبرة عن موقف تضامن عميق مع النضال الفلسطيني التحرري، إلا أنها تدريجياً ذهبت لاعتراف جزئي، تطور لمناصرة الكيان الصهيوني في بعض الأحيان، ذلك بسبب اعتبارات الواقعية السياسية، المتعلقة بتحسين العلاقات مع الغرب أو مواجهة باكستان من خلال نفوذ ودعم أكبر من دول الشرق الأوسط، وبمرور الوقت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتحرير الاقتصاد الهندي، تطورت هذه العلاقة المتناقضة إلى تعاون أكثر انفتاحًا مع إسرائيل قبل وصول حكومة مودي بوقت طويل. 

   "الهندوتفا" و"الصهيونية":-

إنما مُنذ انتخاب ناريندرا مودي رئيسًا لوزراء الهند عام 2014، ازداد الاهتمام الدولي بمفهوم "الهندوتفا"Hindutva أو القومية الهندوسية، التي يجسدها حزبه السياسي، حزب بهاراتيا جاناتا  (BJP)، علماً أن حركة "هندوتفا" التي صاغ فكرتها في عشرينات القرن الماضي "سافاركار" في كتابه "أساسيات الهندوتفا"، تعني محورين مُمتزجين الأول "الهندوسية"، بمعناها القومي كأيديولوجية سياسية تؤكد أن الهوية والثقافة الوطنية الهندية لا تنفصلان عن الديانة الهندوسية؛ والثاني بمعنها كحركة سياسية يمينية تدعو إلى القومية الهندوسية كوسيلة لتحقيق دولة هندوسية خالصة في الهند، تعكس انتماءً محليًا رافضاً الديانات الأصلية الأخرى، وقد عُبر عن "الهندوتفا" كنتيجة لإعادة تأكيد الهند وأنتمائها لذاتها ما بعد  فترات من الاستعمار والحكم المغولي و البريطاني، ومع الزمن جعلت الهند من فكر الحركة انتماء ديني سياسي كغُلاف للدولة الهندية، ومع تقسيم الهند البريطانية عام 1947 إلى دولتين: الهند وباكستان (ثم بنغلاديش اعتبارًا من عام 1971)، فأصبحت الهند دولة ذات أغلبية هندوسية، و باكستان دولة ذات أغلبية مسلمة، وترسخت حالة العداء الطائفي المُحملة بإرث تاريخي حتي يومنا هذا. 

بعدما سبق، نعم ما يتبادر لأذهاننا صحيح وجداً، أن "الهندوتفا" الأيديولوجية الحاكمة للهند كدولة بمفهوم القومية الهندوسية تتطابق في سماتها وأبعادها مع الأيديولوجية الصهيوينية الحاكمة لإسرائيل كدولة جعلت من دين اليهودية مفهوم وطن قومي لليهود. 

 

  الهند وإسرائيل من الجمود الدبلوماسي للشراكات الاستراتيجية:

في أعقاب نكبة 1947-1949، لم يتواجد كيان سياسي مُستقل يُمثل الفلسطينيين، إلا أنه بدأ الترتيب الدولي لبلورة إسرائيل، فكان الاتحاد السوفيتي أول دولة تعترف قانونياً بإسرائيل في مايو 1948 لذا لم يُبدِ الحزب الشيوعي الهندي، الذي كان آنذاك القوة المعارضة الرئيسية، أي اعتراض على قرار نهرو بالاعتراف بإسرائيل في عام 1950، خاصة وأنه كانت الدولتان المسلمتان، إيران وتركيا، قد اعترفتا بالفعل بإسرائيل. واعترفت الهند بباكستان بعد التقسيم، فلماذا لا تعترف بإسرائيل؟ علاوة على ذلك، في سبتمبر 1950، أنشأت الوكالة اليهودية مكتباً للهجرة في بومباي، نظراً لوجود نحو 60 ألف يهودي (بيني وبغدادي) يقال إنهم هاجروا إلى الهند، وقد تم تحويل هذا المكتب في وقت لاحق إلى مكتب تجاري، ثم في عام 1953 أصبح قنصلية صغيرة. علاوة على ذلك، قُبلت إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة في مايو 1949، وكشرط لدخولها، قبلت القرار 194 بشأن "حق العودة" للفلسطينيين النازحين-وهو ما لم تفعله قط بالطبع-وفي احترام جزئي للمشاعر العربية، امتنعت الهند عن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل.

وعلى الرغم من الجمود الدبلوماسي، كانت هناك تفاعلات كبيرة وراء الكواليس بين الهند وإسرائيل. توفي نهرو في مايو 1964، ولكن خلال حرب عام 1962 مع الصين، تلقت الهند قذائف هاون ثقيلة وذخائر من إسرائيل، واشترت المزيد من الأسلحة منها خلال الحروب الهندية الباكستانية في عامي 1965 و1971. بتوالي العصور ورَغماً عن الصراعات الإقليمية، تواصل التقارب الهندي الإسرائيلي في الازدياد وصولاً لمستوي من الشراكة الاستراتيجية في مُختلف مجالات الدفاع والتكنولوجيا والتجارة. في سبتمبر 2025، وقّعت الدولتان معاهدة استثمار ثنائية جديدة (BIT) لتعزيز تدفقات الاستثمار، مع استمرار المفاوضات بشأن اتفاقية تجارة حرة أوسع نطاقًا.

 

<span style=
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو 

 صديق إسرائيل المُقرب: ناريندرا مودي رئيساً لوزراء الهند

 

شهدت العلاقات الدبلوماسية الرسمية منذ عام 1992، والتي تسارعت في عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي، تحولًا كبيرًا، لا سيما بعد زيارته لإسرائيل، في عام 2017 أصبح مودي أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل رسميًا لمدة ثلاثة أيام، حيث تم ترقية العلاقة رسميًا إلى "شراكة استراتيجية". كما كسر تقليدًا راسخًا أسسته زيارات رسمية هندية سابقة بعدم زيارة القيادة الفلسطينية في الأراضي المحتلة. وبالتالي، تم إرسال رسالة متعمدة مفادها أن القضية الفلسطينية غير ذات صلة بالأساس فيما يتعلق بالعلاقات الهندية الإسرائيلية. ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، كان هذا هو الوقت الذي أبرمت فيه حكومة مودي صفقة لشراء بيغاسوس -برنامج التجسس العسكري الذي توفره شركة إسرائيلية، NSO، والذي يُباع للحكومات فقط.  في عام 2018، اكتشف مختبر Citizen Lab التابع لجامعة تورنتو أنه يُستخدم لتثبيت برامج ضارة وتنفيذ عمليات مراقبة في) 45 دولة (بما في ذلك الهند؛ ومرة أخرى في عام 2021، استُخدمت بشكل غير قانوني على ما لا يقل عن (300 هندي)، بمن فيهم نشطاء في مجال حقوق الإنسان وصحفيون ينتقدون نظام مودي، وعلى راهول غاندي، زعيم حزب المؤتمر، ولم تُنكر الحكومة الهندية هذا الشراء أو تؤكده قط، بل وتخلت المحكمة العليا عن مسؤوليتها في المطالبة بإجابة واضحة. 

في 10 فبراير 2018، زار مودي رام الله لمدة ثلاث ساعات والتقى محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية. وهناك، صدر الإعلان الهندي الرسمي القياسي طويل الأمد الذي يدعم دولة فلسطينية "ذات سيادة ومستقلة". ولكن أسقط هذا البيان جميع الإشارات إلى دولة فلسطينية "موحدة" ولم يذكر القدس الشرقية عاصمة لها. فكان المضمون واضحًا، بأن نيودلهي تقبل حل الدولتين بأي شروط تفضلها إسرائيل.

 فلم تُبدي الهند أبدًا انزعاج أخلاقيًا أو سياسيًا من العنف الإسرائيلي ضد المدنيين، سواء كان الحصار الوحشي لغزة أو الطريقة التي تتوسع بها المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية. بينما أدانت الهند هجمات 7 أكتوبر 2023 في إسرائيل. وأكدت حكومة مودي بشدة عن دعمها الكامل لإسرائيل. ومع استمرار الإبادة الجماعية، تُطلق نيودلهي أحيانًا، بلغةٍ مُبهمة عباراتٍ مُقتضبه حول الترحيب بوقف إطلاق النار وتقديم المساعدات الإنسانية، إلا إن الجدير بالذكر أن الشركات الهندية، بموافقةٍ حكوميةٍ كاملة، أرسلت آلاف العمال المهاجرين ليحلوا محلّ العمالة الفلسطينية، لا سيما في قطاع البناء 

في الواقع، على الرغم من توقيع الهند وتصديقها على اتفاقية الإبادة الجماعية، إلا أن حكومة مودي رفضت الموافقة على مبادرة جنوب إفريقيا، أو حتى التعليق عليها، بدعوة محكمة العدل الدولية (الهند عضو فيها) للتحقيق في الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة والبت فيها. وهنا لا يُمكننا إغفال مفهوم "الهندوتفا"Hindutva المُسيطر على العديد من قطاعات المجتمع الهندوسي وأغلبية الناخبين، وتوجههم الفكري بانه لماذا نهتم بتناول قضية سياسة خارجية، خاصة أنها تعني للمجتمع الهندي الهندوسي بأنها "استرضاء للمسلمين ".

على نحو أخر، يَنظر مودي لإسرائيل إنها السبيل الأسرع والأضمن لتوطيد علاقات الهند بالولايات المُتحدة، وطالما كان هناك اهتمام بتنشيط الجالية الهندية هناك للمساعدة في هذا المسعى، فاستثمرت حكومة مودي جهودًا وموارد كبري عبر منظمات المجتمع المدني التابعة بحركة "الهندوتفا"، والتي لها فروع في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لتوسيع قاعدة دعمها هناك، ونجحت فعلاً في تحقيق نمو نسبي لنفوذ جماعات الضغط القومية الهندوسية في الولايات المتحدة، 

فتُعتبر لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية (ISA) من قِبَل العديد من هذه المجموعات، بما في ذلك لجنة العمل السياسي الأمريكية الهندية (USINPAC) ومؤسسة الهندوس الأمريكيين (HAF)، اللتين يُفترض أنهما ثنائيتا الحزبية، نموذجًا يُحتذى به. وقد نمت العلاقات بين هذه المجموعات ولجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) واللجنة اليهودية الأمريكية (AJC)، بتشجيع من حكومة مودي وإسرائيل تحت المظلة السياسية لمبنى الكابيتول الذي أصبح أكثر محافظة ومعاداة للإسلام بمرور الوقت.

التعاون الاقتصادي:

في الثامن من سبتمبر الحالي، وقّعت الهند وإسرائيل معاهدة استثمار ثنائية في نيودلهي، برئاسة وزير المالية الإسرائيلي بيزاليل سموتريتش ونظيرته الهندية نيرمالا سيتارامان، تهدف المعاهدة إلى "توفير مزيد من اليقين والحماية للمستثمرين، وتسهيل نمو التجارة والاستثمارات المتبادلة". كما تتضمن المعاهدة أحكامًا لحماية الاستثمارات من المصادرة، وضمان سلاسة انتقال رؤوس الأموال، وتقديم تعويضات عن أي خسائر ناتجة. ووصف سموتريتش الاتفاق على منصة "X" بأنه "خطوة استراتيجية مهمة نحو رؤيتنا المشتركة"، علماً بأنه تبلغ الاستثمارات الثنائية بين إسرائيل والهند حاليًا (800 مليون) دولار فقط، وهو رقم متواضع مقارنةً بحجم التبادل التجاري السنوي بينهما الذي يقارب (4 مليارات) دولار. 

التعاون الدفاعي:

تُعدّ مجموعة أداني، وهي تكتل هندي يضمّ شركاتٍ متنوعة، من الموانئ البحرية إلى المطارات، ومن الطاقة المتجددة إلى الغاز، ومن مراكز البيانات إلى الإعلام، بالإضافة إلى سلعٍ متنوعة، محور هذه العلاقة. وقد شهدت المجموعة، بقيادة غوتام أداني، ثاني أغنى رجل في الهند، توسعًا هائلًا في السنوات الأخيرة. وقد مكّنه قرب أداني من مودي وحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم من إبرام صفقات تجارية مُربحة في الهند وخارجها؛ وكثيرًا ما اتُهم مودي بممارسة الضغط لدعم أداني. وبصفتها أكبر مستورد للأسلحة في العالم، أصبحت الهند المشتري الأكثر موثوقية لإسرائيل، حيث تُمثّل) 37% (من إجمالي صادراتها من الأسلحة. بالإضافة لمجموعة أداني انضمت شركات هندية أخرى لدعم إسرائيل، مثل بهارات فورج وتيك ماهيندرا، فتُوفر شركة تونبو إميجنج الهندية الناشئة أنظمة قنابل دقيقة التوجيه، كما دخلت شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية (IAI) في شراكة مع شركة هندوستان للملاحة الجوية المحدودة لتحويل طائرات بوينج-767 إلى ناقلات وقود للقوات الجوية الهندية.

في السنوات الأخيرة، أصبحت الهند المشتري الأكثر موثوقية لإسرائيل. بين عامي(2001-2021)، استوردت الهند أسلحة إسرائيلية بقيمة (4.2 مليار) دولار .كما يشمل تعاون الهند الدفاعي مع إسرائيل مشاريع مشتركة مثل Adani-Elbit UAV منشأة أداني-إلبيت للطائرات المسيّرة في حيدر أباد. عززت هذه الشراكة عمليات الاستخبارات والمراقبة الهندية على طول حدودها مع باكستان والصين، مما سلّط الضوء على الفوائد العملية لهذا التعاون. كما أشار بعض المراقبين إلى أن الصراع بين إسرائيل وحماس قد خلق فرصًا لإزدهار صادرات الدفاع الهندية، مع اعتماد الشركات الإسرائيلية بشكل أكبر على الموردين الهنود

على نحو أخر، يتجاوز تعاون أداني مع إسرائيل مجال الأسلحة. ففي يناير 2023، اشترت موانئ أداني ميناء حيفا الإسرائيلي مقابل (1.2 مليار) دولار. فيُعدّ هذا الميناء محوريًا للممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC)، الذي يربط مناطق رئيسية من الهند إلى أوروبا عبر شبه الجزيرة العربية إلى إسرائيل. كما تُسيطر أداني على ميناء موندرا، وهو الأكبر في الهند، في ولاية غوجارات. وقد مثّل هذا الترتيب طريقًا بديلًا للتحايل على حصار البحر الأحمر الذي فرضته قوات أنصار الله (الحوثيين) في اليمن. ويمكن شحن البضائع من موندرا إلى الإمارات، ثم نقلها برًا إلى إسرائيل.

 في عام 2022، وخلال زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك بيني غانتس، وقّع هو ونظيره اتفاقية "رؤية الهند-إسرائيل للتعاون الدفاعي"، التي وضعت خارطة طريق شاملة تمتد لعشر سنوات لتعزيز التعاون في مجالات تكنولوجيا الدفاع الناشئة. ذلك بالإضافة لاتفاقية الابتكار الثنائية المبرمة في نوفمبر 2021 بين منظمة البحث والتطوير الدفاعي الهندية ومديرية البحث والتطوير الدفاعي الإسرائيلية لتعزيز الابتكار والبحث والتطوير. وعلاوة على ذلك، تتمتع الهند وإسرائيل بتعاون ثنائي قوي في مجالات مثل المياه والزراعة ومكافحة الإرهاب، فتُزيد الشركات الهندية الكبرى استثماراتها في منظومة الابتكار الإسرائيلية، كما تستثمر الشركات الإسرائيلية في قطاعات هندية مثل الطاقة المتجددة وتكنولوجيا المياه.

 

التطبيع الهندي الإسرائيلي
التطبيع الهندي الإسرائيلي

 

     الهند وإسرائيل والخليج العربي: 

(أ)   الهند ومجلس التعاون الخليجي

يُعد مجلس التعاون الخليجي شريك تجاري واستثماري رئيسي للهند. وبينما تربط الهند علاقات اقتصادية وسياسية وثيقة بجميع الدول، إلا أن علاقات الهند التي ترقي لشراكة استراتيجية مع السعودية، الإمارات، وعُمان فقط. تجمع العلاقات عدة محاور : -

1-  أمن الطاقة: حيث يُسهم مجلس التعاون الخليجي بنسبة (35%) من واردات الهند من النفط، و(70%) من واردات الغاز.

2- الطاقة المتجددة: فترغب دول مجلس التعاون الخليجي في الاستثمار في الهند في مجالات الغاز الطبيعي، والهيدروجين الأخضر، وتقنيات الطاقة النظيفة. كما استثمرت شركات القطاع العام الهندية في الطاقة/التقنيات الخضراء في دول مجلس التعاون الخليجي. 

3-  البنية التحتية الرقمية العامة في الهند: تعمل الهند مع دول مجلس التعاون الخليجي لإنشاء بنية تحتية رقمية عامة للتجارة الثنائية بالعملات المحلية. ويجمع الطرفين تشاور لتطبيق نظام UPI الهندي، ومنصات الدفع المتكاملة بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي .

4-  التجارة والاستثمار: حيث يُساهم دول مجلس التعاون الخليجي بنحو سدس إجمالي تجارة الهند. ومع ذلك، تهيمن الإمارات والسعودية على التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر من دول مجلس التعاون الخليجي. كما تعاني الهند من عجز تجاري كبير مع دول مجلس التعاون الخليجي، ويعزى ذلك إلى اعتماد الهند على دول مجلس التعاون الخليجي في واردات النفط والغاز.

جدير بالذكر أنه في 19 سبتمبر الحالي، صرح وزير التجارة والصناعة الهندي، بيوش غويال ، بأن الهند وصلت إلى مرحلة متقدمة من مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع عُمان، وأنها منفتحة بالتأكيد على شراكات تجارية مماثلة مع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. وفي حديثه لوسائل الإعلام خلال زيارته للإمارات، حيث حضر الوزير الاجتماع الثالث عشر لفريق العمل المشترك رفيع المستوى للاستثمار بين الإمارات والهند، قال: "نحن الآن في مرحلة متقدمة من الحوار مع عُمان (بشأن اتفاقية التجارة الحرة)، والذي من المتوقع أن يُختتم قريبًا. وقد أبدت بعض الدول الأخرى اهتمامها. ونحن بالتأكيد منفتحون على اتفاقيات التجارة الحرة مع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى". وفقًا للبيانات الرسمية، تُعدّ دول مجلس التعاون الخليجي حاليًا أكبر شريك تجاري للهند، حيث بلغت قيمة التجارة الثنائية في السنة المالية 2021-2022 أكثر من (154 مليار) دولار أمريكي، حيث بلغت قيمة الصادرات حوالي (44 مليار) دولار أمريكي، والواردات حوالي (110 مليارات) دولار أمريكي (33.8 مليار دولار أمريكي من الصادرات غير النفطية، و37.2 مليار دولار أمريكي من الواردات غير النفطية). 

   مبادرة "I2U2"

رحبت نيودلهي باتفاقيات إبراهيم لعام 2020 كخطوة إيجابية إلى الأمام لمزيد من تطبيع العلاقات في الشرق الأوسط، وفي 14 يوليو 2022، تم تأسيس مجموعة هندية إسرائيلية إماراتية أمريكية تُعرف أيضًا باسم I2U2 رسميًا لأغراض اقتصادية مشتركة. ذلك بعد ساعات، بِيعَ ميناء حيفا (أهم ميناء في إسرائيل) لشركة موانئ أداني لتشغيله بالاشتراك مع شركة جادور الإسرائيلية. رأت الهند في هذا التجمع فرصةً لتوسيع نطاقها الاستراتيجي غربًا، مُكملةً بذلك تركيزها التقليدي على شرق آسيا، ومُعززةً علاقاتها الاقتصادية العميقة مع شركاء محوريين مثل الإمارات وإسرائيل. رحّبت إسرائيل، المعزولة إقليميًا تاريخيًا، بمبادرة "I2U2" كمنصة لتعزيز علاقاتها المالية والدبلوماسية مع جنوب آسيا والخليج. وبالنسبة للإمارات العربية المتحدة، فإن مشاركتها في هذا التجمع تنسجم تمامًا مع رؤيتها الوطنية في أن تصبح مركزًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا عالميًا. 

المشروع يشمل جدول أعماله الطاقة الخضراء، والأمن الغذائي، والابتكار التكنولوجي المتقدم، وتطوير البنية التحتية، والتعاون الدفاعي ومن أكثر المشاريع طموحًا في إطار I2U2 مبادرة مجمع الأغذية المتكامل الهندية، الممولة من الإمارات، بقيمة ملياري دولار. يهدف هذا المشروع إلى تعزيز إنتاج الغذاء وكفاءة سلسلة التوريد بشكل كبير باستخدام التقنيات الزراعية الإسرائيلية والخبرة اللوجستية الأمريكية. فبالنسبة للهند والإمارات، جاءت الشراكة الاستراتيجية الرباعية بشكل ثُنائي عميق بالفعل بعلاقات تُجارية مُتنوعة، بدءًا من الموانئ والخدمات اللوجستية وصولًا إلى مشاريع الطاقة المتجددة. ولكن الولايات المتحدة رأت في المنتدى وسيلةً لربط استراتيجياتها في الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. 

يُعتبر الأمر الذي أُدرج محل التنفيذ مع إنطلاق الفكرة هو تبادل البيانات والتكامل التكنولوجي وتطوير التطبيقات. بالإضافة إلى ذلك، وُقعت مذكرة تفاهم مع مجلس الأعمال الأمريكي الإماراتي، ومجلس الأعمال الإماراتي الهندي، ومجلس الأعمال الإماراتي الإسرائيلي، لإنشاء شراكة تشجع الاستثمار والابتكار في مختلف المبادرات، مما يعزز الوعي بـ I2U2 داخل مجتمعات الأعمال.

     مصالح متقاطعة 

علاوة على ذلك، تُضيف المواقف المتباينة بين أعضاء مجموعة I2U2 تجاه القوى الخارجية مثل الصين وإيران مزيدًا من التعقيد. تتشاطر الولايات المتحدة والهند مخاوفهما بشأن توسع النفوذ العالمي للصين، بينما تحافظ إسرائيل والإمارات على علاقات اقتصادية قوية مع الصين. ونتيجةً لذلك، تجنبت المجموعة بحذر اتخاذ موقف صريح ضد الصين، مُركزةً بدلاً من ذلك على التعاون الاقتصادي البنّاء. تُمثل إيران تحديًا دقيقًا بالمثل. تعتبر إسرائيل والولايات المتحدة طهران خصمًا إقليميًا، بينما تتبنى الهند والإمارات نهجًا أكثر توازنًا وواقعية تجاه إيران. حتى الآن، نجح تحالف I2U2 في تجزئة هذه الاختلافات الجيوسياسية، مركّزًا بشكل صارم على الأهداف الاقتصادية والتنموية المشتركة. ويبقى السؤال المحوري لمستقبل تحالف I2U2 هو قدرته على التطور إلى ما هو أبعد من مجرد التعاون في مشاريع محددة، ليصبح كيانًا استراتيجيًا أكثر شمولًا. يوفر هيكله غير الرسمي حاليًا المرونة اللازمة، مما يسمح للأعضاء بالتكيف بسرعة مع الظروف الجيوسياسية المتغيرة. ومع ذلك، قد تُشكّل هذه المرونة أيضًا نقاط ضعف، حيث يمكن للصدمات الداخلية أو الخارجية، مثل الصراع الأخير الذي تورطت فيه إسرائيل، أن تؤثر بسرعة على استمرارية العمليات.

على نحو أخر، أكد التوقف العملياتي الناجم عن أحداث العامين الماضيين -من حرب غزة وهجمات الحوثيين إلى المواجهة الهندية الباكستانية في مايو 2025 -على حساسية مجموعة I2U2 للتطورات الجيوسياسية الإقليمية. 

     مشروع الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-الأوروبي (IMEC)

 أُطلِقَ مشروع الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-الأوروبي (IMEC) في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في 9 سبتمبر 2023، وذلك بتوقيع مذكرة تفاهم بين الهند والولايات المتحدة والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي. إلا أنه لم يبدأ العمل بعد، بسبب العوائق اللوجيستية وتفاقم حرب غزة بالإضافة للإضرابات الإقليمية الأخرى، إلا أن المشروع يستهدف بلورة إطار عمل الممر شبكة من البنى التحتية تمتد من الهند إلى أوروبا، مع ربط موانئ الخليج بالسكك الحديدية عبر السعودية والأردن وإسرائيل، ثم بحرًا إلى الموانئ الأوروبية. ومن الناحية الجيوسياسية، وُصف ممر التجارة الدولي (IMEC) بأنه الرد الأمريكي على مبادرة الحزام والطريق الصينية.

على الرغم من التعقيدات، دأبت الهند على تعميق علاقاتها الثنائية استراتيجيًا مع العديد من نقاط التقاء الممر الرئيسية، بما في ذلك الإمارات والسعودية وإسرائيل، فبالإضافة لمعاهدة استثمار ثنائية وقعتها الهند مع الإمارات عام 2025، ففي أبريل 2025، زار رئيس الوزراء الهندي مودي السعودية، لتوسيع الشراكة الاستراتيجية الهندية السعودية، وصياغة مشاريع جديدة كبرى في مجال الطاقة والاستثمار. كما وقّع الزعيمان اتفاقيات تعاون في مجالات الفضاء والصحة والرياضة والخدمات البريدية، وأنشأا لجانًا وزارية لإدارة العلاقات السياسية والدفاعية والاقتصادية والثقافية. في هذا السياق، يمكن اعتبار المعاهدة الإسرائيلية الهندية، على الرغم من كونها ثنائية، خطوةً نحو الحفاظ على مفهوم IMEC حيًا، حتى مع بقاء أسسه السياسية غير مؤكدة. 

      الهند والخليج سياسياً:

من مُنطلق البرجماتية السياسية أدانت الهند القصف الإسرائيلي في الدوحة -إدراكاً منها لهول الواقعة على حسابات دول الخليج الأمنية والتي هي شديدة الحرص علي تنامي علاقاتها بهم-ووصفه بأنه "انتهاك للسيادة"، مما نظر له المُراقبون على إنه تحولاً عن مواقفها الأكثر هدوءاً تجاه العمليات الإسرائيلية السابقة في دول أخرى، مما دفع البعض إلى التساؤل عما إذا كان هناك تغيير أكبر في موقف نيودلهي من الأزمة في غرب آسيا. ومع ذلك، قال خبراء إنه في حين أن الصياغة القوية للبيان تُشير إلى تزايد القلق إزاء تزايد الخسائر المدنية في حرب غزة، فإن تدخل الهند يرتبط أكثر بعلاقاتها الوثيقة مع منطقة الخليج، أكثر من ارتباطه بتأكيد مبادئ السيادة والسلامة الإقليمية. وقد أصبح هذا الأمر بالغ الأهمية، بالنظر إلى مخاوف نيودلهي بشأن اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان .

     الخاتمة:

بناءاً على ما سبق، يتضح لنا أن العلاقة بين الهند وإسرائيل قائمة علي تشابك عقائدي إيديولوجي للترابط شديد العمق بين "الهندوتفا" و "الصهيوينية"، لذا علينا أن نُدرك ونعلم جيداً أن التوافق والانتماء الإيديولوجي لا يجُبه توافق أخر مهما تعددت المصالح، أو إتبعت الدول أقصي البرجماتية في سياساتها. بالإضافة لحالة التزاوج والتوأمة التي تحققت بين الدولتين على مدار عقود من الزمن، فتري الهند عن اقتناع أن إسرائيل والولايات المتحدة جسم واحد، دأبت على مدار سنوات أن تتشابك تحت ظلالهم، وبات تقاربها لهم حيوي. 

ولذلك في ظل وجود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علي رأس الحكومة الإسرائيلية بتفكيره وسلوكه التصعيدي رغماً عن كل مُحاولات الإقليمية والدولية لتهدئة المنطقة ووقف نيران الحرب، ووجود دونالد ترامب مُتصدر الرئاسة الأمريكية، وهو في حالة إنصياع تام للرغبات الإسرائيلة، ليس من المُستبعد إيجاد ذرائع توسيع الحرب، خاصة بعد تصريحات تنتياهو بأنه سيرد علي إعترافات الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية بإعتزامه ضم غور الأردن، فليس مُستبعد أيضاً استخدام الجانب الصهيوأمريكي للهند، وخاصة بعد انعقاد الاتفاق الدفاعي السعودي الباكستاني، الذي أثار مخاوف لدي الهند مازالت في طي المُراقبة والحسابات.

وإنما نختتم الدراسة بتوصية للدول الإسلامية من نطاق الشرق الأوسط وصولاً للامتداد الأسيوي شرقاً، وشمال إفريقيا غرباً، أنه بات من الضروري التنسيق السياسي والدبلوماسي وحتى الاستعداد للتنسيق العسكري، لأنه شئنا أم أبينا نحن جميعاً أمام حرب دينية، وإن كُنا نؤمن بالأوطان وإنما أعدائنا يتوسعون في اكتساح الأرض وتعظيم النفوذ، وامتلاك قوة السلاح بغرض اجتياح الأرض، ولا ننسي تصريح ترامب مُنذ أوائل أيام ولايته حول إن إسرائيل دولة شديدة الصِغر، في إشارة صريحة لدعمه الواضح والمُستمر لنتنياهو رغماً عن أن كل سياساته المُتبعه تضمن غرق إسرائيل أكثر نجاتها.

نانسي طلال زيدان*

 كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء