رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قطر والوساطة تحت السقف الأمريكي

وفد حركة حماس مع
وفد حركة حماس مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي

لم يكن الاستهداف الإسرائيلي لمكتب لحركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة مجرد تصعيد عابر، بل يبدو أنه رسالة إقليمية واضحة مفادها أن عودة المحور الإيراني إلى قلب المنطقة مرفوضة بالكامل، سواء عبر الحضور العسكري أو السياسي أو الرمزي.

 

الوسيط النظيف

 

الهجوم جاء بعد أيام من نشر صور اجتماع المكتب السياسي لحماس مع وفد إيراني رفيع المستوى في الدوحة. هذا التوقيت ليس مصادفة، بل يعكس فهمًا إسرائيليًا–غربيًا بأن الدوحة بدأت تتحول مجددًا إلى منصة لمحور المقاومة، الأمر الذي يُنظر إليه كتهديد إقليمي يتطلب ردًا استباقيًا.

ورغم العلاقات المعقدة بين إسرائيل وقطر، فإن هذا الهجوم حمل تحذيرًا مبطنًا للدوحة: إما أن تعود قطر للعب دور الوسيط "النظيف" كما ترغب به واشنطن وتل أبيب، أو تتحمّل تبعات احتضان قيادات حماس وتسهيل التواصل مع طهران.

من هنا، يمكن القول إننا أمام ملامح تفاهم غير معلن يتم تشكيله، يتضمن: تهدئة أو هدنة إنسانية قريبة في غزة، وإعادة تفعيل الدور القطري كوسيط مقبول إسرائيليًا وأمريكيًا، وخروج تدريجي وغير معلن لقيادات بارزة في حماس من الدوحة، بطريقة تحفظ ماء وجه الجميع، ولا تُظهر أن الدوحة رضخت للضغوط.

 

تقليص الدور الإيراني

 

 الهجوم في الدوحة لم يكن فقط ضربة عسكرية، بل تحولًا سياسيًا يعيد رسم خطوط النفوذ في الخليج. والنتيجة المرجحة : تقليص الدور الإيراني عبر أدوات حماس، مع استعادة قطر لموقع الوسيط الدولي لكن بشروط جديدة، وإعادة ضبط علاقة حماس بالمشهد الإقليمي في ظل واقع أكثر تعقيدًا.

الهجوم الإسرائيلي في قلب الدوحة لم يكن مجرد حدث عسكري استثنائي، بل نقطة تحوّل في هندسة التحالفات الإقليمية. فهو يُعيد رسم حدود الأدوار بين اللاعبين الرئيسيين في الشرق الأوسط، ويبعث برسالة مزدوجة: لا تسامح مع امتدادات المحور الإيراني، ولا استقرار في غزة إلا ضمن ترتيبات تضمن أمن إسرائيل وتحييد حماس سياسيًا. وفي خضم ذلك، يبدو أن قطر تتجه نحو تعديل موقعها الإقليمي بحذر، لتبقى لاعبًا رئيسيًا، لكن ضمن هوامش أقل اتساعًا مما كانت عليه سابقًا. ما جرى في الدوحة قد يكون بداية لمرحلة جديدة.. عنوانها: الوساطة تحت السقف الأمريكي.

على الجانب الأخر صعدت وسائل الإعلام الإسرائيلية بالترويج المكثف لما تصفه بـخطر تهريب السلاح من شبه جزيرة سيناء إلى غزة، سواء عبر الأنفاق أو من خلال الطائرات المسيرة، هذا التناول الإعلامي المكثف لم يكن معزولًا عن أهداف استراتيجية بعيدة المدى، إذ يأتي في سياق التمهيد الإسرائيلي لإعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية والسياسية المحيطة بقطاع غزة، وتحديدًا في منطقة رفح الحدودية.

 

سردية تهريب السلاح

 

إسرائيل تسعى لتوظيف سردية تهريب السلاح كأداة لتبرير: إقامة منطقة عازلة ممتدة على طول الحدود مع مصر، وتشديد الحصار على قطاع غزة وتحويله إلى كيان مفصول جغرافيًا وعسكريًا، وفرض واقع أمني جديد في رفح يُسهّل الرقابة ويُعقّد العلاقة بين غزة وعمقها العربي.

وفي إطار هذا التضخيم الكاذب يتم بث متكرر لتقارير عن تهريب أسلحة متطورة، وعرض صور لطائرات مسيرة يُزعم استخدامها لنقل الذخيرة، وربط عمليات التهريب بـالتهديد الإيراني لإضفاء بُعد إقليم، وتعبئة الرأي العام الإسرائيلي لتقبل إجراءات عسكرية جديدة، فضلا عن أن إسرائيل لا تتعامل مع ملف التهريب كخطر أمني فقط، بل كفرصة استراتيجية لإعادة رسم الحدود وفق اعتبارات أمنية طويلة الأمد.

 الهدف الإسرائيلي يتمثل في قطع خطوط الإمداد، وعزل قطاع غزة تمامًا عن عمقه المصري، و فرض أمر واقع يضعف خيار الدولة الفلسطينية الموحدة، وكسب تعاطف العالم عبر تقديم نفسها كدولة تحت التهديد الدائم .

تداعياتها هذه المزاعم والإجراءات يرتكز في إطار خنق إضافي لقطاع غزة: عبر تقييد حركة الأفراد والبضائع وزيادة عزلة القطاع، وتحويل رفح إلى شريط حدودي معسكر: يقلل من فرص التنمية أو الحركة الطبيعية، وتوسيع شرخ العلاقات الفلسطينية-المصرية: نتيجة ضغوط إسرائيلية محتملة على القاهرة.

ما يبدو كقضية أمنية متعلقة بتهريب السلاح ليس سوى واجهة لمخطط استراتيجي أوسع، لا سيما أن التضخيم الإعلامي الإسرائيلي ليس بريئًا، بل يُمهّد لتغييرات ميدانية على الأرض تستهدف تحويل قطاع غزة إلى كيان معزول ومحاصر بالكامل.

د. سعيد محمد أبو رحمة

كاتب وباحث فلسطيني- قطاع غزة 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء