رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

فيديو قديم يعيد فتح ملف "مفتي الأسد"هل خان ثقة والده العالم الصوفي؟تقرير

احمد حسون
احمد حسون

بالتزامن مع صدور الحكم بالسجن المؤبد بحق مفتي الجمهورية السورية السابق أحمد بدر الدين حسون، عاد إلى الواجهة مقطع فيديو قديم لوالده الشيخ الصوفي الراحل محمد أديب حسون، يتحدث فيه عن علاقة علماء الدين بالسلطة والحكام، ويحذر من أن يتحول العالم إلى تابع للسلطة أو أداة في يد الحاكم.

ويكتسب المقطع أهمية خاصة اليوم، ليس فقط بسبب توقيت إعادة تداوله، وإنما لأنه يضع كلمات الأب أمام المسار الذي اختاره نجله أحمد حسون خلال سنوات حكم بشار الأسد، حين تحول من رجل دين يشغل أعلى منصب إفتائي رسمي في سوريا إلى أحد أبرز الوجوه الدينية المدافعة عن النظام السابق.

وقيل أنه في اجتماع المشايخ بالخسروية استنكر الشيخ أديب تصرفات ابنه أحمد، وكذلك يقال أنه غضب عليه وأعطى ولاية الطريقة للشيخ عادل عزيزة

وهنا تبرز المفارقة التي يعيد الفيديو طرحها: أب يحذر علماء الدين من الارتهان للحاكم، وابن انتهى به المسار إلى السجن بعد سنوات طويلة قضاها قريباً من السلطة السورية السابقة.

من وصية الأب إلى حضن السلطة

الأب محمد أديب حسون
الأب محمد أديب حسون

لا يمكن الجزم، من دون دليل مباشر، بأن الشيخ محمد أديب حسون كان يقصد نجله تحديداً في المقطع المتداول أو أنه توقع المسار السياسي والديني الذي سيسلكه لاحقاً، لكن إعادة نشر الفيديو في هذا التوقيت تمنح المقارنة بين الأب والابن دلالة لافتة.

فالأب كان من رجال التصوف والدعوة في حلب، بينما أصبح أحمد بدر الدين حسون لاحقاً مفتي الجمهورية السورية، وهو المنصب الذي شغله منذ عام 2005 وحتى إلغائه في عام 2021.

وخلال تلك السنوات، ارتبط اسم أحمد حسون بصورة وثيقة بمؤسسات الدولة وبشار الأسد، وظهر مراراً إلى جانب الرئيس السوري السابق في المناسبات الدينية والرسمية، قبل أن يتحول خلال سنوات الحرب إلى أحد أبرز المدافعين عن رواية النظام في مواجهة الاحتجاجات والمعارضة.

أحمد حسون.. من مفتي الجمهورية إلى "مفتي الأسد"

لم يكن أحمد حسون مجرد رجل دين يشغل منصباً رسمياً، بل أصبح أحد أبرز الأصوات الدينية التي استخدمها النظام السوري في مواجهة خصومه.

ومع اندلاع الاحتجاجات السورية عام 2011، تبنى حسون خطاباً داعماً للنظام، وظهر في وسائل الإعلام الرسمية متحدثاً عن وجود مؤامرة خارجية وأطراف مسلحة خلف الاحتجاجات، بينما وصف معارضوه مواقفه بأنها منحت السلطة غطاءً دينياً في مواجهة المحتجين. 

ومع تصاعد الحرب، اكتسب حسون لقب "مفتي البراميل" الذي أطلقه عليه معارضو النظام، في إشارة إلى مواقفه المؤيدة لسياسات السلطة العسكرية، وما اعتبره خصومه تبريراً للقمع واستخدام القوة ضد المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

تصريحات ضد المدنيين تلاحقه إلى قاعة المحكمة

https://www.facebook.com/watch/?v=1598680731765504

ومن أبرز المواقف التي أثارت جدلاً واسعاً حول حسون تصريحات ومواقف اعتبرها معارضوه تحريضاً على المدنيين.

ففي عام 2015، تعرض حسون لانتقادات واسعة بعد مداخلة مع التلفزيون السوري، اتُّهم خلالها بالمطالبة بقصف أحياء تضم مدنيين ومعارضين، في سياق تصعيد عسكري شهدته البلاد آنذاك. 

وهكذا، لم تعد صورة حسون مرتبطة في الذاكرة السورية بمنصب المفتي فقط، وإنما أيضاً بدوره السياسي والإعلامي خلال سنوات الحرب، وهو ما جعل معارضيه ينظرون إليه باعتباره جزءاً من منظومة السلطة، لا رجل دين مستقلاً عنها.

المفارقة الكبرى.. الأب يحذر والابن يبرر

وهنا تعود كلمات الشيخ محمد أديب حسون إلى الواجهة، فالمقطع المتداول يقدم صورة لرجل دين يحذر، وفق ما يظهر في التسجيل، من انجراف العلماء خلف الحكام والسلطة، بينما تظهر سيرة نجله أمام الجمهور بصورة مختلفة تماماً؛ إذ ارتبط اسمه طوال سنوات بمؤسسة الحكم، وكان من أكثر الشخصيات الدينية قرباً من بشار الأسد.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة القصة باعتبارها مفارقة بين إرث ديني أبوي ومسار سياسي اختاره الابن، لا باعتبارها دليلاً قاطعاً على أن الأب أدان مواقف نجله.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يحدث عندما ينتقل رجل الدين من موقع الناصح للحاكم إلى موقع المدافع عنه؟

وهل يستطيع رجل الدين أن يحتفظ باستقلاله عندما يصبح جزءاً من منظومة السلطة، ويحصل على منصب ديني رسمي، ويشارك في الخطاب السياسي للنظام؟

 حين يتحول المنصب الديني إلى غطاء سياسي

كان منصب مفتي الجمهورية يمثل أعلى مرجعية دينية إسلامية رسمية في سوريا، ولذلك فإن وجود شخصية مثل أحمد حسون في هذا الموقع خلال سنوات الحرب منح كلماته وزناً سياسياً يتجاوز الخطاب الديني المعتاد.

ومع مرور السنوات، أصبح ظهوره إلى جانب بشار الأسد جزءاً من المشهد الرسمي، بينما اتهمه معارضوه باستخدام مكانته الدينية لتبرير سياسات النظام.

وهذه النقطة تحديداً تجعل الحكم الصادر بحقه أكثر من مجرد قضية شخصية؛ إذ يعيد فتح النقاش حول علاقة المؤسسة الدينية بالسلطة السياسية، وحدود مسؤولية رجال الدين عندما يتحول خطابهم إلى أداة لتبرير ممارسات السلطة.

اتهامات تصل إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية

وجاء الحكم بالسجن المؤبد اليوم الاثنين بعد محاكمة اتهم خلالها حسون بجرائم عدة، من بينها إثارة النعرات الطائفية، والتحريض على العنف، وتبرير القتل، واستغلال المنصب.

وقالت محكمة جنايات دمشق إن الاتهامات الموجهة إليه تندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، كما اتهمته بتقديم دعم مالي بصورة دورية لقيادة وعناصر "لواء القدس"، فيما كانت النيابة العامة قد طالبت بتطبيق أقصى عقوبة قانونية بحقه، وهي الإعدام.

وبذلك، انتقلت القضية من مستوى الجدل السياسي والإعلامي حول مواقف حسون إلى مسار قضائي انتهى بحكم حضوري بالسجن المؤبد.

 من أحد أقرب رجال الأسد إلى متهم أمام القضاء

المفارقة الأخرى في قصة أحمد حسون أن الرجل الذي ظل لسنوات يظهر في قلب المشهد الرسمي للنظام السوري أصبح بعد سقوطه مطلوباً للقضاء.

وألقي القبض على حسون في مارس 2025 أثناء محاولته مغادرة سوريا عبر مطار دمشق الدولي، قبل أن تبدأ محاكمته أمام القضاء السوري. ([ويكيبيديا][3])

وبعد سقوط نظام بشار الأسد، تحولت شخصيات كانت لسنوات جزءاً من مؤسسات الحكم إلى موضع مساءلة قضائية، في إطار مسار المحاكمات الذي يستهدف مسؤولين وشخصيات مرتبطة بالنظام السابق.

 هل خان الابن إرث والده؟

هنا تكمن الزاوية الأكثر حساسية في القصة، فالحديث عن "خيانة" أحمد حسون لوالده يظل حكماً تفسيرياً لا يمكن إثباته بمجرد الفيديو المتداول، ما لم تظهر شهادة أو وثيقة تؤكد موقف الشيخ محمد أديب حسون من مواقف نجله.

لكن يمكن القول إن المفارقة بين خطاب الأب ومسار الابن تفتح الباب أمام سؤال أخلاقي وديني كبير: هل حافظ أحمد حسون على استقلال رجل الدين الذي تتحدث عنه كلمات والده، أم أن قربه من السلطة جعله جزءاً من خطابها السياسي؟

والإجابة على هذا السؤال لا تأتي من الفيديو وحده، بل من سجل طويل من مواقف حسون وتصريحاته وظهوره إلى جانب الأسد، وهي مواقف جعلته في نظر معارضيه رمزاً لارتباط المؤسسة الدينية بالسلطة.

"مفتي البراميل".. لقب يلخص مرحلة كاملة

لم يكن لقب "مفتي البراميل" مجرد تسمية إعلامية عابرة، بل أصبح في الخطاب المعارض عنواناً لعلاقة حسون بالنظام السوري خلال سنوات الحرب.

فالرجل الذي كان يحمل لقب مفتي الجمهورية، ويُفترض أن يكون مرجعية دينية جامعة، أصبح بالنسبة إلى خصوم النظام رمزاً للدفاع عن السلطة وتبرير ممارساتها.

واليوم، وبعد صدور حكم المؤبد بحقه، يعود هذا اللقب إلى الواجهة باعتباره جزءاً من السيرة السياسية الجدلية لرجل دين عاش في قلب السلطة، ثم وجد نفسه أمام القضاء بعد سقوطها.

نهاية مفارقة بين الأب والابن

في النهاية، يعيد الفيديو المنسوب إلى الشيخ محمد أديب حسون فتح صفحة مختلفة من قصة نجله؛ صفحة لا تتعلق فقط بالمحاكمة والاتهامات، وإنما بعلاقة رجل الدين بالحاكم.

فبين كلمات أب صوفي يحذر من الانسياق خلف السلطة، وسيرة ابن أصبح مفتي الجمهورية وأحد أبرز المدافعين عن بشار الأسد، تبدو المفارقة صارخة.

وبينما يحسم القضاء السوري الجانب القانوني من قضية أحمد حسون بحكم السجن المؤبد، تبقى الأسئلة السياسية والأخلاقية حول تجربته مفتوحة: هل كان رجل دين مستقلاً داخل السلطة، أم أن السلطة نجحت في تحويل المنصب الديني إلى جزء من منظومتها؟ وهل انتهى المسار الذي حذر منه الأب قبل سنوات، حين أصبح الابن أحد أبرز وجوه النظام الذي دافع عنه حتى سقوطه؟

إنها قصة لا تختصرها محاكمة رجل واحد، بل تعيد طرح السؤال الأوسع عن حدود العلاقة بين المنبر والسلطة، وعن الثمن الذي قد يدفعه رجل الدين عندما يختار أن يكون قريباً من الحاكم أكثر من قربه من الناس.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء