ذكرى نصر أكتوبر.. كيف قاد رجال الأزهر جهود شحذ الهمم على الجبهة؟
لعب الأزهر الشريف وعلماؤه دورًا بارزًا أثناء التمهيد للمعركة التي جلبت نصر أكتوبر 1973، في ظل ملحمة تعبئة الروح المعنوية للمقاتلين، وشحذ الهمم، وبث الروح القتالية في قلوب الجنود.
ومن أبرز علماء الأزهر الذين أدّوا دورًا فعالًا، في التحضير المعنوي لمعركة نصر أكتوبر في تلك الفترة الشيخ محمد أبوزهرة، عضو مجمع البحوث الإسلامية، الذي لم يتردد رغم مشاغله الكثيرة وإشرافه على عشرات الرسائل العلمية في الجامعة، في الذهاب إلى الجبهة وإلقاء الخطب الحماسية على الجنود لتحفيزهم.
الشيخ محمد أبو زهرة على الجبهة
وعندما تلقى الشيخ محمد أبوزهرة الدعوة لزيارة الجبهة قبيل معركة نصر أكتوبر، صحب معه الدكتور إسماعيل الدفتار، أستاذ علوم الحديث الشريف بالأزهر، وعندما توجهت بهما السيارة إلى مدخل طريق السويس الصحراوي، تبين لهما أن الطريق مغلق، ولا يسمح للمدنيين باجتيازه، فنظر الشيخ أبوزهرة إلى الدكتور إسماعيل الدفتار، وقال له: “يا بني الآن أصبح الطريق مغلقًا، لكننا ارتبطنا بالإخوةِ في مدينة السويس فكيف يكون البديل عن الطريق الصحراوي؟ فقال له الدكتور الدفتار: ”لا بديل يا مولانا إلا طريق السكة الحديد، والقطار مُتْعِب لفضيلتِكم، فقال له الشيخ الوقور: يا بني ما دمنا ارتبطنا، وهناك من ينتظرنا، فلا بد للدعاةِ من أن يتحملوا المشقة في سبيل الله".
واستقل الشيخان القطار الذي قطع المسافة في أكثر من خمس ساعات، ومع ذلك لم يمنعه التعب والارهاق من لقاء الجنود، حيث قال له: «يا واد يا إسماعيل، ابدأ بالمقدمة، وأنا سوف أنزل لألتقي أبنائي من الجند، وأبناء المدينة الذين يعيشون في هذه المعارك، فنحن ننعم في القاهرة وغيرها، ولا نشعر بهم».
من الجبهة العسكرية إلى الجامعة الأزهرية
ومن الجبهة إلى الجامعة أشرف الشيخ الفاضل على الرسائل العلمية، ووجه الطلاب، ويتذكره أحد تلاميذه، وهو فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، فيقول عنه: “كان الشيخ العلامة أبوزهرة، رحمه الله، حجة بل بحرًا لا ساحل له في الفقه والتشريع والمقارنات بين الشريعة والقوانين الحديثة، وكان أستاذًا مرموقًا في أصول الفقه والسيرة ومقارنة الأديان، ومؤرخًا متميّزًا للأديان القديمة، والتيارات العقدية الحديثة”.
وقد سعدت في حياتي الجامعية في الأزهر الشريف بالتلمذة على يدي هذا الإمام الشيخ المهيب، لمدة عامين دراسيَّين، في الأحوال الشخصية وأصول الفقه.
وأذكر أن الشيخ كان مهيب الطلعة أنيق المظهر مستنير الوجه، وكان يلقي في قلوبنا مزيجًا غامضًا من مشاعر المحبة والإعجاب اللا محدود بتألقه العلمي وتمكنه من علوم التراث، وقدرته على الاجتهاد المعاصر، والجمع بين أكثر من تخصص علمي، وكان يذكرنا بأعلامنا الموسوعيين كابن خلدون.
وكنا حين نطرح أسئلتنا نحسب لجوابه ألف حساب، وقد تعلَّمنا منه كيف نفكر جيدًا قبل أن نسأل وكيف أن القراءة المتأنية والاستماع الجيد يوفران على طالب العلم كثيرًا من تبعات السؤال الملقى على عواهنه.