سباق على الشمال الشرقي: هل تنجح تركيا والشرع في إسقاط نفوذ قـوات سوريا الديمقراطية؟
تخوض القوات التركية والفصائل الموالية لها والجيش الوطني السوري، سباقًا طويلًا لإقصاء قوات سوريا الديمقراطية "قسد" من المشهد؛ طمعًا في اقناع الإدارة الأمريكية بقدرتهما على مكافحة التنظيمات الإرهابية _ التي تستخدمها قسد كورقة ضغط_ ومن ثم كسب ود واشنطن والتحالف معها بعد نجاحهما في تجريد "سوريا الديمقراطية" من أخر نقاط القوة التي تمتلكها وهي القوة العسكرية وخبرتها في محاربة التنظيمات الإرهابية التي ما زالت تنشط في عدد لا بأس به المناطق.

وفي سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها الملف السوري، فلا تزال لغة النار تسيطر على مشهد شديد التعقيد في الشمال الشرقي للبلاد، إذ تصر "قسد" على المطالبة بحكم لا مركزي في المناطق التي تسيطر على مساحة واسعة منها وهي غنية بالنفط والغاز والمحاصيل الغذائية، فمن ينجح في حسم معركة البقاء؟.
أولًا: توازنات سياسية وأمنية تدعم الطموح التركي
ترى أنقرة أن اللحظة الراهنة تمثل "نافذة فرص" لتوسيع دورها وتحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز مجرد دعم المعارضة، نحو إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في سوريا، بما يضمن لها عمقًا أمنيًا في مواجهة خطر التمدد الكردي، ومساحة تفاوض أوسع في ملف اللاجئين، والمشاركة في أي تسوية سياسية قادمة؛ وذلك على إثر تغير موازين القوى داخليًا، نتيجة تعثر النظام في تحقيق حسم كامل على الأرض، وتصاعد التنافس الإقليمي والدولي في الساحة السورية.
تبنّت تركيا استراتيجية واضحة منذ اندلاع الأزمة السورية، وهذه الاستراتيجية تبرز الطموحات التركية كعنصر فاعل ومؤثر في معادلة الصراع، لاسيما في شمال سوريا، إذ ركزت أنقرة جهودها لدعم فصائل المعارضة المسلحة، ومحاولة إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، باعتباره حليفًا استراتيجيًا لكلٍّ من إيران وروسيا، وخصمًا مباشرًا للمصالح التركية في الإقليم.
وعلى مدار السنوات الماضية، فرض التدخل العسكري التركي في الشمال السوري – خلال عمليات متعددة مثل "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام" – واقع ميداني جديد منح تركيا نفوذًا مباشرًا على الأرض، وسمح لها بترسيخ وجود فعلي في مناطق ذات أهمية استراتيجية، أبرزها إدلب، وريف حلب، ومناطق الأكراد قرب الحدود.
ثانيًا: تغيرات إقليمية تفسح المجال لأنقرة
لم تعد الطموحات التركية مقيدة بالكامل بالتفاهمات الثلاثية التي حكمت تحركاتها سابقًا في إطار "مسار أستانا" مع روسيا وإيران، لا سيما بعد تراجع تأثير موسكو نسبيًا بسبب انشغالها بالحرب في أوكرانيا، وتباين الأولويات الإيرانية في سوريا؛ هذا الفراغ النسبي، فتح لأنقرة مجالاً أوسع للمناورة، لكنه في الوقت نفسه قد يواجه عقبة محتملة مصدرها واشنطن.
تسعى تركيا إلى تحييد "قسد" بالكامل من مشهد النفوذ العسكري في مناطق الإدارة الذاتية الكردية شمال شرق سوريا. ويأتي هذا التحييد ضمن استراتيجية تركية أوسع تهدف إلى تأمين الحدود الجنوبية، ومنع قيام كيان كردي مستقل أو شبه مستقل على حدودها، على غرار إقليم كردستان العراق.

ويتصل بذلك توجه أنقرة نحو توسيع "المنطقة الآمنة" التي أنشأتها بعمق يتراوح بين 15 إلى 20 كلم داخل الأراضي السورية، لتصل إلى عمق 32 كلم، وهو العمق ذاته الذي فرضته تركيا سابقًا في شمال العراق لتحقيق الغاية الأمنية نفسها. وتعتبر هذه المنطقة العازلة خطوة رئيسية في مساعي تركيا لإنشاء "حزام أمني" يمنع أي تواصل جغرافي بين المكونات الكردية المسلحة في سوريا والعراق، ويحد من قدرة "قسد" على التمدد أو التهديد.
وفي ظل ما سبق، تتمسك أنقرة بفرصتها التاريخية لتحقيق أهدافها التوسعية في سوريا، لكنها أيضًا مطالَبة بقراءة دقيقة للتحولات الدولية، وضبط تحركاتها في ضوء التوازنات الجديدة، التي قد تتطلب منها إعادة صياغة تحالفاتها، وربما الدخول في تفاهمات جديدة، سواء مع موسكو وطهران، أو مع واشنطن، بما يضمن لها الحفاظ على مكتسباتها، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع أي من القوى الكبرى.
ثالثًا: تحييد "قسد" كأولوية استراتيجية
لا يزال الاتفاق الذي وقع عليه الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي في مارس الماضي، معطلًا ولم يدخل حيز التنفيذ، وكان يقضي بدمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية، ورفض أي دعوات تقسيم والدخول ضمن هيكلية الجيش السوري.
وتمثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ذات الغالبية الكردية، خطرًا مزدوجًا للشرع وتركيا في الشمال السوري، حيث تنظر أنقرة إلى هذه القوات باعتبارها امتدادًا عسكريًا لحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف كمنظمة إرهابية من قبل تركيا وحلف الناتو. ويشكل هذا الارتباط – من وجهة النظر التركية – تهديدًا مباشرًا للأمن القومي التركي، خاصة في ظل التعاون العسكري والتنسيق المستمر بين "قسد" و"العمال الكردستاني" عبر الحدود.
وعلى المستوى السياسي، فإن تفكيك قوات "قسد" بشكل كامل ضمن أي تسوية سياسية مستقبلية في سوريا ووفقًا للرؤية التركية، يتطلب تسليم الترسانة العسكرية لـ"قسد" إلى قيادة عسكرية مركزية جديدة، سواء كانت تابعة للنظام السوري أو لهيكل مؤقت ضمن عملية انتقالية.
في موازاة الجهد الميداني، تدرك أنقرة أن الشق السياسي والدبلوماسي لا يقل أهمية عن العمليات العسكرية. ومن هنا، تُولي تركيا اهتمامًا خاصًا لمسألة تحييد الدعم السياسي الأمريكي لـ"قسد"، خصوصًا في ضوء التغير في الإدارة الأمريكية، مع تولي دونالد ترامب منصبه رسميًا في يناير 2025.

رابعًا: الرهان على الدعم الأمريكي المتذبذب
لا يمكن لأحد أن يتنبأ بالموقف الأمريكي تجاه المنطقة ككل، وخاصة بؤر الصراع (سوريا واليمن ولبنان..)، على الرغم من أن إدارة ترامب السابقة أبدت في بعض اللحظات استعدادًا للتخلي عن "قسد" – كما حدث عند الإعلان المفاجئ عن الانسحاب من سوريا في 2018 – فإن الواقع لا يزال معقدًا.
تظل "قسد" الحليف المحلي الأبرز للولايات المتحدة في محاربة تنظيم داعش، وقد حصلت على دعم عسكري واستخباراتي أمريكي واسع النطاق، بما في ذلك الأسلحة الثقيلة والتدريب والخدمات اللوجستية.
في ظل إدارة ترامب الثانية، تحاول أنقرة منع واشنطن من تقديم أي غطاء سياسي أو دعم دبلوماسي لـ"قسد"، خاصة فيما يتعلق بمحاولات فرض "مظلة دولية" تعترف بالإدارة الذاتية الكردية أو تمنحها شرعية تفاوضية ضمن الحل السياسي السوري. وتعتبر أنقرة هذا السيناريو "خطًا أحمر" يتعارض مع أمنها القومي، وترى فيه تهديدًا مماثلاً لما واجهته من الطموحات الانفصالية في شمال العراق، التي حظيت بدعم أمريكي غير مباشر.
خامسًا: أوراق ضغط رابحة
تتفوق "قسد" في أكثر من ملف، أبرزه السجون التي تسيطر عليها، وتمثل ملفًا شديد الحساسية والتعقيد في الشمال الشرقي من سوريا، سواء على الصعيد الأمني أو السياسي أو الإنساني. فهذه السجون باتت جزءًا من معادلة الضغط والمساومة في الصراع السوري، وهي تحتوي على آلاف المقاتلين السابقين من تنظيم "داعش"، إضافة إلى عدد من النساء والأطفال المحتجزين في ظروف تتفاوت بين السجون ومخيمات الاحتجاز.
كما تحكم سيطرتها على مخيم الهول ومخيم روج، ويحتويان على نساء أجنبيات يصنفن كخطر أمني كبير، وتنظر كلا من واشنطن وأنقرة إلى هذين الملفين (السجون والمخيمات) كنقاط ضعف أمنية، وهو ما تستغله "قسد" للضغط على الولايات المتحدة ودول التحالف؛ إذ يظل هناك تخوف دائم من حدوث تمرد داخلي أو فرار جماعي، ما يهدد بعودة نشاط داعش في المنطقة.
وأخيرًا، فإن سجون "قسد" ليست مجرد مراكز احتجاز، بل تمثل قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار في الشمال السوري، وورقة تفاوض معقّدة في يد قوات "قسد" تجاه المجتمع الدولي، وفي حال تغيّر موازين القوى – خصوصًا في حال توسيع النفوذ التركي أو تقارب تركي-سوري – فإن ملف هذه السجون قد يتحول إلى أداة تفاوض رئيسة، سواء على المستوى الأمني أو السياسي، أو في إطار تسوية أشمل للأزمة السورية.



