رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رفع العقوبات أم انتزاع السيادة؟.. معضلة الشرع في مواجهة واشنطن

 أحمد الشرع مع الرئيس
أحمد الشرع مع الرئيس الأمريكي

لم تتوقف تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع، منذ اللحظة الأولى لوصوله نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن رغبته في لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجددًا، داعيًا إلى ضرورة رفع العقوبات بشكل نهائي عن سوريا، واتخاذ خطوات نحو استعادة العلاقات بصورة مباشرة وجيدة بين البلدين.

يحاول "الشرع" فتح مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة باعتباره شريك براجماتي يمكن التحاور معه، عبر وعود بتقديم ضمانات بعدم المساس بأمن إسرائيل، نافيًا في الوقت ذاته اعتبار بلاده مصدر تهديد لتل أبيب : "نحن من نخاف من إسرائيل وليس العكس، لكننا نأمل بالتوصل إلى اتفاق يحفظ سيادة سوريا ويزيل بعض المخاوف الأمنية لدى إسرائيل". وفق كلمته بمؤتمر كونكورديا الذي عُقد بنيويورك على هامش قمة الأمم المتحدة في الثالث والعشرين من سبتمبر الجاري.

إرث العقوبات

يعتبر ملف العقوبات الأمريكية على سوريا هو أول وأهم مفاتيح الرئيس السوري لبناء شرعية داخلية وخارجية، لا سيما أنه لا زال يصنف كجهادي سابق قدم من تنظيم "القاعدة" وأطاح بالرئيس السابق بشار الأسد، ويدرك جيدًا أهمية الدعم الأمريكي والتوافق مع إدارة "ترامب"؛ وهو ما يفسر تحركات الشرع منذ شهور لإلغاء العقوبات القاسية المفروضة على روسيا.

الرئيس السوري أحمد الشرع رفقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب
الرئيس السوري أحمد الشرع رفقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب

تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب في عهد الرئيس الأسبق حافظ الأسد وحزب البعث، كان مجرد بداية لحزمة من العقوبات الاقتصادية وفرض القيود على المساعدات الأمريكية لسوريا، تلاها حظر بيع الأسلحة لدمشق وإخضاع معاملات البنوك الأمريكية مع الحكومة السورية والكيانات المملوكة لها لضوابط مشددة.

وبحلول العام 2011، وجدت سوريا نفسها تحت وطأة واحدة من أشد أنظمة العقوبات في المنطقة، إذ  فرضت الإدارة الأمريكية حظرًا على قطاع النفط السوري، وجمّدت الأصول المالية لعدد من المسؤولين النافذين، بل والأصول العائدة للدولة نفسها، ووصل الضغط الاقتصادي إلى ذروته مع بداية 2020 بعد أن صدّق ترامب على قانون قيصر الذي وسّع نطاق العقوبات ليشمل حتى الجهات الأجنبية المتعاملة مع دمشق. 

وعلى المسار ذاته، وإن كان بدرجة أقل حدّة، تبنّى الاتحاد الأوروبي سلسلة من العقوبات شملت حظر شراء النفط السوري وبيع المعدات اللازمة لتطويره، وفرض قيود على الاستثمارات والتعاملات المصرفية، إضافة إلى تجميد أصول حكومية ومنع الشركات والأفراد الأوروبيين من التعامل مع الكيانات في محاولة لعزل النظام ماليًا واقتصاديًا على المستويين الدولي والإقليمي.

الخروج من العزلة السياسية والاقتصادية

إصرار الشرع على الجلوس مع ترامب مجددًا، يحركه قلق الرئيس السوري من استمرار العزلة السياسية والأزمة الاقتصادية التي تعيشها بلاده منذ عقد ونصف، إذ انعكست إجراءات العقوبات  بشكل مباشر على حياة السوريين، فتراجعت قيمة الليرة بشكل غير مسبوق، وارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى مستويات قياسية، فيما تراجعت القدرة على الاستيراد والإنتاج، ما عمّق من أزمة المعيشة اليومية وأدخل قطاعات واسعة من السكان في دائرة الفقر والعوز.

ليس هذا فقط ما يحرك الشرع، فالأثر السياسي أكبر وأكثر خطورة؛ إذ أدت هذه العقوبات النظام السوري إلى تراجع شرعية الرئيس السابق بشار الأسد الدولية وأُغلق أمامه أي مسار للتطبيع مع الغرب.

 كما عززت اعتماد دمشق على حلفائها التقليديين، خاصة روسيا وإيران، وهو ما عمّق من نفوذ هذه القوى داخل القرار السوري، وفي الوقت نفسه، تحولت العقوبات إلى ورقة ضغط في المفاوضات الدولية، إذ بات رفعها مشروطًا بتقديم تنازلات سياسية تتعلق بمسار الحل، وحقوق الإنسان، ومستقبل الوجود الأجنبي على الأراضي السورية.

كما استثمرت قوى المعارضة هذه العقوبات في تكريس خطابها حول مسؤولية النظام عن عزلة البلاد وانهيار اقتصادها، معتبرة أن استمرار العقوبات يمثل أداة لردع السلطة ودفعها إلى الانخراط في عملية انتقال سياسي.

تحديات داخلية وخارجية

ترتب على توقيع الرئيس الأمريكي أمرًا تنفيذيًا يقضي برفع العقوبات في مايو الماضي، شطب أفراد وكيانات من قوائم العقوبات، وإلغاء إدراج أسماء مؤسسات وأفراد مرتبطة بالنظام السابق وإيران، بالإضافة إلى فتح القطاعات التي كانت معطلة منذ 1979 عقب تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب.

ورغم فتح المجال أمام دمشق لاستيراد السلع الغذائية والدواء والمستلزمات الطبية وبعض المواد التي تستخدم في صناعة الأسلحة دون الحاجة لموافقة من وزارة الخزانة الأمريكية، لا يزال نهوض سوريا اقتصاديًا مرهونًا بتغيير بعض القوانين وإصلاح البنى التحتية وتمهيد السوق السوري لاستقبال الراغبين في الاستثمار.

ومن المتوقع ارتفاع سعر صرف الليرة السورية خلال الفترة المقبلة في حال تم رفع العقوبات نهائيًا، في ظل السماح المتوقع باستيراد البضائع والخدمات والمعدات، مع احتمالية تدفق استثمارات أمريكية تساهم بدورها في وجود فائض من العملة الصعبة ، وهو ما يزيد الضغط على الوزارات السورية كالصناعة والطاقة التي يُطلب منها العمل بشكل فاعل لضمان تحقيق نتائج إيجابية ومستدامة على العملة المحلية.

ثمن رفع العقوبات

تظل الأسئلة الأكثر طرحًا في الوقت الراهن، عن التنازلات التي سيقدمها الشرع للإدارة الأمريكية والإسرائيلية؟، هل سيكون انتقاص من السيادة السورية، أم   شرعنة وجود أمريكي أو إسرائيلي بالداخل؟، وربما الانضمام لاتفاقية "إبراهام" التي طبّعت بموجبها عدد من الدول العربية مع تل أبيب!

تاريخيًا، ارتبط رفع العقوبات عن الدول بانتقاص من السيادة على الأرض، وتنفيذ تنازلات سياسية أو جغرافية، فالتجربة الصربية مثلًا تُظهر أن خروج بلجراد من عزلتها كان مشروطًا بإنهاء الحرب في "البوسنة"، ثم القبول بفقدان السيطرة الفعلية على إقليم "كوسوفو"، الذي أعلن استقلاله لاحقًا. 

وفي حالات أخرى مثل ليبيا أو إيران، لم تخسر الدول أراضيها، لكنها اضطرت لقبول ترتيبات تُقيد جزءًا من سيادتها، سواء عبر التخلي عن برامج تسلّح استراتيجية أو فتح أراضيها أمام تفتيش دولي.

 هذه التجارب تجعل المخاوف السورية مبررة، إذ يربط كثيرون بين التفاوض على رفع العقوبات وبين احتمال فرض ترتيبات سياسية أو أمنية قد لا تصل إلى حد اقتطاع الأرض، لكنها تعني عمليًا تقليص هامش القرار السيادي للدولة.

الخلاصة، لا يمكن لخطة إعادة الإعمار أو استعادة الاستقرار الاقتصادي أن تنجح في ظل القيود الأمريكية والأوروبية الصارمة؛ ومن جهة أخرى، يدرك الشرع أن الانفتاح على الغرب – وفي مقدمته الولايات المتحدة – لن يتحقق من دون مقاربة جديدة تتجاوز سياسة الإنكار التي تبناها النظام اسابق

وبالنسبة لواشنطن، يظل الموقف حذرًا؛ فالعقوبات وسيلة ضغط فعالة لا يمكن التخلي عنها من دون ضمانات سياسية وأمنية واضحة، سواء فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، أو بترتيبات مستقبل الشمال الشرقي السوري، أو بملفات حقوق الإنسان. 

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء