من الجولان إلى السويداء: لماذا تعثر الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل؟
قبيل ساعات من توقيع اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، تعثرت جهود التوصل للاتفاق التي تتم بوساطة أمريكية بسبب مطالب إسرائيلية بفتح ممر من الجولان المحتل إلى السويداء حيث تتواجد الأقلية الدرزية في الأراضي السورية.
ورغم تمهيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فعليًا، للإعلان عن الاتفاق قبل نحو يومين بقوله إنه سيكون هناك إعلان كبير بشأن سوريا خلال ساعات، جاء الشرط الإسرائيلي ليعقد الأمور ويسبب تعثر المفاوضات بعيد ساعات من توقيعه.
وترغب تل أبيب في الاحتفاظ بممر تسميه ممرًا إنسانيا لمناطق الدروز في جنوب سوريا، بحيث يصبح هناك اتصال جغرافي بين دروز الجولان ونظرائهم في السويداء وبقية مناطق الأقلية الدرزية في سوريا، كما يخدم العديدين من أبناء الطائفة الدرزية بالجيش الإسرائيلي وبعضهم يتولى مناصب قيادية كحالة قائد لواء غولاني غسان عليان، وهو أحد ألوية النخبة في الجيش الإسرائيلي.
ويوجد بين دروز الجولان ودروز السويداء علاقات قرابة ونسب ومصاهرة فضلًا عن ارتباط روحي نابع من ارتباط المرجعيات الدينية للدروز وشيوخ العقل في السويداء بنظرائهم في إسرائيل، وبدت هذه العلاقات بشكل واضح خلال الشهور التي تلت سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، إذ نسق الشيخ الرئيس الروحي لطائفة الدروز حكمت الهجري تحركاته مع الزعيم الروحي للدروز في إسرائيل موفق طريف.
وفضلًا عن التنسيق بين حكمت الهجري وموفق طريف، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه لن يتخلى عن الدروز، وذلك خلال توجهه لإلقاء كلمته في الجمعية العام للأمم المتحدة، وتتزامن هذه الكلمة وما رافقها من تصريحات من حملة يقودها دروز إسرائيل تدفع في اتجاه استقلال الدروز عمليا عن سوريا تحت مسمى الفيدرالية التي يراد بها تقسيم سوريا إلى أقاليم وتجاوز فكرة سوريا المركزية التي يؤيدها نظام الرئيس الحالي أحمد الشرع.

إسرائيل ترغب في المزيد
وصيغت مسودة الاتفاق الأمني الحالية بصورة تضمن المصالح الأمنية الإسرائيلية في المقام الأول، فهي تنص على تعديل اتفاقية فض الاشتباك المبرمة بين سوريا وإسرائيل في 1974، وبموجبها تنسحب القوات الإسرائيلية من جنوب سوريا مع احتفاظها بنقطتين متقدمتين هما موقعي مرصد الرادار في جبل الشيخ، وتل الحارة، جنوبي سوريا.
وتلتزم سوريا، بموجب الاتفاقية الأمنية، بعدم تهديد إسرائيل وعلى فرض حظر للطيران في الجنوب السوري وتقسيمه لمناطق أمنية أربعة أولها منطقة أ وتضم الجولان وحتى معبر القنيطرة السورية وتخضع لسيطرة الإسرائيليين وتعد قاعدة ارتكاز عملياتية، تليها منطقة ب الملاصقة للحدود وهي التي كانت تنتشر فيها قوات اندوف (فصل القوات وفق اتفاقية 74)، وهذه المنطقة ستنتشر فيها قوات مراقبة دولية، والمنطقة ج وتمتد من في عمق الأراضي السورية (من حدود دمشق وحتى درعا) ويحظر فيها وجود سلاح سوري ثقيل، أما المنطقة د فهي تشمل مناطق واسعة من درعا والسويداء وتمتد لمحيط دمشق وفيها يُفرض حظر طيران على القوات السورية.
وتعكس بنود الاتفاقية الأمنية، التي لم يتم الكشف عنها بالكامل للآن، الواقع الجيوسياسي الجديد في سوريا، فهي تمنح إسرائيل أفضلية وحرية للعمل ضمن الأراضي السورية وتصبح هي مناطق الجنوب السوري مناطق نفوذ إسرائيلية تستطيع فيها القوات الإسرائيلية العمل وقتما تشاء، ومع ذلك فإن إسرائيل لا تقدم شيئًا يذكر في المقابل فقط تتعهد بوقف التدخلات العسكرية في سوريا والاعتراف بحكومة الرئيس أحمد الشرع.
لكن إسرائيل التي لديها نهج خاص في التفاوض ما فتئت تطلب المزيد فهي لا تريد السيطرة على الجنوب السوري فحسب، بل الحصول على ممر إنساني يجعل هناك اتصال جغرافي بين الجولان المحتل والسويداء ذات الغالبية الدرزية، كما تطلب حرية العمل في المجال الجوي السوري، وهذا مرتبط على ما يبدو بخطط العمليات المستقبلية سواء ضد إيران أو ضد الفصائل الولائية المرتبطة بإيران في العراق.
وبدورها، ترى الحكومة السورية الحالية أنها قدمت ما طُلب منها وبقي على إسرائيل أن توقف اعتدائها على الأراضي السورية التي نفذت فيها 400 عملية توغل منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، بحسب ما قاله الرئيس السوري أحمد الشرع في وقت سابق.
عوامل دافعة وأخرى معيقة
وكان السوريون يأملون أن يتم توقيع الاتفاق الأمني مع إسرائيل نهاية الأسبوع الماضي إلى أن تفاجئوا بالطلب الإسرائيلي الذي أعاق التوصل لاتفاق، ويشير تحليل الموقف الحالي إلى أن إسرائيل لا تريد أن تُلزم نفسها بأي شيء وتريد الحصول على أكبر مكاسب ممكنة دون تقديم تنازلات جوهرية وهذا نهجها في التفاوض دائمًا.
كما أن هناك سبب آخر هو عامل ثانوي في الوقت الحالي، ومع ذلك فلا يمكن تجاهله، وهو أن الثقافة الاستراتيجية الإسرائيلية تقيم التهديد على أساس النوايا لا على أساس القدرات، بمعنى أنه إذا كان في نية أي جهة أن تهدد أو تشكل تهديدا لتل أبيب فإن على الأخيرة أن تعمل من أجل استهدافها، وهذا بخلاف المبدأ الاستراتيجي المعروف "النوايا تصنع القدرات"، فالنوايا لدى الإسرائيليين كافية ليتم الحكم عليها والعمل على أساسها دون النظر للقدرات وهي في الحالة السورية غير موجودة بعد تدمير مقدرات البلاد على مدار 14 عامًا من الصراع، وحملة القصف المكثفة التي استهدفت الأصول العسكرية السورية ودمرتها بعد رحيل بشار الأسد.
ومن منظور الثقافة الاستراتيجية الإسرائيلية أيضًا فإن الرئيس السوري أحمد الشرع لا يمكن الوثوق به باعتبار خلفيته الجهادية، حتى وإن كان "الشرع" نفسه قد أعلن أنه تغير وأنه الآن في طور العمل للدولة بما يعني مفارقة أسلوب الجماعات القديم.
أما على الجانب الآخر، فسوريا وأقرب حلفائها الحاليين تركيا غير معترضتين على الاتفاقية الأمنية مع إسرائيل، بينما ترى دمشق طلب الحصول على ممر إنساني، كما يصفه الإسرائيليين، إلى السويداء تهديدًا لجوهر الدولة أو مصالحها المصيرية المتمثلة في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وعدم تقسيمها إلى كاتيونات أصغر، ولذا فإن إصرار تل أبيب على فكرة الممر ستتناقض مع ما تصبو إليه دمشق بالأساس.
وتعول السلطة السورية الحالية برئاسة أحمد الشرع على الجانب الأمريكي لأنه الطرف الأكثر حماسة لإبرام الاتفاق الأمني، فالرئيس الأمريكي الذي يُمني نفسه بجائرة نوبل للسلام يريد أن يقول بأنه أنهى الصراع السوري الإسرائيلي كما فعل ما صراعات أخرى، والحقيقة أن هذا العامل هو الدافع الوحيد في اللحظة الحالية الذي يمكن التعويل عليه لإبرام الاتفاق الأمني في أقرب فرصة، وإلا فسيتطلب الأمر بدءًا من جديد لمسار المفاوضات الثنائية بين تل أبيب ودمشق ودورنا في مسار الاتفاقيات دون حسم وهو ما تفضله إسرائيل التي ترى أن الأوضاع الحالية في سوريا أكثر من مناسبة لها لأنها تعمل بحرية في أي وقت دون أن تتعهد أو تلتزم بأي شيء، وعلى كل حال فإن الأيام القليلة المقبلة وما يبذل فيها من جهود ستحدد مدى إمكانية إتمام الاتفاق أو استمرار المسار المتعثر الذي عقدته إسرائيل بـ"الممر الإنساني" المزعوم.
أحمد سلطان
باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب



