رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في أعقاب استقالة الدكتورة جيهان زكي من منصب وزيرة الثقافة، دخلت الوزارة مرحلة جديدة من الترقب، في انتظار اختيار وزير جديد يتولى مسؤولية قيادة أحد أهم القطاعات المرتبطة بالهوية المصرية والقوة الناعمة للدولة.

وجاءت استقالة الوزيرة السابقة عقب حكم قضائي نهائي من محكمة النقض في قضية تتعلق بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة سهير عبد الحميد بشأن كتاب "اغتيال قوت القلوب الدمرداشية"، حيث ألزم الحكم بالتعويض وسحب الكتاب من الأسواق ومنع تداوله، لتصبح القضية واحدة من أبرز الملفات التي ألقت بظلالها على المشهد الثقافي خلال الفترة الأخيرة.

وتولى الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي، مهام القائم بأعمال وزير الثقافة مؤقتًا، في انتظار اختيار وزير جديد يحمل على عاتقه مسؤولية إدارة وزارة ليست مجرد جهة حكومية تنظم فعاليات أو تصدر كتبًا، وإنما مؤسسة معنية ببناء الوعي، وحماية الهوية، ودعم الإبداع، والحفاظ على مكانة مصر الثقافية.

فالثقافة في أي مجتمع ليست رفاهية أو نشاطًا تكميليًا يمكن تأجيله، بل تمثل خط الدفاع الأول عن العقل والهوية، وفي ظل التحديات التي تواجه المجتمعات، أصبحت المعركة الحقيقية ليست فقط في مواجهة الأزمات الاقتصادية أو السياسية، وإنما في حماية الوعي من انتشار الأفكار المتطرفة والمحتوى السطحي الذي يستهدف عقول الشباب.

ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي ينتظر وزير الثقافة القادم، فهو لا يدير فقط قطاعات وهيئات، بل يقود مشروعًا يتعلق بتشكيل وعي أجيال كاملة، فالمسرح والكتاب والفنون والموسيقى وقصور الثقافة ليست مجرد أدوات ترفيه، وإنما وسائل لصناعة الإنسان وترسيخ قيم التفكير والإبداع والانفتاح.

لكن أمام الوزير المقبل ملفات عديدة تحتاج إلى قرارات واضحة ورؤية مختلفة، يأتي في مقدمتها ملف الهيئة المصرية العامة للكتاب، التي تعد واحدة من أهم مؤسسات النشر الحكومية، والمسؤولة عن عدد كبير من الإصدارات والمشروعات الثقافية، إضافة إلى دورها المحوري في تنظيم معرض القاهرة الدولي للكتاب، أحد أكبر الأحداث الثقافية في المنطقة.

ويحتاج هذا الملف إلى اختيار قيادة تمتلك القدرة على الجمع بين الخبرة الثقافية والإدارة الحديثة، بحيث تستعيد الهيئة دورها في دعم حركة النشر، وتوسيع دائرة انتشار الكتاب المصري، وتطوير آليات التوزيع والوصول إلى القارئ داخل مصر وخارجها.

كما يظل ملف قصور الثقافة واحدًا من أكثر الملفات إلحاحًا، باعتبارها الذراع الثقافية المنتشرة في المحافظات، فهذه القصور تمتلك إمكانات كبيرة، لكنها تحتاج إلى رؤية تعيد تقديم دورها الحقيقي كمراكز للإبداع والمعرفة، لا أن تقتصر مهمتها على إقامة فعاليات موسمية أو أنشطة محدودة لا تصل دائمًا إلى الجمهور المستهدف.

فالمطلوب هو إعادة بناء العلاقة بين قصور الثقافة والمجتمع، والوصول إلى الشباب والأطفال في القرى والمراكز، واكتشاف المواهب الجديدة، وتحويل هذه المواقع إلى مساحات حقيقية للحوار والتنوير، خاصة في المناطق التي تحتاج إلى حضور ثقافي قوي.

ومن بين الملفات التي تنتظر اهتمامًا خاصًا ملف المبدعين والأدباء خارج القاهرة، حيث ما زال كثير من الكتاب والشعراء في المحافظات يشعرون بأن النشاط الثقافي يتركز بشكل كبير داخل العاصمة، بينما تواجه المواهب في الأقاليم صعوبات تتعلق بالسفر والمشاركة في الفعاليات والمسابقات والندوات.

فالثقافة المصرية لا يمكن أن تكون حاضرة بقوة إذا ظلت محصورة في القاهرة فقط، لأن تاريخ الإبداع المصري نفسه يؤكد أن المحافظات كانت دائمًا مصدرًا أساسيًا للمواهب والأصوات الجديدة، ولذلك يحتاج الوزير القادم إلى وضع آليات أكثر عدالة للوصول إلى المبدعين في مختلف أنحاء الجمهورية.

أما ملف الملكية الفكرية، فقد أصبح أكثر حضورًا بعد الحكم القضائي الأخير، وهو ملف يمثل جوهر العلاقة بين وزارة الثقافة والمبدعين، فالوزارة المعنية بحماية الفكر والإبداع مطالبة بأن تكون نموذجًا في احترام حقوق المؤلفين والمترجمين والباحثين والفنانين، وأن تعمل على تعزيز الوعي بأهمية حماية الإنتاج الثقافي.

فالمبدع يحتاج إلى الشعور بأن مؤسسات الدولة تقف إلى جانبه، وأن جهده الفكري محفوظ، لأن حماية الملكية الفكرية ليست مجرد إجراء قانوني، بل رسالة تؤكد احترام الإبداع وتشجع على المزيد من الإنتاج الثقافي.

وفي الوقت نفسه، يظل ملف حرية الإبداع أحد الملفات التي ينتظر المثقفون مناقشتها بجدية، خاصة في ظل شكاوى بعض الكتاب من الإجراءات الطويلة والتعقيدات البيروقراطية التي قد تؤثر على سرعة وصول أعمالهم إلى الجمهور.

المطلوب هو تحقيق توازن بين مسؤولية الدولة في حماية المجتمع، وبين ضرورة توفير مناخ يسمح للمبدعين بالتعبير والتجريب، لأن الثقافة لا تزدهر في بيئة الخوف أو القيود، وإنما في أجواء الحوار والانفتاح.

ويأتي ملف الشباب كأحد أكبر التحديات أمام الوزارة خلال المرحلة المقبلة، فالجمهور الجديد لم يعد يعتمد فقط على الكتاب الورقي أو الندوات التقليدية، بل أصبح يعيش في عالم المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا تحتاج وزارة الثقافة إلى تغيير أدواتها، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة للوصول إلى الشباب بلغتهم، من خلال إنتاج محتوى ثقافي رقمي، وتطوير المنصات الإلكترونية، وتقديم المعرفة في أشكال جديدة تتناسب مع طبيعة العصر.

ويبقى السؤال الأهم: هل تحتاج وزارة الثقافة إلى وزير مثقف أم وزير إداري؟ والحقيقة أن المرحلة الحالية تحتاج إلى الاثنين معًا؛ وزير يمتلك وعيًا بطبيعة العمل الثقافي وهموم المبدعين، وفي الوقت نفسه يمتلك القدرة على الإدارة واتخاذ القرارات وحل الملفات المتراكمة.

فالوزارة لا تحتاج إلى مسؤول يدير الأمور اليومية فقط، وإنما إلى صاحب رؤية قادر على إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة الثقة بين المؤسسات الثقافية والمبدعين والجمهور، وإدراك أن الثقافة ليست مجرد حقيبة وزارية، بل مشروع وطني طويل المدى.

في النهاية، سيقاس نجاح وزير الثقافة القادم بقدرته على إعادة الروح إلى المؤسسات الثقافية، ودعم المبدعين، والوصول بالمنتج الثقافي إلى كل مواطن، وليس بعدد الفعاليات أو البيانات الرسمية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء