رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أثار مقطع فيديو متداول من إحدى الأمسيات الشعرية بـ قصر ثقافة الخانكة حالة واسعة من الجدل، بعد ترديد عبارة من مهرجان شعبي: "قعدة فيها كيفهم هتلاقي كلاب مرصوصة".

الواقعة دفعت وزارة الثقافة لاتخاذ إجراءات إدارية سريعة، لكنها في الوقت نفسه فتحت نقاشاً أعمق: ماذا حدث للمشهد الثقافي المصري؟ وكيف تحولت بعض المؤسسات التي أنشئت لبناء الوعي إلى جزء من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل؟

القضية لا تتعلق بأغنية أو أمسية أو مسؤول بعينه، بل بحالة عامة من التراجع الثقافي باتت واضحة في تفاصيل حياتنا اليومية.

فالثقافة لم تكن يوماً مجرد حفلات أو أمسيات شعرية، بل منظومة متكاملة تهدف إلى صناعة الإنسان المصري وتشكيل وجدانه وحماية المجتمع من التطرف والانحدار الأخلاقي، كانت قصور الثقافة والمسارح والمكتبات العامة أدوات أساسية في بناء الوعي، ومنها تخرج أجيال من الأدباء والمفكرين والفنانين الذين شكلوا الوجدان المصري والعربي. كانت القوة الناعمة المصرية قوية ليس بسبب الضجيج، بل بسبب القيمة والرسالة التي تحملها.

أما اليوم، فنحن أمام مشهد يتقدم فيه الإثارة على القيمة، والجدل على المضمون، والشكل على الفكرة؛ أصبحت النماذج تتصدر المشهد ليس بما تقدمه من فن أو فكر، بل بقدرتها على إثارة الترند والجدل.

والأخطر أن تأثير هذه النماذج لا يقتصر على الترفيه، بل يمتد ليشكل وعي الشباب وسلوكياتهم؛ فالأجيال الجديدة تتلقى يومياً رسائل حول ما هو مقبول ومرفوض، ومن يستحق الإعجاب ومن يستحق السخرية.

ومن أبرز تجليات هذا الفراغ الثقافي ما يتعرض له بعض الشباب من خطاب متشدد يختزل الحياة في رؤى أحادية، ويرفض التنوع، ويقدم صورة مشوهة عن دور المرأة، فهناك من يحاول إقناع أجيال كاملة بأن المرأة لا دور لها سوى الزواج والإنجاب، وأن مشاركتها في الحياة العامة أمر ثانوي، وكأن المجتمع يستطيع النهوض بنصف طاقته فقط.

هذه الأفكار لم تنشأ من فراغ، بل نمت في بيئة غابت عنها الثقافة الحقيقية القادرة على مواجهة التطرف بالفكر والفن والمعرفة، فعندما تغيب الثقافة الرصينة، تتراجع قيم التسامح واحترام الآخر وقبول الاختلاف، وتملأ الفراغ أصوات أكثر صخباً وأقل وعياً.

ولذلك، لا ينبغي النظر إلى واقعة قصر ثقافة الخانكة على أنها حادثة عابرة، بل كعرض لمرض أعمق.. تراجع دور المؤسسات الثقافية في صناعة الوعي، وغياب مشروع ثقافي وطني قادر على حماية المجتمع من الاستقطاب الحاد والانحدار الفكري.

إن معركة الثقافة ليست معركة نخبوية، بل معركة المجتمع كله، فالثقافة ليست رفاهية، بل خط الدفاع الأول عن الهوية والعقل والوجدان.

وإذا كانت الأمم تهزم أحياناً بالسلاح، فإنها قد تهزم أيضاً حين تفقد قدرتها على التفكير الرصين، وحين يتراجع الذوق العام، ويحل التطرف محل الحوار، والكراهية محل التسامح، والضجيج محل المعرفة.

لهذا أصبحت استعادة دور الثقافة ضرورة وطنية ملحة، قبل أن تتحول حادثة كلمات في أمسية شعرية إلى أزمة وعي تهدد أجيالاً بأكملها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء