أنا من جيل زد، الجيل الذي يقال عنه دائمًا إنه ولد في زمن التكنولوجيا والسرعة، لكن جيلي أيضًا ولد وسط أحداث وأزمات كبيرة صنعت جزءًا كبيرًا من وعيه قبل أن يكبر.
كنت طفلة صغيرة وقت ثورة 30 يونيو، لكنني لم أكن غافلة؛ رغم أنني لم أكن أفهم كل المصطلحات السياسية، إلا أنني كنت مدركة لكل ما يدور حولي.
كنت أتابع الأخبار، وأراقب وجوه أبي وأمي والناس في الشارع، وأشعر بخوف حقيقي يسري في أعماقي على بلد يقف على حافة الضياع وفقدان الهوية.
ما زلت أتذكر تلك الأيام بكل تفاصيلها، وكأنها لم تكن مجرد أحداث على شاشة التلفزيون، بل كانت تنبض داخل كل بيت وكل شارع.
كانت مذبحة رفح من أوائل اللحظات التي حفرت في ذاكرتي إلى الأبد، لم أكن أفهم كل الأبعاد السياسية والأمنية، لكنني فهمت الحزن الشديد والدموع في عيني أبي وأمي.
رأيت الجنود الذين استشهدوا أثناء إفطارهم في رمضان، ورأيت الصدمة التي تجمدت على وجوه المصريين، بينما بدا "المعزول" مرسي وكأنه لا يبالي بكل هذا الدم والألم.
وكنت أرى عبر الشاشات ما حدث في بلاد مجاورة تعرضت لظروف مشابهة.. بلاد فقدت جيوشها، وانهارت مؤسساتها، وأصبحت فيها الأسر بلا مأوى، وأطفال بلا أب أو أم.. أطفال مشردون، ورجال يُنكل بهم ويقتلون أمام أسرهم،ونساء يتعرضن لانتهاكات جسدية مرعبة، ومدن تدمر، وتاريخ يدفن تحت الركام، وحضارات تهان آثارها.
شعوب ألقت بنفسها وبأبنائها في البحر هربًا من جماعات لم تعرف إلا القسوة والعنف، جماعات أشبه “بالمغول”، تحرق الأرض وتدمر كل ما تمر به.
ومع مرور الوقت، بدأت الأحداث تتلاحق بسرعة مؤلمة، وعود كثيرة سمعنا عنها من خلال مشروع "النهضة"، لكن المشكلات اليومية لم تختفِ.. أتذكر انقطاع الكهرباء المتكرر الذي كان يغرق البيوت في الظلام، وأزمات الوقود، والحديث عن بيع قناة السويس، ورئيس الجمهورية المتهم في قضايا تخابر مع دول أجنبية!!!
وهناك أحداث أخرى زادت من حالة القلق الموجودة في الشارع المصري؛ الحديث عن الإعلان الدستوري، وأحداث الاتحادية.. الغضب كان يتصاعد داخل الشارع، والناس كانت تتساءل باستمرار: إلى أين تسير الأمور؟ من يحكم مصر؟
ثم جاءت مشاهد أخرى زادت من ألمي؛ المؤتمر "السري العالمي" ! لحل أزمة سد النهضة، الذي تحول إلى مهزلة كبيرة، وأصبحت مصر مادة للسخرية أمام العالم.. مشاهد لم تليق أبدًا بدولة بحجم مصر وتاريخها العظيم.
ومع ذلك، لم يتوقف المشهد عند هذا الحد، بدأ الحديث يتزايد عن مشروع "التمكين"، وما ارتبط به من توسع داخل الوزارات والهيئات الحكومية، في ظل حالة عامة من القلق الشديد والترقب المرعب لما قد تؤول إليه الأوضاع.
ما زلت أتذكر تلك الأيام بكل تفاصيلها، وكأنها لم تكن مجرد أحداث على شاشة التلفزيون، بل كانت شعور بالرعب داخل كل بيت وكل شارع.
أوضاع البلد في تلك المرحلة كانت غامضة، والمستقبل كان مجهول، يخيف الكبار قبل الصغار، كان هناك سؤالا يتردد في ذهني رغم صغر سني : إلى أين نحن ذاهبون؟ ماذا عن مستقبلي؟ هل مصر بخير؟
ثم ظهرت حملة "تمرد"، وبدأ الحديث عن التوقيعات والحشود والنزول إلى الشارع، أتذكر تلك الحركة التي اجتاحت كل مكان، وكأن الجميع يشعر أن لحظة حاسمة تقترب، رغم أنني لم أكن أمتلك فهمًا سياسيًا كاملاً، إلا أنني كنت أدرك أن مصر تقف أمام لحظة مصيرية.
وجاء يوم 30 يونيو..
خرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين في مختلف المحافظات، في مشهد لم أره من قبل؛ أتذكر الزحام والأعلام والأصوات والحشود التي كانت تملأ الشاشات والشوارع، كان المشهد أكبر من مجرد حدث سياسي بالنسبة لطفلة صغيرة؛ كان يبدو وكأن وطنًا كاملًا يتحدث بصوت واحد.
ثم جاء الثالث من يوليو، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ مصر، بعد الإعلان عن خارطة طريق وإدارة مرحلة انتقالية، واستعادة الوطن من قبضة جماعة إرهابية، اخذت من الدين ستارا لاطماعيها وهي لا تمت للدين بأية صلة، وقتها لم أكن أفهم كل الأبعاد، لكنني شعرت بعمق أن مرحلة انتهت، وأن مرحلة أخرى بدأت.. مرحلة كنا نأمل أن تنقذ الوطن من الهاوية.
واليوم، وبعد مرور سنوات، وبعد أن كبرت وأصبحت قادرة على فهم ما حدث بوعي أكبر، أدرك أن ما شعرت به وقتها لم يكن مجرد خوف طفلة صغيرة، بل كان شعور جيل كامل عاش تلك الأيام وهو يرى وطنًا يقف على حافة الهاوية.
لهذا لا أتذكر 30 يونيو باعتبارها مجرد تاريخ في كتاب، أو مناسبة سياسية تتكرر كل عام، بل أتذكرها باعتبارها واحدة من أولى اللحظات التي فهمت فيها معنى الوطن الحقيقي.. معنى أن تخافي على بلدك قبل أن تفهم السياسة نفسها، وأن تدرك أن الأوطان ليست مجرد حدود على خريطة، بل شعور بالأمان والخوف والمسؤولية والانتماء والهوية.