رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لا أحد ينكر أن ما حدث في مباراة الأرجنتين كان ظلمًا تحكيميًا صارخًا، وأن فوزهم لم يكن مستحقًا على الإطلاق أمام أسود الفراعنة، ولكن، وكما هي عادة كرة القدم، فإن النتيجة ليست دائمًا مرآة للحقيقة؛ فبينما خرجنا من المباراة بنتيجة الخسارة، خرجنا في الحقيقة بأغلى انتصار.. انتصار جيل ذهبي أعاد للكرة المصرية روحها، وأعاد للجماهير حلمها.

هذا الجيل لم يمنحنا فرصة المنافسة فقط، بل أعاد لنا الإيمان بأن الأحلام الكبيرة يمكن أن تتحقق، وأن المستحيل ليس سوى كلمة أمام الإرادة والعمل والإصرار، لقد جعلنا نصدق من جديد أن مصر قادرة على الوقوف بين الكبار، وأن الطريق إلى القمة يبدأ بالحلم ثم السعي لتحقيقه.

محمد صلاح لم يعد مجرد قائد للمنتخب أو لاعب كرة قدم محترف، بل أصبح أيقونة للأمل للأجيال القادمة، ورمزًا للإرادة التي ترفض الانكسار؛ قصته ستذكرنا دومًا بأن الإنسان قادر على الوصول مهما كانت بدايته أو حجم التحديات التي يواجهها، وأن كل شخص يمكنه أن يحقق حلمه إذا امتلك الإصرار والعزيمة، مهما كانت الظروف والصعوبات التي تعترض طريقه.

ولم يكن هذا الإنجاز ليكتمل دون الحديث عن الجهاز الفني بقيادة "العميد" حسام حسن، الذي يستحق الإشادة والتقدير، فهذا الرجل، بعشقه الكبير لمصر وشخصيته القوية التي لا تعرف الاستسلام، استطاع أن ينفض الغبار عن قلوب الملايين.

بعد سنوات من الإحباط واليأس، التي كادت أن تدفع بعض الجماهير إلى الابتعاد عن المدرجات، أعاد حسام حسن للمنتخب روحه وهيبة القميص المصري.

عادت الجماهير تهتف من جديد، ليس فقط بسبب النتائج، ولكن لأنها شعرت بأن هناك من يقاتل داخل الملعب، وأن هناك لاعبين يدافعون عن اسم مصر بكل قوة، وكأنهم يحملون أحلام الملايين فوق أكتافهم.

ولم يكتمل هذا المشهد إلا بظهور الحارس  "شوبير"، الذي وقف كالأسد في مرماه، لم تمنعه صغر سنه من مواجهة الضغوط، ولم تخنه الرهبة أمام نجوم العالم، بل كان جدارًا من الثقة والتحدي.

لم تكن تصديات شوبير مجرد إنقاذ للكرات، بل كانت رسالة واضحة بأن الحراسة المصرية بخير، وأن قيمة اللاعب لا تقاس بعمره، بل بقدرته على تحمل المسؤولية وشجاعته في اللحظات الصعبة، لقد أثبت أن المستقبل بين أيدٍ أمينة، وأن هذا الجيل لا يخشى مواجهة أي منتخب مهما كان اسمه أو تاريخه.

ولكن بعيدًا عن تفاصيل المباراة، هناك قضية أكبر تستحق الحديث عنها؛ وهي تاريخ الكرة المصرية ومكانتها.

فمصر ليست وافدًا جديدًا على كرة القدم، بل تمتلك تاريخًا عريقًا يمتد لأكثر من قرن، أنديتنا الكبرى مثل الأهلي والزمالك كانت ولا تزال مدارس كروية صنعت جزءًا كبيرًا من تاريخ القارة الأفريقية، وجماهيرنا من أكثر الجماهير شغفًا وارتباطًا باللعبة.

لدينا إرث رياضي كبير، ولدينا أجيال صنعت المجد، وعلى رأسها جيل 2006 الذي أعاد كتابة تاريخ الكرة الأفريقية، لذلك فإن طموحنا ليس مبالغًا فيه، فهذه الدولة التي تمتلك كل هذا التاريخ تستحق أن تحلم بالوصول إلى مكانة أكبر بين كبار العالم.

لكن المفارقة أن كرة القدم في عالمنا لم تعد مجرد لعبة، بل أصبحت مرتبطة بشكل كبير بالسياسة والنفوذ والمصالح.

كثيرون يشعرون بأن مصر تواجه تحديات كبيرة في مجالات مختلفة، وأن الطريق أمامها ليس سهلًا، فكلما حاولت الدولة تجاوز حدود معينة في أي مجال، تظهر عقبات جديدة تجعل رحلة التقدم أكثر صعوبة، وهذا الشعور لا يقتصر على كرة القدم فقط، بل يمتد إلى مجالات أخرى مثل السياحة والاقتصاد والطاقة.

ولهذا فإن أي نجاح مصري يصبح له معنى أكبر؛ لأنه لا يأتي فقط نتيجة المنافسة الرياضية، بل نتيجة القدرة على تجاوز الصعوبات والاستمرار رغم التحديات.

إن الطريق نحو القمة لا يحتاج فقط إلى الموهبة، بل يحتاج إلى بناء قوي، وتخطيط طويل المدى، وإيمان بأن التفوق حق مشروع لكل من يعمل من أجله.

فالفوز الحقيقي ليس مجرد كأس أو بطولة، بل أن نحافظ على مبادئنا ونحن نسعى إلى النجاح.

وفي النهاية، فإن الخسارة من الأرجنتين لن تكون نهاية الحلم، بل هي البداية.. بداية مرحلة جديدة، وبداية جيل جديد لا يعرف للمستحيل طريق، جيل يستحق الدعم والإشادة.

لقد خرجنا من المباراة بمكاسب أكبر من النتيجة، خرجنا بجيل أعاد الثقة، ومدرب أعاد الروح، وحارس شاب صنع الأمل، وجماهير عادت تؤمن بأن القادم يمكن أن يكون أفضل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء