سقوط عكا.. كيف أشعل انتصار الصليبيين صراعًا بين ملوك أوروبا؟
في هذا اليوم عام 1191، شهدت الحملة الصليبية الثالثة واحدة من أهم محطاتها العسكرية بسقوط مدينة عكا في أيدي الصليبيين بعد حصار طويل ومعارك عنيفة ضد قوات السلطان صلاح الدين الأيوبي، ولم يكن سقوط المدينة مجرد انتصار عسكري، بل تحول إلى بداية سلسلة من الخلافات السياسية بين قادة الحملة أنفسهم، بعدما طغت المنافسة على النفوذ والزعامة على هدف استعادة القدس، وهو ما أضعف وحدة الصف الصليبي في واحدة من أهم الحملات العسكرية في العصور الوسطى.
حصار طويل انتهى بسقوط المدينة
جاء حصار عكا ضمن أحداث الحملة الصليبية الثالثة التي قادها عدد من أبرز ملوك أوروبا، وفي مقدمتهم ريتشارد الأول ملك إنجلترا المعروف بـ"قلب الأسد"، وفيليب أوغسطس ملك فرنسا، والإمبراطور الألماني فريدريك باربروسا، واتجهت الجيوش الصليبية إلى المدينة وأحكمت حصارها من البر والبحر، كما أقامت التحصينات والخنادق لعزلها عن قوات صلاح الدين ومنع وصول الإمدادات إليها.
ورغم محاولات المسلمين المتكررة لفك الحصار، فإن القصف المتواصل والهجمات المتكررة أنهكت المدينة، حتى وصل ريتشارد قلب الأسد إلى عكا في يونيو 1191، الأمر الذي عزز القوة العسكرية للصليبيين، لتنتهي المعركة بسقوط المدينة في 12 يوليو 1191 بعد مقاومة طويلة.
مثلت عكا واحدة من أهم مدن الساحل الفلسطيني وأكثرها أهمية من الناحية التجارية والعسكرية، إذ تعود جذورها إلى الحضارة الكنعانية، وظلت عبر القرون مركزًا اقتصاديًا وميناءً رئيسيًا على البحر المتوسط، وبعد سقوطها أصبحت القاعدة الرئيسية للصليبيين في بلاد الشام، وظلت تحت سيطرتهم لما يزيد على قرن، حتى تمكن السلطان الأشرف خليل بن قلاوون من استعادتها عام 1291، منهياً الوجود الصليبي الرئيس في الساحل الفلسطيني.
غرور ريتشارد يشعل الخلاف داخل المعسكر الصليبي
لم تمر لحظة الانتصار دون أزمات داخلية، إذ دخل ريتشارد قلب الأسد مدينة عكا باعتباره الحاكم الفعلي لها، متجاهلًا الاتفاق الذي كان ينص على إدارة المدينة بصورة مشتركة بين قادة الحملة، واستقر داخل القصر الرئيسي برفقة زوجته وشقيقته، بينما اضطر الملك الفرنسي فيليب أوغسطس إلى الإقامة في مقر أقل مكانة.
كما أمر برفع العلم الإنجليزي أولًا فوق المدينة، ووضع العلم الفرنسي إلى جواره، في حين رفض السماح لبقية القادة الأوروبيين برفع أعلامهم، وكان أبرز المتضررين من ذلك دوق النمسا ليوبولد الخامس، الذي أزال ريتشارد علمه وألقاه أرضًا وداس عليه أمام الجميع، وهو التصرف الذي أثار غضب الأمير النمساوي ودفعه إلى التعهد بالانتقام، وهو ما تحقق لاحقًا عندما أُسر ريتشارد خلال عودته إلى أوروبا.
صراع مبكر على عرش القدس
لم تتوقف الخلافات عند السيطرة على عكا، بل امتدت إلى لقب "ملك القدس"، رغم أن المدينة المقدسة كانت لا تزال خارج سيطرة الصليبيين، فقد احتدم النزاع بين جاي دي لوزينيان وكونراد دي مونتفيرات، حيث ادعى كل منهما أحقيته بالعرش، وانقسم قادة الحملة بين الطرفين، وقف ريتشارد قلب الأسد إلى جانب جاي، بينما دعم فيليب أوغسطس منافسه كونراد، لتتحول الخلافات السياسية إلى انقسام واضح داخل الحملة الصليبية، وهو ما انعكس سلبًا على تماسكها في مواجهة قوات صلاح الدين.
رحيل ملك فرنسا يضعف الحملة
مع تصاعد الخلافات، أدرك فيليب أوغسطس أن استمراره في الحملة لن يمنحه سوى دور ثانوي في ظل هيمنة ريتشارد قلب الأسد، فقرر العودة إلى فرنسا، سواء بدافع المرض أو نتيجة الخلافات السياسية التي وصلت إلى طريق مسدود.
عارض ريتشارد القرار بشدة، لأن الحملة كانت لا تزال في بدايتها، وكان يرى أن رحيل أحد أهم قادتها سيضعف القوة العسكرية للصليبيين، كما خشي أن يستغل فيليب غيابه ويهاجم ممتلكاته في فرنسا، وبعد مفاوضات، وافق الملك الفرنسي على ترك نحو عشرة آلاف جندي تحت قيادة ريتشارد، كما أقسم ألا يهاجم أراضيه حتى مرور أربعين يومًا على عودته من الحملة، قبل أن يغادر الأراضي المقدسة، لتبدأ الحملة مرحلة جديدة فقدت خلالها أحد أبرز قادتها.
سقوط عكا
رغم أن سقوط عكا منح الصليبيين موطئ قدم قويًا في بلاد الشام، فإنه كشف في الوقت نفسه حجم الانقسامات بين قادتهم، إذ تحولت المنافسة على الزعامة والمناصب إلى عامل أضعف وحدة الحملة الصليبية الثالثة، ويعد المؤرخون أن هذه الخلافات كانت من الأسباب التي حالت دون تحقيق الهدف الأكبر للحملة، وهو استعادة مدينة القدس، لتظل معركة عكا نموذجًا واضحًا لانتصار عسكري صاحبه فشل سياسي في إدارة التحالف الأوروبي.



