رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بسام الشماع: تاريخ مصر «مش هبد».. ويطالب غير المختصين بالصمت|خاص

 الدكتور بسام الشماع
الدكتور بسام الشماع

قال المؤرخ وعضو منظمة الإيكوم والمحاضر الدولي في علم المصريات بسام الشماع، أن الجدل المثار بشأن تصريحات الدكتور وسيم السيسي لا يتعلق بخلاف شخصي أو اختلاف عابر في الآراء، وإنما يرتبط بقضية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة التاريخية والأثرية ومن يحق له الحديث فيها، مشددًا على أن التاريخ المصري لا يجوز أن يتحول إلى مساحة مفتوحة لطرح تصورات غير موثقة أو أفكار لا تستند إلى أسس علمية معتمدة.

وقال الشماع إن ما جرى تداوله خلال الفترة الأخيرة بشأن الورقة التي تقدم بها عدد من علماء المصريات المتخصصين ضد الدكتور وسيم السيسي جاء نتيجة تراكم طويل من التصريحات والآراء التي طرحها الأخير عبر وسائل الإعلام على مدار سنوات، موضحًا أن الاعتراض الأساسي لا يتعلق بشخص الدكتور وسيم نفسه، وإنما بكونه طبيبًا متخصصًا في المسالك البولية، بينما يتحدث باستمرار في ملفات تخص التاريخ المصري والآثار والمصريات، وهي مجالات لها أدواتها وقواعدها الأكاديمية الدقيقة.

وأضاف أن القضية في جوهرها ترتبط بفكرة التخصص، موضحًا أن هناك فارقًا كبيرًا بين أن يبدي شخص رأيًا أو اهتمامًا بتاريخ مصر القديمة، وبين أن يطرح تفسيرات تاريخية وأثرية باعتبارها حقائق مؤكدة أمام الجمهور عبر البرامج الإعلامية والمنصات المختلفة.

حديت وسيم السيسي عن الحضارة المصرية القديمة

وأشار إلى أن الدكتور وسيم السيسي تحدث خلال السنوات الماضية عن أمور عديدة تتعلق بالحضارة المصرية القديمة، ومنها أفكار حول وجود طاقة داخل المباني الأثرية المصرية القديمة، أو وجود تفسيرات غير تقليدية لبعض المنشآت الأثرية، وهي أفكار أثارت اعتراضات واسعة من المتخصصين في علم المصريات.

وأوضح الشماع أن الأمر سبق أن شهد مواجهة مباشرة خلال إحدى الفعاليات التي أقيمت بقصر الأمير طاز، بحضور الدكتور زاهي حواس والدكتور ممدوح الدماطي، حيث تم تناول بعض الأفكار المطروحة والرد عليها من خلال نصوص هيروغليفية وأدلة أثرية مباشرة.

وقال إن الدكتور ممدوح الدماطي بحكم تخصصه في اللغة الهيروغليفية قام بتفنيد عدد من التفسيرات المطروحة بالأدلة والنصوص الأصلية، موضحًا أن الرد لم يكن قائمًا على الانطباعات الشخصية وإنما على أسس علمية موثقة.

وأضاف أن الدكتور وسيم السيسي نفسه أشار وقتها إلى أنه يقرأ بعض الكتب الأجنبية وينقل ما يرد بها من معلومات وينتظر الردود عليها، معتبرًا أن هذه النقطة تمثل جوهر الأزمة الحالية، لأن أي معلومة تاريخية أو أثرية يجب ألا تُنقل دون مراجعة طبيعتها ومدى اعتمادها كمصدر علمي معتبر.

وشدد الشماع على أن الكتب ليست جميعها في مرتبة واحدة من حيث القيمة العلمية، موضحًا أن هناك فارقًا واضحًا بين المصادر المعتمدة والمراجع الأكاديمية، وبين كتب أخرى تعتمد على اجتهادات أو تصورات شخصية أو قراءات غير مدعومة بالأدلة.

وأضاف أن المصدر التاريخي المعتبر هو الذي يستند إلى وثائق ونصوص وحفائر ودراسات علمية معروفة، بينما توجد كتب أخرى تعتمد على تصورات خيالية أو اجتهادات فردية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مصادر علمية.

وأشار إلى أن هناك أسماء علمية مصرية كبيرة تمثل مصادر موثوقة في الدراسات التاريخية والأثرية، مؤكدًا أن الاعتماد على هذه المراجع يختلف تمامًا عن الاعتماد على مؤلفات تقوم على تصورات مثيرة أو أفكار غير مثبتة.

وأوضح أن المشكلة لا تكمن فقط في طرح المعلومات الخاطئة، بل في طريقة تقديمها أيضًا، لافتًا إلى أن بعض الشخصيات تمتلك أسلوبًا جذابًا وكاريزما قادرة على التأثير في الجمهور، وهو ما يجعل بعض الأفكار تصل بسهولة إلى الناس حتى وإن كانت غير دقيقة علميًا.

وأكد أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والبودكاست خلال السنوات الأخيرة ضاعف حجم المشكلة، لأن تلك المنصات أصبحت أسرع انتشارًا من الوسائل التقليدية، وبالتالي باتت المعلومات تنتقل بشكل واسع جدًا خلال وقت قصير.

تصحيح المعلومة الخاطئة 

وقال إن البعض يردد دائمًا أن من حق أي شخص أن يطرح أفكاره ثم يرد عليه الآخرون، لكنه يرى أن المسألة ليست بهذه البساطة، لأن نشر معلومة غير دقيقة يجعلها تنتشر أولًا ثم يبدأ التصحيح بعد ذلك، وفي أحيان كثيرة تكون المعلومة الخاطئة قد ترسخت بالفعل لدى قطاعات واسعة من الجمهور.

وأضاف أن المشكلة الحقيقية تتمثل في أن هذه المعلومات لا تؤثر فقط على فهم الناس للتاريخ، بل قد تؤثر أيضًا على صورة الحضارة المصرية نفسها، لأنها أحيانًا تقدم الحضارة باعتبارها قائمة على أسرار غامضة أو تفسيرات غير موثقة، في حين أن قوة الحضارة المصرية الحقيقية تكمن في إنجازاتها العلمية والهندسية والتنظيمية.

وأكد الشماع أن المعلومات غير الدقيقة تضعف من قيمة الإنجاز الحضاري المصري بدلًا من تعزيزه، لأنها تنقل الصورة بعيدًا عن الحقائق التي أثبتتها الدراسات والحفائر والوثائق الأثرية.

وأشار إلى أن المجتمع المصري يواجه في الوقت الحالي أزمة حقيقية تتعلق بعزوف قطاعات كبيرة عن القراءة والاعتماد بشكل أكبر على المحتوى السريع الموجود عبر الهواتف المحمولة ومواقع التواصل.

وأضاف أن الكتب الورقية والمراجع العلمية كانت دائمًا وسيلة أساسية لبناء المعرفة الحقيقية، لكن الاعتماد المتزايد على المحتوى المختصر والسريع خلق بيئة تسمح بانتشار المعلومات غير الدقيقة بشكل أكبر.

وقف غير المتخصصين عن الحديث عن الاثار

وأكد أنه يؤيد فكرة وقف ظهور غير المتخصصين في البرامج الإعلامية عندما يتعلق الأمر بملفات تاريخية وأثرية دقيقة، موضحًا أن ذلك لا يمثل تقييدًا للرأي، وإنما يهدف إلى حماية المعرفة من التشويه.

وقال إن الطبيب يجب أن يتحدث في الطب، والمهندس في الهندسة، والمتخصص في الآثار في التاريخ وعلم المصريات، لأن لكل مجال أدواته وقواعده الخاصة.

كما دعا إلى وجود آليات أكثر تنظيمًا فيما يتعلق باستضافة الضيوف في البرامج الإعلامية، بحيث يتم التأكد من طبيعة تخصصاتهم قبل تقديمهم كمصادر للمعرفة في ملفات دقيقة تتعلق بالتاريخ والآثار.

دعمه موقف زاهي حواس

واختتم الشماع تصريحاته بالتأكيد على دعمه لموقف الدكتور زاهي حواس في هذه القضية، موضحًا أن القضية في النهاية ليست موجهة ضد أشخاص بعينهم، وإنما تتعلق بحماية التاريخ المصري من المعلومات غير الموثقة، مضيفًا: "التاريخ المصري ليس مساحة للهبد، ومصر تمتلك علماء كبارًا ومتخصصين قادرين على تقديم المعرفة الصحيحة المبنية على الأدلة والوثائق".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء