حسين عبد البصير: الحضارة المصرية تُقرأ بالنصوص والحفائر لا بالتأويلات| خاص
قال الدكتور حسين عبد البصير مدير متاحف مكتبة الإسكندرية، أن الجدل الدائر بين الدكتور وسيم السيسي والدكتور زاهي حواس لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يتجاوز ذلك إلى قضية تتعلق بجوهر المنهج العلمي وآليات التعامل مع التاريخ والحضارات القديمة.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك"، أن العلوم الإنسانية والآثار بطبيعتها تتيح مساحة واسعة للاجتهاد وإعادة قراءة الأدلة وإعادة تفسيرها، لكن هذه الاجتهادات تظل مقبولة داخل الإطار الأكاديمي فقط إذا استندت إلى أدلة أثرية موثقة، ونصوص أصلية، ونتائج حفائر واضحة، وتحليلات علمية قابلة للمراجعة والنقد من جانب المجتمع العلمي المتخصص. وأضاف أن أي فرضيات تتجاوز هذه القواعد دون تقديم أدلة قابلة للاختبار تبقى في إطار الآراء أو التصورات الشخصية، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق علمية مستقرة، مشيراً إلى أن الخلاف بين الطرفين يمكن قراءته من خلال ثلاثة مستويات رئيسية.
طبيعة الدليل العلمي
قال إن المستوى الأول يرتبط بطبيعة الدليل العلمي نفسه، موضحًا أن علماء الآثار المحترفين يعتمدون في عملهم على الحفائر والطبقات الأثرية والنقوش والبرديات والقياسات الهندسية والنتائج التي توفرها التحليلات العلمية الحديثة، باعتبارها أدوات رئيسية للوصول إلى استنتاجات علمية.
وأضاف أن بعض الطروحات الأخرى تميل إلى تقديم قراءات تفسيرية واسعة تتجاوز أحيانًا حدود ما تسمح به الأدلة الأثرية المتاحة، وهو ما يخلق مساحة من الجدل بين التفسير العلمي والتأويل الواسع.
اختلاف في قراءة الحضارة المصرية
وأوضح أن المستوى الثاني يتعلق بمنهج قراءة الحضارة المصرية القديمة، لافتًا إلى أن هناك اتجاهًا يرى أن الحضارة المصرية يمكن فهمها من خلال ما تركه المصري القديم من آثار ونصوص ووثائق وشواهد مادية واضحة.
وأضاف أن هناك اتجاهًا آخر يمنح مساحة أكبر للتفسيرات الفلسفية والرمزية، وأحيانًا يربط الحضارة المصرية بأفكار لا تمتلك سندًا أثريًا مباشرًا أو واضحًا.
وأشار إلى أن الخلاف هنا لا يدور فقط حول النتائج، وإنما يتعلق أيضًا بالمنهج الذي تُقرأ به الحضارة نفسها.
البعد الإعلامي للجدل
وأكد أن هناك بعدًا ثالثًا يتعلق بالإعلام، خاصة أن الشخصيتين تحظيان بحضور جماهيري واسع، الأمر الذي يجعل أي اختلاف بينهما يتحول سريعًا إلى قضية رأي عام.
وأضاف أن كثيرًا من القضايا العلمية عادة ما تُحسم داخل المؤتمرات والدوريات الأكاديمية وبين المتخصصين، لكنها عندما تنتقل إلى وسائل الإعلام تأخذ أبعادًا مختلفة وتتجاوز حدود النقاش الأكاديمي.
الأهرامات ومزاعم "مصادر الطاقة"
وفيما يتعلق بالتصريحات الخاصة بأن الأهرامات لم تكن مقابر وإنما مصادر للطاقة، أكد أن هذا الطرح لا يحظى بقبول داخل علم المصريات أو علم الآثار الحديث.
وأوضح أن الأدلة الأثرية المتراكمة عبر أكثر من قرن تشير بوضوح إلى أن الأهرامات الملكية خلال عصر الدولة القديمة كانت جزءًا من مجمعات جنائزية متكاملة تضم المعبد الجنائزي والطريق الصاعد ومعبد الوادي ومراكب الشمس والمصاطب وغيرها من العناصر المرتبطة بالعقيدة الجنائزية المصرية القديمة.
وأضاف أن بعض الأهرامات احتوت أيضًا على نصوص جنائزية معروفة باسم نصوص الأهرام، وهي نصوص تؤكد الوظيفة الدينية والجنائزية لهذه المنشآت.
وأشار إلى أن وجود نقاشات علمية مستمرة حول بعض التفاصيل مثل تقنيات البناء أو الأساليب الهندسية أو الفراغات المكتشفة حديثًا داخل الهرم الأكبر، لا يعني أن الأهرامات كانت محطات لتوليد الطاقة بالمفهوم الفيزيائي المعروف، مؤكدا أنه حتى الآن لم تنشر أبحاث علمية محكمة تثبت أن الأهرامات صُممت لهذا الغرض.
فرضية الكائنات الفضائية
وتحدث أيضًا عن الفرضيات المتعلقة بتدخل كائنات فضائية في بناء الحضارة المصرية أو الأهرامات، مؤكدًا أن هذه الفكرة تعد من أكثر الأفكار انتشارًا في الثقافة الشعبية، لكنها لا تستند إلى أدلة أثرية أو تاريخية موثوقة.
وأوضح أن الحفائر كشفت عن قرى العمال الذين شاركوا في بناء الأهرامات، ومساكنهم، ومخابزهم، ومقابرهم، وأدواتهم الحجرية والنحاسية، بالإضافة إلى سجلات إدارية مهمة مثل برديات وادي الجرف التي وثقت عمليات نقل أحجار الكسوة الخاصة بهرم الملك خوفو.
وأشار إلى أن هذه الاكتشافات تقدم صورة متكاملة حول كيفية تنفيذ مشروع بناء الأهرامات من خلال تنظيم إداري متقدم وأيدٍ مصرية خالصة.
وأضاف أن إرجاع بناء الأهرامات إلى كائنات فضائية قد ينتقص، دون قصد من أصحاب هذه الفرضيات أحيانًا، من الإنجاز الحضاري الكبير الذي حققه المصريون القدماء بقدراتهم الهندسية والتنظيمية والإدارية.
الأدلة العلمية هي الفيصل
وأكد أنه حتى الآن لا توجد أدلة أثرية أو فيزيائية معترف بها تثبت أن الأهرامات كانت محطات للطاقة، أو أن الحضارة المصرية القديمة قامت بمساعدة كائنات من خارج الأرض، ولذلك تظل هذه الأفكار خارج إطار الإجماع العلمي، بينما يبقى التفسير القائم على الأدلة الأثرية هو الأساس الذي يعتمد عليه علم المصريات المعاصر.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن العلم بطبيعته لا يغلق الباب أمام الأفكار الجديدة، لكنه في الوقت نفسه يطالب أصحابها بتقديم أدلة قابلة للفحص والمراجعة والتكرار.




