رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

محمد الشافعي يكشف رحلة «الأبنودي» من صوت الناس إلى أيقونة الوطن|خاص

الكاتب الصحفي محمد
الكاتب الصحفي محمد الشافعي

أكد الكاتب الصحفي والمؤرخ محمد الشافعي أن الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي كان يرى نفسه “مندوب الغلابة”،  وأنه جاء من بينهم ليعبر عنهم بصدق، وهو ما تجلى بوضوح في ديوانه الأول “الأرض والعيال”، الذي شكّل مع ديوان «الصياد والجنّيّات» للشاعر سيد حجاب نقلة نوعية في مسار الشعر العامي المصري.

مراحل شعر العامية 

وأوضح الشافعي في حديثه لـ"إيجبتك": أن تجربة الشعر العامي مرت بمراحل متعددة، بدأت مع عبد الله النديم، و ببيرم التونسي، ثم فؤاد حداد الذي فتح أمام العامية أفقا شعريًا أرحب، وصولًا إلى صلاح جاهين الذي عبر عن فلسفة البسطاء، قبل أن يأتي جيل الستينيات، الذي ضم الأبنودي وسيد حجاب وفؤاد قاعود وغيرهم، ليمنح هذا الفن عمقًا وتجددًا لافتين.

وأشار إلى أن تجربة الأبنودي ارتكزت على عدة محطات مهمة، من أبرزها تجربته في السد العالي، التي أثمرت عن "جوابات حراجي القط"، ثم تجربته خلال حرب الاستنزاف، والتي انعكست في ديوان “وجوه على الشط”، إلى جانب مشروعه الضخم في جمع “السيرة الهلالية”، الذي استغرق منه سنوات طويلة من العمل والبحث.

الشعر الاستقصائي عند الأبنودي 

وأكد أن الأبنودي قدم ما يمكن وصفه بـ«الشعر الاستقصائي»، إذ كان يذهب بنفسه إلى مواقع الأحداث، يعيشها عن قرب، ثم يكتب عنها من الداخل، كما فعل في السد العالي حين عاش بين آلاف العمال، مسجلًا تفاصيل حياتهم وكفاحهم، ومجسدا بذلك مشروعًا وطنيًا قائمًا على الإنسان، ليظل الأبنودي صوتًا صادقًا للوطن.

ولفت إلى أن الأبنودي كان قد انتهى من كتابة “جوابات حراجي القط” في الستينيات، إلا أن اعتقاله أدى إلى ضياع المسودات الأولى، ما اضطره إلى إعادة كتابة الديوان من جديد خلال فترة حرب الاستنزاف، مشيرا إلى أن الأبنودي نفسه أكد أنه لم يُعتقل بسبب كتاباته، بل نتيجة انتمائه إلى بعض التيارات اليسارية آنذاك، في ظل توتر سياسي وفكري شهدته تلك المرحلة.

اعتقال الأبنودي 

وأضاف أن الأبنودي خرج من تجربة الاعتقال بمرارة واضحة، لكنها عمّقت في داخله الإيمان بقيمة الحرية، فعاد إلى قريته في أبنود ليبدأ مشروعه في جمع السيرة الهلالية، قبل أن تعيده أحداث العدوان إلى قلب المشهد الوطني، حيث توجه إلى السويس، وعاش بين أهلها، وتحديدًا في منزل أحد الفلاحين البسطاء، ليكون شاهدًا ومشاركًا في لحظة وطنية فارقة.

وخلال هذه الفترة، استعاد الأبنودي كتابة “جوابات حراجي القط”، كما قدم في ديوان “وجوه على الشط” ما يمكن اعتباره “بورتريه شعري”، حيث رسم ملامح شخصيات حقيقية من واقع الحرب والمقاومة، وقد تبنّت الإذاعة المصرية هذه التجربة، وجرى بثها عبر إذاعة صوت العرب خلال شهر رمضان عام 1969، عقب أذان المغرب مباشرة.

دور الأبنودي في حرب الاستنزاف 

وأكد الشافعي أن الأبنودي كان حاضرًا بقوة خلال حرب الاستنزاف، شاهدًا على بطولات الجيش المصري، ومتابعا لنضال المقاومة الشعبية، بل ومشاركًا في تشكيل الوعي الوطني من خلال إبداعه، خاصة عبر تعاونه مع فرقة “ولاد الأرض”، التي قادها الكابتن غزالي، أحد أبرز رموز المقاومة.

الأغاني الوطنية في شعر الأبنودي 

كما أبدع الأبنودي خلال تلك الفترة عددًا من الأغاني الوطنية المهمة، التي أسهمت في رفع الروح المعنوية، لتصبح هذه التجربة إحدى الركائز الأساسية في مشروعه الإبداعي، إلى جانب مشروعه الكبير في جمع السيرة الهلالية، الذي استغرق نحو ثلاثين عامًا، وجمع خلاله ما يزيد على 900 ساعة تسجيلية، تضم ملايين الأبيات الشعرية.

وأشار إلى أن الدولة المصرية دعمت هذا المشروع، حيث أذيعت أجزاء منه عبر الإذاعة، كما أصدر الأبنودي عدة أجزاء منه في كتب، رغم أنه لم يتمكن من استكمال نشره كاملًا، مشيرا إلى  أن هذه التجربة تمثل إحدى أهم الإسهامات الثقافية في حفظ التراث الشعبي العربي.

تطوير الأغنية المصرية

وتطرق إلى دور الأبنودي في تطوير الأغنية المصرية، حيث نجح في نقلها من أجواء “الصالونات” إلى نبض الشارع، مقدمًا لغة جديدة ومفردات حية، تعاون من خلالها مع كبار المطربين والملحنين، وحقق نجاحًا واسعًا في الأغنية الوطنية والعاطفية على حد سواء، مشيرا إلى إسهاماته في كتابة الأغاني الدرامية، خاصة في مقدمات ونهايات المسلسلات، بالتعاون مع سيد حجاب، مؤكدًا أن هذا المجال وحده يستحق دراسة مستقلة لما يحمله من إنجازات فنية كبيرة.

واختتم الشافعي حديثه لـ"إيجبتك": على أن عبد الرحمن الأبنودي سيظل واحدًا من أهم شعراء العامية في مصر والعالم العربي، وأن الاختلاف حول بعض مواقفه لا يقلل من قيمته، بل يعكس ثراء تجربته، مشددًا على أنه ترك بصمة واضحة في الشعر والغناء والتراث، ليستحق عن جدارة لقب “طائر الجنوب ومدّاح الوطن”.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء